إنتقال للمحتوى

مرحبا! منتديات اسماعيلي اون لاين ترحب بكم .للبث المباشر اضغط هنا

صورة

موسوعة الدورس الإسلامية


تمت ارشفه هذا الموضوع. لهذا لن تتمكن من الرد على هذا الموضوع
37 رد (ردود) على هذا الموضوع

#1 غير متصل   ashlpi

ashlpi

    إسماعيلاوي قبل أن أولد

  • Members
  • 1042 مشاركة

تاريخ المشاركة 12 January 2008 - 05:34 PM

هذه مجموعة من الدروس الإسلامية على مذهب أهل السنة والجماعة منتقاة ومراجعة وقد قمت بنفسي بجمعها منذ حوالي سنتين ونشرها في أحد منتديات على الإنترنت ولكن تم تخريب هذا المنتدى فنقلتها هنا للفائدة

الدرس الأول : فضائل الصلاة على النبي


فوائد الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم كثيرة جدا ، ولكن نذكر البعض منها تشويقا للقارئ لكي يزيد من صلاته و سلامه على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، لعل الله تعالى أن يرزقه محبته الخالصة ويكون في أكثر أوقاته مصليا ومسلماعليه صلى الله عليه وآله و سلم ، فمن ذلك:


1 ـ امتثال أمر الله سبحانه و تعالى، فلقد ‏قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ على النَّبيّ يا أيُّها الَّذين آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً} [الأحزاب: 56] قال سهل بن عبدالله : الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم أفضل العبادات لأن الله تعالى تولاها هو وملائكته ثم أمر بها المؤمنين وسائر العبادات ليس كذلك ‏


2 ـ موافقة الله سبحانه في الصلاة عليه ، و إن اختلفت الصلاتان ، فصلاتنا عليه دعاء و سؤال . و صلاة الله عليه ثناء و تشريف
3 ـ موافقة ملائكة الله في الصلاة عليه


4 ـ وهو من أهمها صلاة الله وسلامه على من صلى وسلم عليه ، فعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشرا (رواه مسلم )


5 ـ الملائكة تصلي على صاحبها ما دام يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ، فعن عامر بن ربيعة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من صلى علي صلاة لم تزل الملائكة تصلي عليه ما صلى علي فليقل عبد من ذلك أو ليكثر ( رواه أحمد )



6 ـ غفران الذنوب ومحو السيئات 7 ـ كسب الحسنات 8 ـ رفع الدرجات 9 ـ الرد على المصلي بمثل ما دعا ، فعن أبي طلحة قال دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم يوما فوجدته مسرورا فقلت : يا رسول الله ما أدري متى رأيتك أحسن بشرا وأطيب نفسا من اليوم قال وما يمنعني وجبريل خرج من عندي الساعة فبشرني أن لكل عبد صلى علي صلاة يكتب له بها عشر حسنات ويمحى عنه عشر سيئات ويرفع له عشر درجات وتعرض علي كما قالها ويرد عليه بمثل ما دعا ( رواه عبد الرزاق ) وعن عمير الأنصاري قال:قال رسول الله : من صلى علي من أمتي صلاة مخلصا من قلبه صلى الله عليه بهاعشرصلوات ورفعه بهاعشر درجات وكتب له بها عشر حسنات ومحا عنه عشر سيئات ( النسائي) .وعن أبي كاهل قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اعلمن يا أبا كاهل أنه من صلىعلي كل يوم ثلاث مرات وكل ليلة ثلاث مرات حبا بي وشوقا كان حقاعلى الله أن يغفر له ذنوبه تلك الليلة (الطبراني)


10 ـ سبب لشفاعته ، فعن أبي الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من صلىعلي حين يصبح عشرا وحين يمسي عشرا أدركته شفاعتي يوم القيامة ( رواه الطبراني )


11 ـ سبب لقرب العبد من رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة ، فعن أبي أمامة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثروا علي من الصلاة في كل يوم جمعة فإن صلاة أمتي تعرض علي في كل يوم جمعة فمن كان أكثرهم علي صلاة كان أقربهم مني منزلة ( البيهقي )


12 ـ فاعلها أولى الناس به يوم القيامة فعن عبد الله بن مسعود أن رسول الله قال صلى الله عليه وسلم : أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة ( الترمذي )


13ـ سبب للنجاة من سائر الأهوال يوم القيامة فعن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أيها الناس إن أنجاكم يوم القيامة من أهوالها ومواطنها أكثركم علي صلاة في دار الدنيا(الديلمي)


14ـ ترمي بصاحبها على طريق الجنة وتخطىء بتاركها عن طريقها ، فعن الحسين بن علي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من ذكرت عنده فخطيء الصلاة علي خطىء طريق الجنة (ابن ماجة)


15 ـ النور يوم القيامة 16 ـ زينة المجالس فعن عمر : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : زينوا مجالسكم بالصلوات علي فإن صلواتكم علي نور لكم يوم القيامة ( الديلمي )


17 ـ تنجي من نتن مجلس الذي لا يذكر فيه اسم الله ورسوله ويصلى على رسوله ، فعن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما اجتمع قوم ثم تفرقوا ذكر الله وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم إلا قاموا عن أنتن من جيفة ( البيهقي)


18 ـ الصلاة على النبي سبب لطيب المجلس لأنه إذا كان المجلس الذي لا يصلى فيه يكون بهذه الحالة فلا غرو أن يتفرق المصلون عليه من مجلسهم عن أطيب من خزانة العطار، وذلك لأنه كان أطيب الطيبين وأطهر الطاهرين


19 ـ الصلاة على النبي سبب لئلا يعود المجلس على أهله حسرة يوم القيامة ، فعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم ترة ـ أي حسرة وندامة ـ فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم ( الترمذي )


20ـ21ـ22ـ سبب للبراءة من النفاق و النار، والسكن في دار الشهداء ، فعن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه عشرا ومن صلى علي عشرا صلى الله عليه مائة ، ومن صلى علي مائة كتب الله بين عينيه براءة من النفاق وبراءة من النار، وأسكنه الله يوم القيامة مع الشهداء ( الطبراني) .


23 ـ نفي الفقر وضيق العيش ، فعن سمرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كثرة الذكر والصلاة علي تنفي الفقر ( أبو نعيم )


24 ـ سبب لكفاية العبد ما أهمه من أمر الدنيا والآخرة


25 ـ شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم يوم القيامة ، عن أبي بن كعب قال : قلت : يا رسول الله إني أكثر الصلاة ـ الدعاء ـ فكم أجعل لك من صلاتي ـ دعائي ـ ؟ قال صلى الله عليه وسلم : ما شئت ، قال : قلت : الربع ؟ قال صلى الله عليه وسلم : ما شئت ، و إن زدت فهو خير لك . قلت : النصف ؟ قال صلى الله عليه وسلم : ما شئت ، وإن زدت ، فهو خير لك . قلت : الثلثين ؟ قال صلى الله عليه وسلم: ما شئت ، و إن زدت ، فهو خير لك . قال : أجعل لك صلاتي كلها ؟ قال صلى الله عليه وسلم : إذا تكفى همك ، و يغفر لك ذنبك( الترمذي ، و قال : حسن صحيح ) . عن أبي هريرة قال قال رسول الله : ما من عبد يسلم علي عند قبري إلا وكل الله به ملكا يبلغني وكفي أمر آخرته ودنياه وكنت له شهيدا وشفيعا يوم القيامة ( البيهقي )


26 ـ يلتمس مظان الخير ، فعن أبي هريرة قال : قال صلى الله عليه وسلم: من قرأ القرآن ، وحمد الرب ، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ، ويستغفر ربه ، فقد طلب الخير مكانه ( البيهقي ) [وفي رواية من مظانه]


27 ـعرض اسم المصلي عليه وذكره عنده ، فعن أوس بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فيه خلق آدم عليه السلام وفيه قبض وفيه النفخة وفيه الصعقة فأكثروا علي من الصلاة فإن صلاتكم معروضة علي قالوا يا رسول الله وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت ـ بليت ـ قال : إن الله عز وجل قد حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء عليهم السلام ( النسائي ). وعن عمار بن ياسر يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله وكل بقبري ملكا أعطاه أسماع الخلائق فلا يصلي علي أحد إلى يوم القيامة إلا أبلغني باسمه واسم أبيه هذا فلان بن فلان قد صلى عليك ( البزار ) وكفى بالعبد شرفا أن يذكر اسمه بالخير بين يدي رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم .


28 ـ رد النبي السلام على من صلى وسلم عليه : فعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ما من أحد يسلم على إلا رد الله على روحي حتى أرد عليه السلام ( أبو داود ) .


29ـ يرجى إجابة دعائه إذا قدمها أمامه ، فعن عبدالله بن مسعود قال : إذا أراد أحدكم أن يسأل فليبدأ بالمدح والثناء على الله بما هو أهله ثم ليصل على النبي صلى الله عليه وسلم ثم ليسأل بعد فإنه أجدر أن ينجح (الطبراني )


30 ـ يحرم من الإجابة إذا لم يصل على النبي في دعائه ، فعن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الدعاء محجوب عن الله حتى يصلى على محمد وعلى آل محمد ( البيهقي )


31 ـ تقوم مقام الصدقة لذي العسرة ، فعن أبي سعيد الخدري عن رسول الله قال صلى الله عليه وسلم :أيما رجل مسلم لم يكن عنده صدقة فليقل في دعائه : اللهم صل على محمد عبدك ورسولك وصل على المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات فإنها زكاة ( ابن حبان )


32 ـ تُقضى له مائة حاجة من حوائج الدنيا و الآخرة


33 ـ تثبت الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم في صحيفة بيضاء عند الرسول صلى الله عليه وسلم، فعن أنس بن مالك قال قال النبي صلى الله عليه وسلمإن اقربكم مني يوم القيامة في كل موطن أكثركم علي صلاة في الدنيا من صلى علي في يوم الجمعة وليلة الجمعة مائة مرة قضى الله له مائة حاجة سبعين من حوائج الآخرة وثلاثين من حوائج الدنيا ثم يوكل الله بذلك ملكا يدخله في قبري كما يدخل عليكم الهدايا يخبرني من صلى علي باسمه ونسبه الى عشيرته فأثبته عندي في صحيفة بيضاء ( البيهقي )


34ـ الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم زكاة و طهارة للمصلي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أكثروا الصلاة علي فإن الصلاة علي زكاة لكم ( أبو يعلى ) .


35 ـ تنفي عن العبد اسم البخل إذا صلى عليه صلى الله عليه وسلم عند ذكره فعن حسين بن علي بن أبي طالب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :البخيل الذي من ذكرت عنده فلم يصل علي ( الترمذي ) .


36 ـ كتابة قيراط من الأجر مثل جبل أحد ، فعن علي : قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من صلى علي صلاة كتب الله له قيراطا والقيراط مثل أحد ( عبد الرزاق )


37 ـ تثبيت القدم على الصراط والجواز عليه كالبرق الخاطف عن عبدالرحمن بن سمرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :رأيت رجلا من أمتي يزحف على الصراط مرة ويجثو مرة ويتعلق مرة فجاءته صلاته علي فأخذت بيده فأقامته على الصراط حتى جاوز ( الطبراني )


38 ـ الكيل بالمكيال الأوفى عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى إذا صلى علينا أهل البيت فليقل : اللهم صل على محمد النبي وأزواجه العالمين المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد ( أبو داود )


39 ـ تستغفر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لقائلها ، فعن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :ما من عبد يصلي علي صلاة إلا عرج بها ملك حتى يجيء بها وجه الرحمن عز وجل فيقول الله عز وجل اذهبوا بها إلى القبرعندي تستغفرلقائلها وتقر بها عينه ( الديلمي )


40 ـ رضا الله تعالى ، فعن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من سره أن يلقى الله عنه راضيا فليكثر الصلاة علي ( الجرجاني ).عن علي بن أبي طالب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صلاتكم علي مجوزة لدعائكم ومرضاة لربكم وزكاة لأعمالكم ( الديلمي)


41 ـ سبب لغشيان الرحمة ، فعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن لله سيارة من الملائكة يطلبون حلق الذكر فإذا حفوا عليهم وأتوا بهم ثم بعثوا رائدهم إلى السماء إلى رب العزة تبارك وتعالى فيقولون ربنا أتينا على عباد من عبادك يعظمون آلائك ويتلون كتابك ويصلون على نبيك محمد صلى الله عليه وسلم ويسألونك لآخرتهم ودنياهم فيقول تبارك وتعالى غشوهم رحمتي فيقولون يا رب إن فيهم فلانا الخطاء إنما اعتنقهم اعتناقا فيقول تبارك وتعالى غشوهم رحمتي فهم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم ( البزار )


42 ـ سبب لتبشير العبد بالجنة قبل موته ورؤية المقعد فيها فعن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من صلى علي في يوم ألف مرة لم يمت حتى يرى مقعده من الجنة( أبو حفص بن شاهين )

43 ـ ينتفع هو وولده بها وبثوابها وكذلك من أهديت في صحيفته ، فعن حذيفة قال : إن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لتدرك الرجل وولده وولد ولد ( أحمد )


44 ـ فضلها على عتق الرقاب عن أبي بكر الصديق قال : الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أمحق للخطايا من الماء للنار والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من عتق الرقاب وحب رسول الله أفضل من ضرب السيف في سبيل الله عز وجل ( الأصفهاني )


45 ـ كتابة الصلاة على النبي بأقلام من ذهب على قراطيس من نور ، فعن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لله عز وجل ملائكة في الأرض خلقوا من النور لا يهبطون إلا ليلة الجمعة ويوم الجمعة بأيديهم أقلام من ذهب وداوة من فضة وقراطيس من نور لا يكتبون إلا الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ( الديلمي ) .


46 ـ الدخول تحت ظل العرش عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاث تحت ظل العرش يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظله من فرج عن مكروب من أمتي وأحيا سنتي وأكثر الصلاة علي (الديلمي) .

47 ـ 48 ـ تطهر القلب من الصدأ قال صلى الله عليه وسلم: بكل شيء طهارة و غسل وطهارة قلوب المؤمنين من الصدأ الصلاة علي ( )


49 ـ رجحانها على أكثر من عشرين غزوة وقيامها مقامها ، فعن عبد الله بن جراد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حجوا الفرائض فإنها أعظم أجراً من عشرين غزوة في سبيل الله عز وجل فإن الصلاة علي تعدل ذا كله ( الديلمي )


50 ـ تذكير العبد ما نسيه ، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا نسيتم شيئا فصلوا علي تذكروه إن شاء الله ( أبو موسى المديني )


51 ـ سبب لتمام وبركة الكلام الذي ابتدئ بحمد الله ، و الصلاة على رسوله عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله والصلاة علي فهو أقطع أبتر ممحوق من كل بركة ( الرهاوي / ابن المديني/ابن منده / القزويني )


52 ـ قبول الله الدعاء والصلاة على النبي وعدم ردهما : قال أبو سليمان الداراني الصلاة على النبي مقبولة ( النميري ) . فالصلاة على النبي لها خاصية القبول من الله . و قد خرجت من عموم الدعاء المقبول ومنه المردود لأن الله تعالى قال :إن الله وملائكته يصلون على النبي ، وهذا دليل على أنه سبحانه لا يزال مصليا على رسوله ، ثم امتن سبحانه على عباده المؤمنين حيث أمرهم بالصلاة أيضا ليحصل لهم بذلك زيادة فضل وشرف وإلا فالله سبحانه وتعالى يصلي عليه فيكون دعاء المؤمن بطلب الصلاة من ربه تعالى مجابا لإخباره سبحانه وتعالى بأنه يصلي عليه بخلاف سائر أنواع الدعاء وغيره من العبادات .وأما الثواب فهو مشروط بعدم العوارض كاستعمالها على محرم أو لإتيانه بها من قلب غافل أو لرياء وسمعة


53 ـ هي نور لصاحبها في قبره ويوم حشره على الصراط ، فعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الصلاة علي نور على الصراط ومن صلى علي يوم الجمعة ثمانين مرة غفر له ذنوب ثمانين عاماً


قال السيوطي : كثرة الصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم تكثر الأرزق و البركات ، و تقضى الحوائج ، و تكشف الهموم و الغموم و الكروب كلها بالمشاهدة و التجربة بين السلف و الخلف قال السيد البكري : وللصلاة عليه صلى الله عليه وسلم فوائد لا تحصى منها أنها تجلو القلب من الظلمة وتغني عن الشيخ وتكون سببا للوصول وتكثر الرزق وأن من أكثر منها حرم الله جسده على النار


وينبغي للشخص إذا صلى عليه أن يكون بأكمل الحالات متطهرا متوضئا مستقبل القبلة متفكرا في ذاته صلى الله عليه وسلم ، وأن يرتل الحروف ، وأن لا يعجل في الكلمات كما قال صلى الله عليه وسلم ، فعن عبد الله بن مسعود قال إذا صليتم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسنوا الصلاة عليه فإنكم لا تدرون لعل ذلك يعرض عليه قال فقالوا له فعلمنا قال قولوا اللهم اجعل صلاتك ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين وإمام المتقين وخاتم النبيين محمد عبدك ورسولك إمام الخير وقائد الخير ورسول الرحمة اللهم أبعثه مقاما محمودا يغبطه به الأولون والآخرون اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد ( ابن ماجة )

جمع و ترتيب : عمار بن مصطفى بازرباشي


و من أراد المزيد فليراجع كتاب مائة فائدة في الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم



#2 غير متصل   ashlpi

ashlpi

    إسماعيلاوي قبل أن أولد

  • Members
  • 1042 مشاركة

تاريخ المشاركة 12 January 2008 - 05:36 PM

الدرس الثاني: الحجاب الشرعي للمرأة المسلمة

الحجاب الشرعي للمرأة


فرض الله تعالى الحجاب على المرأة المسلمة تكريما لها ، و حفاظا على مكانتها السامية من أن تمس بسوء من الفساق و أشباه الرجال . كما أن الحجاب يمنع من وقوع الرجال في فتنتهن ، و يحفظهن من الأذى المترتب على ذلك .
ففي الإسلام يجب على كل امرأة مسلمة أن تلبس الحجاب الشرعي أمام الرجال الأجانب ، و هم جميع الرجال باستثناء المحارم ، و هم :

( 1ـ الآباء 2 ـ الأجداد 3 ـ آباء الأزواج 4 ـ أبناء الأزواج 5 ـ أبناء أزواجهن 6 ـ الأخوة 7 ـ أبناء الأخوة 8 ـ أبناء الأخوات 9 ـ الأعمام 10 ـ الأخوال 11 ـ المحارم من الرضاع ) .


و تحرم مخالفة شرط من شروط الحجاب الشرعي الثمانية أينما وجد الرجال الأجانب . فبعض النساء يرتدين حجابا شرعيا خارج بيوتهن ، و لكنهن يخالفن بعض هذه الشروط أمام بعض أقاربهن كأبناء أعمامهن ، أو أبناء أخوالهن فيغطين رؤوسهن ، و لكنهن يلبسن لباسا محددا للجسم كالبلوزة مثلا ، فيقعن بذلك في الحرام و الإثم .


شروط الحجاب الشرعي :


1 ـ أن يكون ساترا لجميع العورة :
أجمع أئمة المسلمين كلهم ـ لم يشذ عنهم أحد ـ على أن ما عدا الوجه و الكفين من المرأة داخل في وجوب الستر أمام الأجانب . قال الجزيري في كتابه الفقه على المذاهب الأربعة ج 5 / ص 54 : ( عورة المرأة عند الشافعية و الحنابلة جميع بدنها ، ولا يصح لها أن تكشف أي جزء من جسدها أمام الرجال الأجانب ، إلا إذا دعت لذلك ضرورة كالطبيب المعالج ، و الخاطب للزواج ، و الشهادة أمام القضاء ، و المعاملة في حالة البيع و الشراء ، فيجوز أن تكشف وجهها و كفيها . و عورة المرأة عند الحنفية والمالكية جميع بدن المرأة إلا الوجه و الكفين ، فيباح للمرأة أن تكشف وجهها و كفيها في الطرقات ، و أمام الرجال الأجانب . و لكنهم قيدوا هذه الإباحة بشرط أمن الفتنة . أما إذا كان كشف الوجه و اليدين يثير الفتنة لجمالها الطبيعي، أو لما فيهما من الزينة كالأصباغ و المساحيق التي توضع عادة للتجمل أنواع الحلي فإنه يجب سترهما ) . و كذا ورد في كتاب الفقه الإسلامي وأدلته للدكتور وهبة الزحيلي ج 1 / ص 585 .أما تفصيل أقوال الفقهاء فهي كالتالي :

1 ـ الحنفية :
قال ابن عابدين ( المتوفى سنة 1200 هـ ) في كتابه رد المحتار ج 1 / ص 272 : ( تمنع المرأة الشابة ، و تنهى عن كشف الوجه بين الرجال لا لأنه عورة ، بل لخوف الفتنة ، أي : تمنع من الكشف لخوف أن يرى الرجال وجهها ، فتقع الفتنة لأنه مع الكشف قد يقع النظر إليها بشهوة ) و قال الزيلعي ( المتوفى سنة 700 هـ ) في كتابه البحر الرائق / كتاب الصلاة :( تمنع المرأة الشابة من كشف وجهها بين الرجال في زماننا للفتنة )وقال الطحطاوي في حاشيته على مراقي الفلاح ص( 131 ) :(و مَنْعُ الشابة من كشفه لخوف الفتنة ،لا لأنه عورة )

2 ـ المالكية :
قال الدسوقي ( المتوفى سنة 1230 هـ ) في حاشيته على الشرح الكبير للدردير ج 1 / ص 200 :(يجب ستر وجه المرأة و يديها إذا خيفت الفتنة بكشفها )وقال الدردير ( المتوفى سنة 1201 هـ ) في كتابه الشرح الصغير/باب الصلاة :( عورة المرأة مع رجل أجنبي منها أي : ليس بمحرم لها جميع البدن غير الوجه و الكفين ، و أما هما فليسا بعورة ، و إن وجب عليه سترهما لخوف الفتنة ) .و قال محمد الخطاب ( المتوفى سنة 954 هـ ) في مواهب الجليل شرح مختصر خليل /كتاب الصلاة :(إن خشي من المرأة الفتنة يجب عليها ستر الوجه و الكفين ) و قال القرطبي في تفسيره:ج 12 / ص 229: قال ابن خويز منداد ـ و هو من علماء المالكية ـ: المرأة إذا كانت جميلة ،و خيف من وجهها وكفيها الفتنة ،فعليها ستر ذلك

3 ـ الشافعية :
قال الباجوري في حاشيته ج 1 / ص 141 :(عورة المرأة جميع بدنها عند الرجال الأجانب) و في تحفة الحبييب (عورة المرأة بحضرة الأجانب جميع بدنها ) وقال الشرواني في حاشيته على تحفة المحتاج/ باب شروط الصلاة :(عورة المرأة بالنسبة لنظر الأجانب جميع بدنها حتى الوجه و الكفين)

4 ـ الحنابلة :
قال البُهوتي في كتاب كشاف القناع / باب الصلاة : ( و الكفان و الوجه من المرأة البالغة عورة خارج الصلاة ) و قال المرداوي في كتابه الإنصاف : ( المرأة كلها عورة حتى ظفرها ) ، وكذا ورد في كتاب المبدع شرح المقنع لإبراهيم بن مفلح المقدسي / كتاب الصلاة . و جاء في كشف المخدرات شرح أخصر المختصرات: ( كل المرأة البالغة عورة حتى ظفرها و شعرها مطلقا ، إلا وجهها في الصلاة ) .


و هكذا ، فقد ثبت بالإجماع عند جميع الأئمة ( سواء منهم من يرى أن وجه المرأة عورة كالشافعية و الحنابلة ، و من يرى منهم أنه غير عورة كالحنفية و المالكية ) أنه يجب على المرأة أن تستر وجهها عند خوف الفتنة بأن كان من حولها من ينظر إليها بشهوة . كما أنهم اتفقوا على جواز كشف المرأة وجهها ترخصا وضرورة كتعلم، أو تطبب ، أو عند أداء شهادة ، أو تعامل من شأنه أن يستوجب شهادة .

2 ـ ألا يكون زينة في نفسه، أو مبهرجا ذا ألوان جذابة تلفت الأنظار، لقوله تعالى:{ و لا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها } [ النور :31 ] و معنى {ما ظهر منها} أي بدون قصد ولا تعمد ،فإذا كان في ذاته زينة فلا يجوز إبداؤه ،و لا يسمى حجابا ،لأن الحجاب هو الذي يمنع ظهور الزينة للأجانب.فأين هذا الشرط مما تفعله المتحجبات المتبرجات بأنفسهن ؟فعلى من يريد أن ينسب حقا إلى الحجاب الشرعي أن يراعي فيه أن يكون من لون داكن،وأفضل الألوان لذلك اللون الأسود لأنه أبعدها عن الزينة و الفتنة ،كما يجب أن يكون خاليا من الزخارف و الوشي مما يلفت النظر

3 ـ أن يكون سميكا لا يشف ما تحته من الجسم ، لأن الغرض من الحجاب الستر ، فإن لم يكن ساترا لا يسمى حجابا لأن لا يمنع الرؤية ، و لا يحجب النظر ، لقوله e فيما رواه مسلم : ( صنفان من أهل النار لم أرهما بعد : نساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ، و لا يجدن ريحها ، و إن ريحها ليوجد من مسيرة كذا و كذا ..) و في رواية مسيرة خمسمائة سنة .و معنى قوله e : ( كاسيات عاريات ) أي :كاسيات في الصورة عاريات في الحقيقة لأنهن يلبس ملابس لا تستر جسدا ، و لا تخفي عورة . و الغرض من اللباس الستر ، فإذا لم يستر اللباس كان صاحبه عاريا . و معنى ( مميلات مائلات ) : مميلات لقلوب الرجال مائلات مشيتهن يتبخترن بقصد الفتنة والإغراء .و معنى (كأسنمة البخت) أي : يصففن شعورهن فوق رؤوسهن حتى تصبح مثل سنام الجمل،وهذا من معجزاته صلى الله عليه و سلم

4 ـ أن يكون فضفاضا غير ضيق ولا يجسم العورة ولا يظهر أماكن الفتنة في الجسم ،وذلك للحديث السابق عن(الكاسيات العاريات) و ما تفعله بعض المتحجبات من ارتداء ملابس محددة للخصر و الصدر كالبلوزة و التنورة ، و لو كانت طويلة ، لا يفي بشروط الحجاب الصحيح

5 ـ ألا يكون الثوب معطرا ،لأن فيه إثارة للرجال، فتعطر المرأة يجعلها في حكم الزانية ، لقوله e :(كل عين زانية ، و المرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فهي كذا و كذا يعني زانية ) رواه الترمذي . أي كالزانية في حصول الإثم لأنها بذلك مهيجة لشهوات الرجال التي هي بمنزلة رائد الزنا .

6 ـ ألا يكون الثوب فيه تشبه بالرجال ، أو مما يلبسه الرجال ، للحديث الذي رواه الحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه : ( لعن النبي e الرجل يلبس لبسة المرأة ، و المرأة تلبس لبسة الرجل ) ، وقال e فيما رواه البخاري و الترمذي و اللفظ له : ( لعن الله المخنثين من الرجال ، و المترجلات من النساء ) أي المتشبهات بالرجال في أزيائهن و أشكالهن ، كبعض نساء هذا الزمان .


7 ـ ألا تشبه زي الراهبات من أهل الكتاب ، أو زي الكافرات ، و ذلك لأن الشريعة الإسلامية نهت عن التشبه بالكفار ، و أمرت بمخالفة أهل الكتاب من الزي و الهيئة ، فلقد قال e لعبد الله بن عمرو بن العاص حينما رأى عليه ثوبين معصفرين ـ مصبوعين بالعصفر ـ : ( إن هذا من ثياب الكفار فلا تلبسهما ) رواه مسلم .


8 ـ ألا يكون ثوب شهرة ، لقول e فيما رواه ابن ماجه : ( من لبس ثوب شهرة في الدنيا ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة ) و ثوب الشهرة هو الثوب الذي يقصد بلبسه الاشتهار بين الناس كالثوب النفيس الثمين الذي يلبسه صاحبه تفاخرا بالدنيا و زينتها ، و هذا الشرط ينطبق على الرجال و النساء ، فمن لبس ثوب شهرة لحقه الوعيد إلا أن يتوب رجلا كان أو امرأة .


و الشروط الثلاثة الأخيرة يجب أن تتقيد بها المرأة المسلمة سواء كانت في دارها ، أو خارجة عنه ، و سواء أكانت أمام أجانب عنها أم محارم . فالواجب على المرأة المسلمة أن تحقق كل هذه الشروط في حجابها ، و كذلك يجب على كل مسلم أن يتحقق أن هذه الشروط متوفرة في حجاب زوجته ، و كل من كانت تحت ولايته ، و ذلك لقوله e فيما رواه البخاري : ( كلكم راع ، و كلكم مسؤول عن رعيته ) ، كما عليه أن يعود بناته منذ سن العاشرة على ارتداء الحجاب الشرعي ، و ليتذكر قوله e فيما رواه الحاكم: ( الحياء و الإيمان قرنا جميعا ، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر ).
و ليتذكر أخيرا قول الله تعالى : { فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم } [ النور : 63 ] .



#3 غير متصل   ashlpi

ashlpi

    إسماعيلاوي قبل أن أولد

  • Members
  • 1042 مشاركة

تاريخ المشاركة 12 January 2008 - 05:38 PM

الدرس الثالث : من حق إخواننا علينا

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أما بعد :-


موضوع هذا الدرس عن واجب الشباب الصالحين والأخيار تجاه إخوانهم الذين لم يسلكوا طريق الاستقامة، وهو بعنوان (من حق إخواننا علينا) وهو امتداد للمحاضرة التي ألقيت يوم الأحد الماضي وكانت بعنوان: (عوائق الاستقامة)، وسأعرض موضوعاً آخر إن شاء الله سيكون بعنوان :


رسالة إلى شاب.


1 - من ثمرات اهتدائهم على يديك:

عندما يهدي الله سبحانه وتعالى أحد العصاة على يديك، فهل تأملت ما الثمرات التي تجنيها من وراء ذلك ؟ إنها ثمرات عدة، وليست ثمرة واحدة.



الثمرة الأولى:أن لك مثل أجورهم:

فقد قال r :"من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الوزر مثل أوزار من تبعه لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً" رواه مسلم وأحمد وأصحاب السنن الأربعة من حديث أبي هريرة.
فهذا الشاب عندما يهديه الله على يديك لابد أن يكون له نصيب من الصلاة والصيام والصدقة والزكاة والاجتهاد في النوافل وغير ذلك من أبواب الطاعة والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى فلك حينئذ مثل أجره.

وقد تكون أنت مقصراً في العمل، وقد يكون لديك بعض الكسل والفتور، فلا تكون صاحب همة في الاجتهاد في الطاعات والنوافل، فيهدي الله على يديك من يكون أكثر منك همة، وأكثر منك تقوى وورعاً وطاعة لله عز وجل، فيكتب الله لك بذلك أجراً.



الثمرة الثانية :أن هذا الأمر خير من حمر النعم :


فقد قالr لعلي بن أبي طالب t لما أرسله إلى ال**** في خيبر: "لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله"، فأعطاها علياً t، وقال له فيما ما أوصاه به: "لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم" رواه الإمام أحمد والشيخان من حديث سهل .
وفي هذا الحديث يخبر النبي : أن هداية أحد على يد علي -والخطاب ليس خاصاً به - خير له من حمر النعم، وحمر النعم أنفس ما كان يملكه العرب في ذلك الوقت، ألا وهي الإبل تلك الرواحل التي كانوا يمتطونها، ولكي تعلم قيمتها فاعرف أنهم كانوا يقدرون الدية – غالباً - بها فدية الرجل عندهم مائة من الإبل، وكذلك دية الجروح والقصاص المقدرة وسائر الديات المقدرة إنما تقدر غالباً بالإبل نظراً لقيمتها عندهم ومع هذا كله فهداية الرجل الواحد خير لمن هداه الله على يديه من حمر النعم.


إن الكثير من الشباب يتمنى أن يحصل على سيارة، وتزداد الأمنية عندما تكون السيارة جديدة ولم يستعملها أحد قبله، وكم يفرح ويُسر عندما يتيسر له هذا الأمر، فكيف لو قيل له سوف نعطيك أنفس السيارات التي يقتنيها الناس ويفاخرون بها ؟ إن هداية رجل واحد على يديك خير لك من ذلك كله هذا إذا كان رجلاً واحداً فكيف إذا كان أكثر من ذلك ؟




الثمرة الثالثة :الدعوة لصالحة:

إنك حين تدعو أحداً إلى الهداية فلن تحرم منه دعوة صالحة يدعو لك بها؛ إذ أنقذه الله على يديك من الظلمات إلى النور.
وقد أخبر النبي r أن دعوة الأخ لأخيه بظهر الغيب مجابة فيكون عند رأسه ملك يقول له : آمين ولك بمثله.
فإذا منَّ الله سبحانه وتعالى على يديك بهداية أحدهم فسيعرف لك هذا الفضل، وسيعرف لك ما قدمت له،ولن يبخل عليك بدعوة صالحة بإذنه تعالى. بل قد تكون أنت نائماً في فراشك، وهو قائم بين يدي الله سبحانه وتعالى في ثلث الليل الأخير، حين يقول الله عز وجل :"من يدعوني فأستجيب له؟" فيدعو لك بدعوة صالحة خالصة من قلبه، يكتب الله لك بها الخير إلى يوم تلقاه.



الثمرة الرابعة :الجزاء من جنس العمل:

الجزاء من جنس العمل قاعدة شرعية معروفة، وأنت سيكون لك بعد ذلك ذرية وأبناء بمشيئة الله، والقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن، ومهما أوتيت من قدرات تربوية، ومهما كان عندك من الحرص والعناية والاهتمام، فإن صلاحهم يبقى بعد ذلك ليس إليك، فالتوفيق بيد الله سبحانه وتعالى.


وكم نرى من الأبناء الذين يعتني بهم آباؤهم ويحرصون عليهم ويبذلون الغالي والنفيس لحمايتهم، ومع ذلك لا يوفقون، ونرى في المقابل من الآباء المعرضين الغافلين من كان لهم أبناء صالحون، متبعون لأمر الله سبحانه وتعالى.
لا شك أن التربية لها دور مهم وأن المناصحة والعناية والاهتمام له دور في صلاح الابن ولكن يبقى بعد ذلك توفيق الله سبحانه وتعالى، فإذا كنت تحمل هم أبناء الناس، وتسعى إلى إصلاحهم، ويؤرقك هذا الأمر، وتجتهد غاية الاجتهاد في استنقاذ هؤلاء من الضلال والانحراف، فلعل مما يكافئك الله سبحانه وتعالى به: أن يجزيك من جنس عملك فيصلح لك ذريتك وأولادك، وهي من أعلى النعم التي يجدها العبد في الحياة الدنيا، ولا تقدر بثمن أبداً فالصالحون دعاؤهم لله تبارك وتعالى }ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً{.


وهذا الأمر يمثل امتدادا لعملك الصالح، يقول النبي r: " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث :صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" إننا حينما نجتهد في استنقاذ هؤلاء من الفساد بدعوتهم إلى الله، ونبذل في ذلك نفيس أوقاتنا لنتفاءل أن الله سبحانه وتعالى سيقيض بعد ذلك لأبنائنا -ولو بعد وفاتنا- من يدعوهم إلى الله سبحانه وتعالى، وقد يموت أحدنا وابنه لا يزال صغيراً؛ فحينئذ من له بعد الله سبحانه وتعالى ؟ إن دعوتنا إلى الله تعالى لمما نرجو به صلاح ذريتنا واستقامتهم على الهدى.
ولذلك قال الله عز وجل في قصة موسى والخضر }فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض فأقامه قال :لو شئت لاتخذت عليه أجراً {، ثم لما أخبره الخضر عن تأويل ما لم يستطع عليه صبراً أعلمه بشأن الجدار ]وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحاً فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك…[ فقد حفظ الله هذين الغلامين بصلاح أبيهما، ولا شك أن الذي حفظهما في مالهما سبحانه وتعالى يعلم أنهما أحوج إلى أن يحفظا في دينهما.


أقول: لعلك حينما تجتهد في هذا الأمر أن تجزى هذا الجزاء، فيحفظ الله لك ذريتك ويقيض لأولادك من ينظر إليهم بتلك النظرة التي تنظر بها إلى الناس؛ فالجزاء من جنس العمل.




الثمرة الخامسة :أن هذا من شكر النعمة :

فقد منّ الله عليك بالهداية والتوفيق إلى سلوك طريق الخير، ولاشك أن الفضل أولاً وآخراً له سبحانه وتعالى، وسوف تسأل عنها يوم القيامة فهي مثل سائر النعم الأخرى من حقها عليك أن تشكرها، وأعظم شكر لهذه النعمة أن تنقل هذه النعمة إلى غيرك الذي قد حرمها. وأن تجتهد في دعوة هؤلاء إلى سلوك هذا الطريق الذي منّ الله عليك بسلوكه، ولو شاء ربك لكنت مثل هؤلاء، والقلوب بين أصابع الرحمن يقلبها كيف شاء، وقلب ابن آدم أشد تقلباً من القدر إذا استجمعت غلياناً، كما ثبت ذلك عنه r.
فهذا العمل فيه شكر للنعمة وأحرى به أن يكون سبباً لتوفيق الله سبحانه وتعالى لك في الثبات على هذا الطريق طريق الهداية. وذلك لما ذكر في الثمرة السابقة.



يقول ابن القيم في نونيته :

بالحق في ذا الخلق ناظرتانإذ لا ترد مشيئة الديانأحكامه فهما إذا نطرانمن خشية الرحمن باكيتانفالقلب بين أصابع الرحمن واجعل لقلبك مقلتين كلاهما فانظر بعين الحكم وارحمهم بهاوانظر بعين الأمر واحملهم علىواجعل لوجهك مقلتين كلاهمالو شاء ربك كنت أيضاً مثلهم




الثمرة السادسة:وماذا لو كان داعية؟


ماذا لو هدى الله على يديك شاباً معرضاً غافلاً، كان همه الأمور الساقطة، ثم بعد أن منّ الله عليه بالهداية أصبح شخصاً آخر: خطيباً مفوهاً يقول كلمة الحق ويستمع الناس إليه، أو واعظاً يبكي القلوب، أو داعية ينفع الله به الأمة؟ بل و لا تستبعد يا أخي أن يكون مجدداً، أليس النبي rأخبر : أن الله عز وجل يبعث على رأس كل مائة سنة لهذه الأمة من يجدد لها أمر دينها؟.

يقول ابن القيم رحمه الله مثنياً على شيخه ابن تيمية رحمه الله بعد أن تحدث عن ضلال من ذكرهم من الضالين وما في كتبهم:
من مشفق وأخ لكم معوانتلك الشباك وكنت ذا طيرانمن ليس تجزيه يدي ولساني أهلاً بمن قد جاء من حرانحتى أراني مطلع الإيماننزل الهدى وعساكر القرآنحصباؤه كلآلئ التيجانما زال يشخب فيه ميزابانوهما مدى الأيام لا ينيانمن جنة المأوى مع الرضوان ياقوم والله العظيم نصيحة جربت هذا كله ووقعت فيحتى أتاح لي الإله بفضلهحبر أتى من أرض حران فياأخذت يداه يدي وسار فلم يرمورأيت أعلام المدينة حولهاووردت كأس الماء أبيض صافياورأيت حوض الكوثر الصافي الذيميزاب سنته وقول إلههثم قال:فالله يجزيه الذي هو أهله


ومع ما كان للإمام أحمد بن تيمية من دور بارز في تجديد العقيدة ومع ما له من أيد يضاء سطر فيها ابن القيم في ثنائه على شيخه ما سطر، لكن انظر إلى ما لابن القيم من مواقف وصولات مع المبتدعة وإلى مواقفه أيضاً في نصرة الدين، وإلى مصنفاته التي لا زال العلماء يعضون عليها بالنواجذ، فتأمل أخي كم لابن تيمية رحمه الله من أجر وكم حصل له من التوفيق بهداية ابن القيم رحمه الله على يديه.


فتخيل يا أخي -وهذا ليس بعيداً أبداً - أن الله هدى على يديك شخصاً كان له دور في خدمة دين الله وإعلاء كلمة الله.
قد تكون طاقاتك محدودة وقدراتك العقلية والعلمية محدودة، بل قد تكون همتك محدودة، لكن يهدي الله على يديك رجلاً صاحب همة وطاقات، أعطاه الله عقلاً وقدرة، فيسخّر طاقاته وقدرته لدين الله سبحانه وتعالى بطلب العلم وتعليمه، والدعوة إلى الله عز وجل، فكم سيكون سرورك وفرحك وأنت ترى في الحياة الدنيا عاجل ثمرة دعوتك ؟ وأما ما عند الله سبحانه وتعالى فهو خير وأبقى.
هذه بعض الثمرات التي يجنيها من رزقه الله نعمة الدعوة إلى الله ومنّ بها عليه ومن أنقذ الله سبحانه وتعالى على يديه من هؤلاء من الضلالة



2 - جوانب مضيئة من سيرتهم:

من خلال الدراسة التي أجريت، والاستبانات التي وزعت اتضح أن إخواننا هؤلاء يعيشون في عالم آخر فيه ما فيه من الضياع والانحراف والغفلة، وهذا أمر قد لا نتصوره مع أننا ندرك خطورة ما هم عليه، وكلما ازداد أحدنا اطلاعاً على واقع هؤلاء عرف ذلك العالم الذي نغفل عنه وننساه، فنحن في المحاضرات والدروس لا نكاد نقابل إلا الذين منّ الله عليهم بالهداية، أما أولئك الأفواج التائهة الضائعة، فلا نعرف عن حالهم إلا القليل القليل، ولكن مع تلك الجوانب السيئة فهناك جوانب إيجابية لديهم منها :



الجانب الأول:عدم رضاهم عن حالهم :


أكثر هؤلاء مع أنه يتمتع بالشهوات ويرخي لنفسه العنان فهو غير راضٍ عن حالته التي هو عليها، وقد وجه إليهم سؤال، هو :ما مدى رضاك عن حالك الآن من الناحية الشرعية؟

وكانت الإجابات على النحو التالي:
- 6%فقط من طلاب المرحلة الثانوية قالوا إنهم راضون تماماً عن حالهم.
- 14%من طلاب المرحلة المتوسطة راضون تماماً.
- أما البقية والذين يمثلون نسبة 94%من طلاب المرحلة الثانوية و 86%من طلاب المرحلة المتوسطة فعندهم قدر من عدم الرضا يتفاوت.
- الذين منّ الله عليهم بالاستقامة بعد أن كانوا في طريق الانحراف وهم فئة(ب)وجه إليهم سؤال :هل كنت راض في ذلك الوقت (وقت الانحراف)عن حالك؟ 15%أجاب أنه كان متضايق جداً.
- 30%من المرحلة الثانوية غير راضين عن حالهم.
- 32%من الفئة الثانية (ب) غير راضين.
- 22%من المرحلة المتوسطة أجابوا أنهم غير راضين.
- 51%من المرحلة الثانوية غير راضين عن حالهم نوعاً ما.
- 64% من المرحلة المتوسطة أجابوا الإجابة نفسها.



والخلاصة :

أن أكثر هؤلاء عنده قدر من عدم الرضا والقناعة بحاله التي هو عليها بتفاوت، فبعضهم متضايق جداً، وبعضهم غير راض، وبعضهم الأمر عنده دون ذلك، لكن معظمهم يشتركون في أنهم غير راضين عن حالهم التي هم عليها.
لاشك أن هذا جانب إيجابي يخدمنا في دعوتهم، ويشعرنا أن هؤلاء لديهم قرب من الحق وطريق الاستقامة.



الجانب الثاني: : رغبتهم في تغيير حالهم:


عندما سئل أفراد الاستبانات الموزعة عن رغبتهم في تغيير حالهم، كانات نسب الإجابات كما يلي :
- 3% من طلاب المرحلة الثانوية، و7%من طلاب المرحلة المتوسطة فقط قالوا إنهم لا يرغبون في تغير حالهم.

البقية يتفاوتون، على النحو التالي:

- 46%من طلاب المرحلة الثانوية، و37% من المرحلة المتوسطة رغبتهم أكيدة.
ونلاحظ تفاوت النسب بشكل واضح بين المرحلة الثانوية والمرحلة المتوسطة، فكلما تقدم الشاب في السن ازداد تعقلاً وإدراكاً لسوء حاله التي هو عليها، ومن ثم ازداد رغبةً في تغيير حاله التي هو عليها.



الجانب الثالث: تفكيرهم في الالتزام :

- 93% من المرحلة الثانوية و92%من المرحلة المتوسطة فكروا في الالتزام.
إذاً فأكثر هؤلاء لا يقف الأمر بهم عند عدم الاقتناع، بل فكر فعلاً في الالتزام، وهؤلاء الذين فكروا في الالتزام :
- 32%منهم فكر تفكيراً جاداً في الالتزام.
- 71% من المرحلة الثانوية و 74% من المرحلة المتوسطة فكروا في الالتزام ثلاث مرات أو أكثر.
- 49%من المرحلة الثانوية و34%من المرحلة المتوسطة بدأوا خطوات عملية، مثل المحافظة على الصلاة، والجلوس في المسجد بعد صلاة الفجر في الإجازة، والالتحاق بالصاحين، وتمزيق الصور، وحرق الأفلام والأشرطة، ولكن لم يستطيعوا الثبات على الطريق الذي بدؤوا في سلوكه.



الجانب الرابع :أن أكثر هؤلاء يشعر أن الالتزام طريق السعادة:


وجه سؤال هو:هل تشعر أن الالتزام طريق السعادة ؟ وكانت الخيارات التي أمامهم فكانت النتيجة كما يلي :
- أجاب بنعم :79%من طلاب المرحلة الثانوية، و81%من طلاب المرحلة المتوسطة وهؤلاء قالوا إنهم يشعرون بأن الالتزام طريق السعادة.
- أجاب بلا أدري : 21% من طلاب المرحلة الثانوية و 18%من طلاب المرحلة المتوسطة.
- أجاب بلا: 0.5%من طلاب المرحلة الثانوية و 1%من طلاب المرحلة المتوسطة، أي شخص واحد من المرحلة المتوسطة وشخص واحد من المرحلة الثانوية الذين لا يشعرون بأن الالتزام طريق السعادة.
فلست بحاجة إلى مزيد من بذل الجهد في دعوته لإقناعه بأن هذا هو طريق السعادة فهو يشعر بذلك، ولكن حدثه عن السعادة التي وجدتها بعد استقامتك، وحدثه عن جوانب منها.




الجانب الخامس:استجابتهم للنصيحة:

وجه إليهم سؤال هو: هل وجه لك نصيحة شخصية ؟ وكانت إجابتهم كما يلي :

- 88%من طلاب المرحلة الثانوية و 85%من طلاب المرحلة المتوسطة أفادوا بأنهم قد تلقوا نصيحة شخصية.
ثم وجه للذين تلقوا نصيحة شخصية سؤال آخر هو: ما أثر هذه النصيحة عليك؟ فكانت الإجابة على ما يلي :
- 31%من المرحلة الثانوية و 34% من المرحلة المتوسطة أي قريباً من الثلث، أجابوا بأنهم استقاموا مدة محدودة. فلم يقتصروا على قبول النصيحة والتأثر بها، بل استقاموا فعلاً، لكنها مدة محدودة لم يستمروا عليها.
- 36%من المرحلة الثانوية و 40%من المرحلة المتوسطة أفادوا أنهم تأثروا تأثراً وقتياً.
- إذاً 67%من المرحلة الثانوية و 74%من المرحلة المتوسطة ممن تلقوا نصيحة شخصية، كان أثر النصيحة عليهم أثر إيجابياً، فإما أنه استقام مدة محدودة، وإما أنه تأثر تأثراً وقتياً، وهي قضية نشاهدها، فعندما نتحدث في الفصل مع الطلاب، ونوجه لهم نصيحة أو موعظة، نشاهد في وجوه الكثير من هؤلاء التأثر، ونشعر فعلاً بعلامات الندم ترتسم عليها، فكيف إذا كانت النصيحة نصيحة شخصية ؟
- 23%من المرحلة الثانوية و 25%من المرحلة المتوسطة يقول شكرته ولم أستجب له، بمعنى أن لديه شكراً وعرفاناً لهذه النصيحة وإن لم يستجب لها، هذا بلا شك يعد جانباً إيجابياً بحد ذاته، فأنت عندما تنصح إنساناً، ويشكر ويقدر ويثني ولو لم يستجب فإنك تشعر أن جهدك لم يذهب سُدى.

وأما الذين سخروا من الذين أسدوا لهم النصيحة فأفاد :
- 2% من المرحلة الثانوية و 1%من المرحلة المتوسطة أنهم سخروا ممن وجه لهم النصيحة، ولكن عندما تكون النصيحة جادة أخوية فلا شك أنه من النادر أن تجد من يسخر منك.


إذاً فقد عرفت نسبة الذين يستجيبون للنصيحة، فيسمعونها وتؤثر فيهم كما عرضنا وكما نشاهد، وعندما جلسنا مع بعض الشباب على الرصيف كانوا مؤدبين فأبدوا لنا الترحيب، وكان بعضهم يدخن فأطفأ سيجارته، وجلسنا معهم وعرضنا عليهم موضوع عوائق الاستقامة، وسألناهم ما الذي يمنعكم من سلوك طريق الاستقامة ؟ ودخلنا معهم في النقاش، ثم بعد ذلك استأذنا منهم، فقال أحدهم :
إنك جعلت هذا الموضوع عائقاً بينك وبين النصيحة، فقد كنا ننتظر منك أن توجه لنا نصيحة شخصية بعد ذلك، فلماذا لم توجه لنا هذه النصيحة ؟ وكان حديثه وطلبه محرجاً لنا، وهو دليل على أن هؤلاء عندهم رغبة، وعندهم حرص أن يسلكوا طريق الاستقامة، وهم يرحبون بالنصيحة، وأسوأهم حالاً من يرحب ترحيب مجاملة ولا شك أن هذا يعطيك دافعاً أكبر.
ونلاحظ من خلال النسب التي عرضناها، أن استجابة طلاب المرحلة المتوسطة للنصيحة وتأثرهم بها أكثر، مع أن طلاب المرحلة الثانوية أكثر جدية، ولكن طلاب المرحلة المتوسطة يسهل التأثير عليهم لأنهم لم يغوصوا بعد في أعماق الفساد والشهوات.



الجانب السادس : سماع الشريط الإسلامي :

وجه إليهم سؤال هو: هل تسمع الشريط الإسلامي ؟ فأجاب:

6% من المرحلة الثانوية و 5%من المرحلة المتوسطة بأنهم لا يسمعون الشريط الإسلامي إطلاقاً، والبقية يسمعون سماعاً متفاوتاً، ومنهم من يسمع دائماً، ومنهم من يسمع كثيراً، ومنهم من يسمع على ندرة، لكن هؤلاء يشتركون في أنهم يسمعون الشريط الإسلامي.

بل أفاد أكثر هؤلاء أن أكثر الوسائل التي يرونها تأثيراً على الشباب هو الشريط.

ولاشك أن هذا الجانب إيجابي يجب أن نعتني به، فإذا كان هؤلاء لديهم استعداد أن يسمعوا الشريط الإسلامي فهذا يدفعنا إلى أن نخصص لهم حديثاً خاصاً، ومحاضرات خاصة، خطباً خاصة، وإصدارات خاصة موجهة لهم، ثم نسلك معهم وسيلة أخرى، وهي نقل الشريط الإسلامي، وإهداؤه وتوزيعه عليهم، فالكثير منهم يسمع الشريط الإسلامي،ويتأثر به حيث أفاد أكثر من 60% تقريباً أنهم يتأثرون عندما يسمعون الشريط.

وهذه رسالة نوجهها إلى أصحاب التسجيلات ليعتنوا بهذا الجانب، وليعتنوا بهذه النوعية من الشباب.
وكذلك نوجهها إلى مشايخنا وأساتذتنا من العلماء والدعاة بأن يعتنوا بهؤلاء فيقدموا لهم مادة قوية قيمة، وإذا عرفنا مدى ما لدى هؤلاء من الاستعداد لسماع الشريط الإسلامي، فما نسبة المادة الموجهة لهم من المواد المعروضة في التسجيلات ؟ لاشك أن المحاضرات والخطب التي تأخذ الجانب الوعظي تناسب هؤلاء، ولكن هل يجد هؤلاء حديثاً واقعياً فيه نقاش عقلي لمشاكلهم الخاصة، وما يواجهونه من عقبات، وفيه الاهتمام بهم؟ وقد أبدى لنا كثير من هؤلاء الشباب شكره على اهتمامنا به، وعلى توجيه مثل هذه الأسئلة والاستبانات التي تُشعر بالاهتمام والعناية بشأنه.



الجانب السابع : موقفهم من الشباب الملتزم :

لقد فوجئنا فعلاً بنتيجة ما كنا نتوقعها من حيث موقف هؤلاء من الشباب الملتزم، كان من الأسئلة الموجهة لهم : كلمة توجهها إلى كل من : الأب، الأستاذ، الداعية، الشاب الملتزم.

ولنعرض بعض الكلمات التي وجهها هؤلاء للشباب الملتزمين، والكثير من هؤلاء رسالته للملتزمين : أن ينصحوا إخوانهم، وأيضاً : ترك العزلة، والأنانية، وكسر الحواجز بينه وبين غير الملتزمين.
فهو يرى أنك عندما تستأثر بهذا الخير وحدك وتبتعد عنهم أنك تملك قدراً من الأنانية، ويرى أنه ينبغي أن تشركهم في هذا الخير الذي بين يديك.

وهذه بعض أقوالهم :

§ أن يكونوا قدوة صالحة ليدركوا أهميتهم.
§ أن يحمدوا الله على الهداية.
§ تقديم النصيحة لغير الملتزمين مرة ومرة.
§ أن ينظر أمامه فلا يبالي بمن يسخر به فهو أفضل منه.
§ أن يتحملوا كل ما يقال لهم ويصمدوا ويكونوا خير مثل.
§ جزاهم الله خيراً، لا أقترح عليهم شيئاً لأنهم قائمون بواجبهم التام.
§ أتمنى أن أكون مثلهم.
§ هم قدوتنا نحو الصلاح.
§ أشكركم على ما فعلتم بي.
§ المحاولة أن يكون لهم كيان، ويؤثروا على غيرهم.
§ نسأل الله أن يثبتهم، وأن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر.
§ إن العيون موجهة إليكم، عيون أهل الشر، وعيون أهل الخير فكونوا على أهبة الاستعداد.
§ زوروا الشباب غير الملتزم ووجهوا إليهم النصيحة (وهذه الكلمة تكررت أكثر من مرة).
§ كونوا على جانب كبير من الأخلاق والتعامل للتأثير على الغير.
§ عدم التفكير في الرجوع إلى ما كانوا عليه.
§ الإصرار والعزيمة وأن يعرفوا أنهم على حق، ولا يهتموا بكلام الناس.
§ كم أسرُ عند رؤيتكم، يا أحفاد أبي بكر وعمر وعلي وعثمان.


هذه بعض ما وصلتنا من مشاعر تجاه الملتزمين، صحيح أن بعضهم انتقد، وبعضهم ذكر جوانب سلبية، لكن أكثر هؤلاء ذكروا عبارات مثل هذه، وتجمع هذه العبارات على أنهم يحبون الشاب الملتزم، ويثقون به.
لاشك أن هذا الأمر يخدمك كثيراً عندما تشعر أن هؤلاء يحبونك وإن أبدوا السخرة والاستهزاء، وغالبا لا يسلك منطق الاستهزاء والسخرية إلا الشخص الذي ليس له قناعة من الطريق الذي هو عليه، أما صاحب القناعة فلا يمكن أن يسلك هذا الطريق.





3 - قبل الدعوة :

ثمة أمور مهمة تهيئ الأرضية المناسبة لسماع الدعوة والتأثر بها، ومنها:

أولاً :حسن الخلق أثقل ما في ميزانك :

لقد عظم النبي r شأن حسن الخلق،وأخبر أنه ما من عمل أثقل في ميزان العبد يوم القيامة من حسن الخلق، وأخبر r : أن العبد يبلغ بحسن الخلق درجة الصائم القائم،وأخبر r : أن أحب الناس إليه أحاسنهم أخلاقاً، والحديث عن حسن الخلق يطول.
ولا شك أن لحسن الخلق والتعامل والبشاشة وطلاقة الوجه مع هؤلاء وغيرهم أثر كبير في دعوتهم واستجابتهم وتأثرهم. كم من أصحاب النبي r أسلم بسبب حسن خلقه r، أو بسبب موقف واحد رآه من الرسول r.


ثانيا: الإحسان إلى الناس:

تقول خديجة رضي الله عنها لما جاء النبي r إليها يشتكي فزعاً بعد شدة الوحي: والله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتقري الضيف، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الدهر" قد كانت هذه أخلاق الرسول r ولنا فيه r قدوة وأسوة حسنة.
وقبل ذلك كان يوسف عليه السلام مشتهراً بين من حوله بإحسانه لذا فقد قال صاحباه في السجن }إنا نراك من المحسنين{.
وأنت في السيارة تستطيع من خلالها أن تُشعر الناس بأنك تتأسى بالنبي r في حسن الخلق ومساعدة الناس، ومن ذلك فسح الطريق للناس وإعطائهم الأولوية، وإعانة من يحصل عليه عطل في سيارته، وهذا من خلق النبي r الذي قال : "وتعين الرجل على دابته فتحمل عليها أو تحمل له متاعه عليه صدقة ".


ومن ذلك أيضاً مساعدة زملائك في الفصل في الإعانة على شرح مسألة، أو إيثار بمقعد، أو احتمال جفوة من أحدهم.
إذا علم هؤلاء أن هذا منهج الصالحين وأن هذا مما أملاه عليهم صلاحهم فلربما أعاد التفكير، ولربما أثرت فيه هذه الأخلاق تأثيراً بالغاً ولكم كُسب أناس بحسن الخلق والكلمة الطيبة والمساعدة في المواقف التي يحتاج إليها فيها.

إنك بهذا تعطي صورة مضيئة، وكأنك تقول بلسان حالك : هذا هو الطريق الذي أريدكم أن تسلكوه، ومهما اختلفت أفكار الناس واتجاهاتهم، فإنهم يجتمعون على محبة صاحب الخلق، ويجمعون على أن يجدوا في قلوبهم الفضل لمن أحسن إليهم، حتى أن أصحاب الأخلاق السيئة يتفقون جميعاً على تقدير صاحب الخلق، ولا يجرؤ أحد منهم على أن يسيئ إليه.

فإذا كان الشاب متميزاً في فصله، يعرفه طلاب الفصل، والأساتذة وإدارة المدرسة بأنه صاحب الخلق الحسن والمواقف الحميدة والاعتذار قبل أن يخطئ فهذا له دوره قبل توجيه النصح، فما بالك إذا وجه النصيحة كيف يكون أثرها ؟ عندما يعرف عنه ذلك هؤلاء، قبل أن ينصح له دور، فما بالك إذا وجه النصيحة، كيف يكون أثرها.


ثالثاً: لا تنتظر ثمرة إحسانك:

عندما تقدم إحساناً لهؤلاء، من حسن خلق أو عفو أو غير ذلك،فلا تنتظر ثمناً لذلك، فعندما آتي مثلاً و أجد شاباً عليه آثار الانحراف قد تعطل في الطريق وأقف لأعينه، فليس بالضرورة أن أوجه له النصيحة الآن إذا أمكن توجيهها في وقت آخر، وكذلك الحال عندما أقدم خدمة، بل أتخلق بالأخلاق الطيبة – مع كسب الناس - لأن حسن الخلق أمر به الإسلام، ولأنه خلق النبي r، الذي وصفه الله فقال: }وإنك لعلى خلق عظيم {. وهو الذي ما رؤي أحسن منه خلقاً r ، وهو الذي يقول عنه حسان t:

وأجمل منك لم تلد النساءكأنك قد خلقت كما تشاءهذان في الدنيا هما الرحماء لله لا حقد ولا شحناء وأحسن منك لم تر قط عيني خلقت مبرأ من كل عيبوإذا رحمت فأنت أم أو أبوإذا غضبت فإنما هي غضبة
هذه أخلاق النبي r، وما عرفت الدنيا أبر وأطهر وأحسن خلقاً منه r.


لا تتخلق أخي بحسن الخلق من أجل أن تكسب الناس فقط، بل تخلق به لأنك تعلم أن هذا هو هدي النبي r، ولأنك تعلم أن حسن الخلق يبلغ به العبد ما لا يبلغ الصائم القائم، ولأنك تعلم أن أقرب الناس مجلساً إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة وأحبهم إليه أحاسنهم أخلاقاً، وأن النبي r زعيم لك في بيت بأعلى الجنة لمن حسن خلقه.


رابعاً: تنازل عن بعض حقك :

تحكي لنا عائشة رضي الله عنها صورة من هديه فتقول :" ما رأيت رسول الله r منتصراً في مظلمة ظُلمها قط ما لم ينتهك من محارم الله شيء، فإذا انتهك من محارم الله شيء كان من أشدهم على ذلك غضباً، وما خير r بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن مأثماً " رواه الإمام أحمد والشيخان.

وتقول أيضاً في وصف آخر له r : "لم يكن رسول r فاحشاً ولا متفحشاً، ولا صخاباً في الأسواق ولا يجزي بالسيئة ولكن يعفو ويصفح " رواه الإمام أحمد والترمذي في سننه وفي الشمائل والطيالسي.
وكلنا يحفظ تلك الصورة المثلى من هديه r، حكاها أنس t فقال:كنت مع النبي r وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فجاءه أعرابي فجبذه بردائه، حتى أثر الرداء في صحفة عنقه فقال له :أعطني من مال الله الذي عندك، فالتفت النبي r وابتسم وأعطاه حتى رضي.

قد يساء إليك وما أكثر ما يسيء إليك هؤلاء، ولاشك أن الذي يسيئ الأدب مع الله عز وجل ويتجرأ على محارم الله لابد أن يسيئ الأدب مع خلق الله، فتنازل عن بعض حقك وتميز بذلك، وتميز بأنك الرجل الذي تتنازل عن بعض حقك وتحلم وتصفح وتكظم الغيظ، وهذه الأخلاق هي التي تعلمتها وأنت تقرأ القرآن قال تعالى :}وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين * الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين{ بل إن عفوك وصفحك، وتنازلك عن حقك في الغالب يعيد إليك الحق، فلو سخر منك وقابلت ذلك بالإحسان فإنه سيعرف -بإذن الله -أن هذه يد لا بد أن يجزيك بها، ولو أساء إليك بأي إساءة أخرى وقابلت هذه الإساءة بالصفح والإحسان لحفظ هذا الجميل لك، وستلقاه بعد ذلك عاجلاً، وإن كنت لا تبحث عن الجزاء العاجل إنما تسلك ذلك استجابة لأمر الله سبحانه وتعالى واقتداء بهدي نبيك r الذي كان كثيراً ما يعفو وكان لاينتصر مالم ينتهك من محارم الله شيء، ولطالما كسب الناس بمثل الحكمة والصفح والتنازل عن الحقوق.



محاذير وتنبيهات:

1- احذر من القياس على رأس الديك:

يحكون أن رجلاً أعمى عاد إليه بصره فرأى رأس الديك، ثم بعد ذلك فقد بصره، فصار كلما قيل له شيء قال: وماذا يكون من رأس الديك ؟

ينبغي أن يكون عندنا سعة أفق، فلا نسلك أسلوباً واحداً، وتمعن في المثال التالي :-

أحياناً يُجرَّب أسلوبٌ فينجح، أو طريقة معينة فتنجح فنسلك نحن جميعاً هذا الأسلوب دون تفكير ولا تأمل فهل هذا عمل صحيح ؟
وخير مايدل على ذلك كتاب الله تعالى اقرأ القرآن تجد تنوع الأساليب، فمرة يذكر ما يحصل لأهل النار من العذاب، ومرة يذكر نعيم أهل الجنة، ومرة تذكر مخلوقات الله والتفكر فيها، ومرة يذكر قصص الأولين والسابقين إلى غير ذلك، وهكذا تجد الموعظة في كتاب الله جاءت متنوعة على أنحاء شتى.

وكذلك كان النبي r في دعوته ينوع الأساليب، فعندما أتاه الوليد بن المغيرة فقال له : اسمع، ثم قرأ عليه القرآن، وكذلك لما أتاه أعرابي أعطاه مالاً، فأسلم لأجل المال كما قال أنس رضىالله عنه :"فلقد كان الرجل من الأعراب يسلم ما به إلا حب الدنيا، ثم لا يلبث أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما".

ولما جاءه ضماد رضي الله عنه وكان رجلاً كاهناً قال r : "الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ".

ولما جاءه عدي بن حاتم رضي الله عنه وهو ملك قال:" أترى الحيرة ؟"، قال : (نعم سمعت عنها ولم أرها )، قال: "يوشك أن تسير الضعينة من الحيرة فتطوف بالبيت لا تخاف إلا الله، قال :أتعرف كسرى بن هرمز ؟" قال : نعم، قال :"يوشك أن تنفق كنوزه في سبيل الله " ثم قال : "يوشك أن يعطى المال فلا يقبله أحد "فيقول عدي t : (فلقد رأيت اثنتين وأنا أنتظر الثالثة )فلما كان عدي ملكاً خاطبه بما يناسبه.

وهكذا تأمل سيرة الرسول r تراه ينوع الأساليب، ونحن في العصر بحاجة إلى أن نبتكر الأساليب التي تؤثر على أمثال هؤلاء.


2-اليأس داء قاتل :

قد توجه النصيحة وتبذل الجهد ولكن لا يستجاب لك فتيأس، والذي نريده منك أن تكون كما كان نوح عليه السلام لما دعا على قومه وقال بعد ذلك }ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً {،إنه لما يئس يأساً تاماً من قومه أصبح يؤمل في أولادهم، حتى يئس من أولادهم فقال }ولا يلدوا{ ولكن عليه الصلاة والسلام دعا قومه خمسين وتسعمائة سنة.
والنبي r لما استأذن ملك الجبال أن يطبق عليهم الأخشبين قال : " لا لعل الله عز وجل أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله ".
هب أنه لم يسمع لك ولم يستجب لك فلا تظن أبداً أن الكلمة التي قلتها خالصة لله عز وجل ستذهب سدى، فإن العبد يتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، أو يرفعه الله بها درجة.


3- قد تمهد الطريق إلى غيرك :


قد تنصح شخصاً ولا يستجيب وقد تسلك معه أسلوباً ولا ينجح هذا الأسلوب، ومع هذا فيس معناه أن هذا الجهد قد ذهب سدى، قد تكون أنت بهذا الأسلوب وبهذه النصيحة قد مهدت الطريق لمن يليك فأوجدت عنده إحساساً يخطئه أو أثرت فيه تأثيراً لم يظهر لك على جوارحه، وتكون بذلك مهدت لهدايته على يد غيرك، وإذا تكررت عليه النصائح وتعددت معه الأساليب يجتمع هذا مع الرصيد السابق حتى يكون ذلك سبباً في هدايته بإذن الله فإذا حصل هذا فإن لك دوراً في هدايته وإن لم تكن أنت السبب المباشر، ولكنك تكون قد تقدمت به خطوة إلى الهداية.


4- بين ترك الجليس وحسن المعاملة :


إن حسن الخلق والبشاشة والطلاقة مع هؤلاء، قد يفهم فهماً خاطئاً فيتجاوز بعض الشباب في ذلك ويطيل صحبة الأشرار، ونعلم جميعاً أثر الجليس السيئ، وخطره وبخاصة في مرحلة الشباب وفي مقتبل العمر، ونعلم أيضاًً أن كثيراً من الشباب الذي ينحرف بعد الاستقامة قد يكون سبب انحرافه أمثال هؤلاء الجلساء.


فحينئذ يتساءل بعض الشباب ويقول: هل تريد أن نجلس مع هؤلاء و نعاشرهم حتى يهديهم الله عز وجل ؟ أو ماذا نفعل ؟.
يجب أن نفرق بين أمرين:البشاشة وحسن الخلق، مصاحبتهم والجلوس معهم.
فما الذي يمنع أن تبدأهم بالسلام وتبتسم لهم ثم تودعهم وتنصرف؛ إذ حسن الخلق لايستلزم أن تقضي الوقت معهم.
والمرء قد يجره الشيطان بحجة الدعوة والتأثير عليهم فينساق معهم خطوة خطوة، حتى يصبح بعد مدة من جلسائهم حباً لهم ولما عندهم، ويمارس الشهوات التي يمارسونها.


وترك مجالستهم لا يعني أن تكون مكفهر الوجه، لا تؤدي السلام، ولا تحسن الخلق معهم، فإن هؤلاء مسلمون عندهم جوانب خير، وعندهم طاعة، ولهم من الولاء بقدر ما عندهم من الإسلام.

ولقد جاء رجل فاستأذن على الرسول r فقال : " ائذنوا له بئس أخو العشيرة "، فلما دخل هش له الرسول r وبش، فلما خرج سألت عائشة رضي الله عنها النبي r عن هذا التغير فقال : "يا عائشة شر الناس من ودعه الناس اتقاء فحشه ". رواه البخاري وغيره، فها هو الرسول r يذمه ومع ذلك يحسن معاملته ويبش له.

وهذا الحديث يدلنا على مشروعية حسن الخلق مع هؤلاء، وإن كان عندهم ما عندهم من الفسوق والعصيان، وأن نشعرهم أننا نحب ما عندهم من الخير وإن كنا نكره ما عندهم من المعصية.

وهولاء عندهم جوانب من الخير فهم من أهل الإسلام وممن يشهدون ألا إله إلا الله وأن محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، ويصلون، ويحبون أهل الخير، وعلينا أن نحبهم لأجل هذا وأن نحسن معاملتهم ونحسن الخلق معهم مقابل ما عندهم من الخير ورجاء هدايتهم واستقامتهم.


والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.



#4 غير متصل   ashlpi

ashlpi

    إسماعيلاوي قبل أن أولد

  • Members
  • 1042 مشاركة

تاريخ المشاركة 12 January 2008 - 05:40 PM

الدرس الرابع : أحوال الجاهلية


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد.


مدخل:


فقد شهد النبي صلى الله عليه وسلم شهادة عدل وصدق أن خير الناس هم القرن الذي بعث فيه صلى الله عليه وسلم، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم؛ فخير القرون بإجماع سلف الأمة هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ثم من تلاهم بعد ذلك من القرون، وما يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه.


كان هذا القرن يعيش في جاهلية وضلال وفي بعد عن دين الله تبارك وتعالى، فجاء الله عز وجل بهذه الرسالة وأرسل هذا النبي الذي اصطفاه واختاره تبارك وتعالى؛ فأخرج هذا الجيل من الظلمات والجاهلية إلى أن يحمل هذه الصفة ويستحق هذه الشهادة وهذا الثناء؛ فيأتي الثناء على هذا الجيل في كتاب الله تبارك وتعالى كثيراً وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم، و تجمع الأمة على أن من سلط لسانه بالنقد والتجريح لهذا الجيل المبارك، فقد أتى بدعة وفرية وانحرف عن منهج الناجين المنصورين إلى قيام الساعة .


واليوم والأمة تعيش واقعاً بعيداً ـ عن شرع الله تبارك وتعالىـ يعاني من صور وألوان التخلف والانحطاط في كل جوانب الحياة، ويشعر الغيورون والمصلحون وهم يتلفتون ذات اليمين وذات الشمال يتأملون في واقع الأمة، يشعرون أن مسافة الإصلاح بعيدة، وأن الجهد المطلوب للتغيير جهد ضخم، وربما أدت هذه النظرة السريعة إلى الإحباط واليأس، والشعور بأن حجم الفساد يستعصي على الإصلاح، وأن حجم التخلف لا يمكن أن تقوم به هذه التربية، ومن هنا تتنوع ردود الفعل لأمثال هؤلاء اليائسين، منهم من يبحث عن منهج بديل يتمثل في منهج متسرع يبحث عن التغيير خلاف المنهج الذي سنه وشرعه الله، لأنه يرى أن هذا الفساد الضخم في واقع المسلمين سواء في الجهل بالاعتقاد أو الفساد الاجتماعي أو الفساد الأخلاقي أو ما يتعلق بالتخلف المادي الذي تعاني منه الأمة اليوم حتى أصبحت في ذيل القائمة، يشعر أن هذا الواقع يستعصي على التربية، وأنه لا يمكن بحال أن يغير هذا الواقع بهذا الجهد التربوي، فيرى أنه لابد من وسائل وأساليب أخرى.

بل قد يشعر المرء من هؤلاء أن جانبا واحدا فقط من هذه الجوانب والأمراض التي تعاني منها الأمة اليوم لو وظفت الجهود من أجله لما استطاعت القيام بأعبائه، فضلا عن الإصلاح والتغيير الشمولي الذي تتطلع إليه الأمة، و قد يصيب هؤلاء يأس قاتل فيتقاعسون عن العمل والإصلاح، ويرون أن السيل قد جرف الجميع وأنه لا سبيل للمرء إلا أن ينجو بنفسه، وهي اليوم فكرة تسيطر على كثير من المسلمين بل على كثير من الأخيار والغيورين، وإن كانوا لا يجرؤون أن يقولوا هذه المقولة؛ لأنهم يعلمون أنها تخالف سنن الله عز وجل وتخالف المقطوع به مما جاءت به النصوص الشرعية التي تُحمِّل الناس مسؤولية التغيير والإصلاح، إن كان هؤلاء لا يجرؤن على التفكير بهذه الصورة والتصريح بهذه الفكرة، إلا أنهم يستبطنونها ويحملونها؛ فلسان حالهم يعبر عن اليأس القاتل.

وحين تتحدث أمام أمثال هؤلاء عن بشائر الأمل وعن هذه اليقظة والصحوة المباركة يفاجئونك بفتح الصفحة الأخرى من واقع الأمة، وفي الحديث عن الجهود المستميتة لأعداء الأمة، والتي أصبحت اليوم عيناً ترصد كل محاولة تقوم بها هذه الأمة ويسعى بها المصلحون ليقظتها لأجل أن يئدوا كل جهد للتغيير .


إن هذا المنطق حين يسيطر على تفكير فئام من المصلحين فإنه سيعوق ويؤخر الجهود، ومن ثم كان لابد من حديث يبعث على الأمل ويعيده للنفوس، واليائسون مهما عملوا لن يحققوا أهدافهم لأنهم يعملون وهم ينتظرون الفشل .
إنه لا ينجح في العمل إلا أولئك المتفائلون الذين يدفعهم التفاؤل والشعور بأنهم سيحققون أهدافهم .

وهذا الحديث له جوانب شتى منها الحديث عن النصوص القطعية بالكتاب والسنة والتي تدل على أن المستقبل والنصر والعزة لهذا الدين . وهو حديث مهم لكن ليس هذا مكانه . ومنه الحديث عن هذا النموذج وإبراز هذا النموذج الحديث عن النقلة التربوية للجيل الأول جيل خير الناس .حين جاء النبي في ظل واقع يعاني من أبشع صور الانحطاط والفساد والتخلف، فانتقل هذا الجيل تلك النقلة البعيدة العظيمة . إن قراءة سيرة هذا الجيل والتأمل فيها وإدراك هذه النقلة العظيمة مما يبعث على الأمل، ويزيل اليأس عن القلوب، ويشعر الناس أنه كما غيرت الأمة وكما انتقلت من ذاك الواقع البئيس فإنها بإذن الله ستنتقل، وقد وعد الله عز وجل -وهو عزوجل لا يخلف الميعاد - فقال]: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم [ .فالله تبارك وتعالى لا يغير ما بقوم من صلاح وخير إلى فساد إلا حين يغيرون ما بأنفسهم، وكذلك لا يغير ما بقوم من فساد وسوء إلى صلاح وخير حتى يغيروا ما بأنفسهم . إن هذه السنة الربانية تعني بمفهومها أن الناس حين يغيرون ما بأنفسهم ثم يسعون للتغيير، فإنه سيتحقق التغيير بإذن الله .
وقد جعل الله عز وجل مسؤولية التغيير على أيدي الناس ]ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلوا بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل فلن يضل أعمالهم [ ]يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم [ .


إننا حين نريد أن نتحدث عن تربية خير الناس أصحاب النبي r فإن الحديث يطول، ولن نستطيع أن نلم بأطرافه وزواياه في مثل هذه الساعة، لكننا نريد أن نركز في حديثنا على هذه النقلة، كيف تحققت وكيف تغير المجتمع من ذاك الواقع المظلم المنحط إلى أن أصبح الاقتداء به والتأسي به والتشبه به دليل على الهداية بإذن الله عز وجل، والانحراف عنه دليلاً على الضلال والغواية؟
لقد أرسل الله النبي r في مجتمع يعاني من الجاهلية والضلال، وقد صار الناس كما وصفهم r (إن الله نظر إلى الناس فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب)، إنه أُرسل في أمة قد مقتت، وأمة قد حق عليها الضلال والغواية، ولم يعد لتلك الأمة من أهل الهداية والخير إلا أفراد معدودون كانوا يسمون الحنفاء . وحين تقرأ في السيرة وتقرأ الحديث عن الحنفاء . فإنك تجد أهل السير يسمون الحنفاء بأسمائهم مما يدل على أنهم فئة محصورة وعدد قليل في خضم ذلك المجتمع الضال المنحرف.


وحين نتحدث عن جانب واحد فقط من جوانب التخلف والانحطاط التي كان يعاني منها العرب في جاهليتهم قبل مبعث النبي r فإن ذلك وحده يكفي شاهداً لموضوعنا، لكننا سنطوف هنا وهناك ونأخذ شواهد من جوانب شتى في ذلك المجتمع، كلها تنطق بهذا الإنجاز التربوي الذي تحقق على يد ذلك الجيل وذاك الرعيل الذي اختاره الله تبارك وتعالى، ليكون قدوةً للناس: قدوة في العمل، والسلوك، والاعتقاد، والتعبد لله تبارك و تعالى، وقدوةً في منهج الإصلاح والتربية والتغيير .



الجانب الديني:

كان الناس قد انسلخوا من دين الله تبارك وتعالى وجاهروا بالشرك الصريح، وصاروا لا يعرفون الله عز وجل إلا في وقت الشدة، فإذا ألمت بهم شدة وأدركتهم الخطوب وضاقت بهم الأبواب لجؤوا إلى ربهم تبارك وتعالى فدعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون! وهذا عنوان الاستهزاء والسخرية برب العالمين تبارك وتعالى، إنه دليل على أن قضية الشرك في عبادة الله تبارك وتعالى كانت ترتكب عند هؤلاء عن عمد وسبق إصرار، فهاهم حين تدلهم بهم الخطوب وتضيق بهم السبل يعلنون التوحيد لله تبارك وتعالى . وحين سأل النبي r أحدهم قال:" كم إله تعبد اليوم؟" قال سبعة: ستة في الأرض وواحد في السماء، قال:"فمن الذي تعد لرغبتك ورهبتك؟" قال الذي في السماء، كان أولئك كما حكى أبو رجاء العطاردي رضي الله عنه : كنا في الجاهلية إذا لم نجد حجراً جمعنا جثوة من التراب وجئنا بالشاة فحلبناها عليه ثم طفنا بها. إن هذه قيمة الإله عند أولئك، الإله هم الذين يصنعونه، حينما يأتي أحدهم إلى الصحراء يبحث عن حجر ليعبده، فيأتي فيختار أربعة أحجار، فيبحث عن أحسنها وخيرها، فيجعله إلهاً له فيعبده ويسجد له ويركع له ويعلق مصيره وحياته به، ثم يأخذ الثلاثة الأخر فيجعلها أثافي لقِدْره؛ فيضع قِدْره عليها ويشعل تحته النار! إن إلهاً يستوي مع حجارة تحمل قِدْراً ويشعل عليها النار لإله لا قيمة له، ومع ذلك أصبح يُسيِّرحال هؤلاء ويعلقون مصيرهم وحياتهم في دنياهم وآخرتهم بهذه الحجارة التي هم يختارونها.

وربما كان إلهاً مصنوعاً مما يؤكل ويطعم، فتلم بهؤلاء مجاعة فيشعرون أن المحافظة على بقائهم خير من بقاء إلههم فيأكلونه، كما يحكي الشاعر مصوراً حال قبيلة من تلك القبائل :

أكلت حليفة ربها زمن التقحم والمجاعة * لم يحذروا من ربهم سوء العواقب والتباعة


نعم إن إلهاً يأكله هؤلاء إذا جاعوا لإله لا قيمة له ولا وزن له، ومع ذلك كانت هناك الطواغيت الكبرى، كانت هناك اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ]أفرأيتم اللات والعزى ومنات الثالثة الأخرى[ كان هناك ود وسواع وإساف ونائلة، كانت تلك الأصنام التي تصنع لها البيوت ويحج إليها الناس ويسعون إليها وتنذر لها النذور وتقدم لها القرابين، و يستقسم بها أولئك ويحلفون بها ويعظمونها ولهذا كانت يمينهم واللات والعزى.


إن هذه الصورة العجيبة من خضوع هؤلاء لآلهة يصنعونها وآلهةً ربما يأكلونها إذا جاعوا، لتدل على فطرة العبودية أصلاً لدى البشر، وأن البشر مفطورون على العبودية والذل والخضوع، فإن لم يعرف البشر إلههم الحق ويتعبدوا إليه فسيتعبدون لإله باطل، بل إله يصنعونه وهكذا خلق الله عز وجل الإنسان عبدا لاتستقيم حياته إلا بالعبودية والذل والخضوع، فإما أن يذل ويخضع ويعبد ربه تبارك وتعالى أو حتماً سيذل ويخضع ويتعبد لغير الله عز وجل .


وكان أولئك يشركون بالله عز وجل شركاً من نوع آخر في التشريع والتحليل والتحريم، فكانوا يتخذون أحكام الله هزوا، فيبيحون ويحرمون، فجاء القرآن مصرحاً في الحديث عن أن هذه من صور الشرك بالله تبارك وتعالى ]وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم[ ]وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراءً عليه[ كان هذا شأنهم يعتدون على حق الله عز وجل في التشريع فإن الله عز وجل كما قال عن نفسه: ] فاعبده وتوكل عليه[ وقال عز وجل :] إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه [ لهذا لا فرق بين من احتكم إلى غير شرع الله وبين من عبد غير الله عز وجل فقد جمعهما تبارك وتعالى في آية واحدة ] إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه[،وتوعد القرآن المسلمين حين يستجيبون لطريق أولئك في التشريع والتحليل والتحريم والحكم بغير شرع الله عز وجل، توعدهم أنهم إن فعلوا شيئاً من ذلك ولو في قضية واحدة أنهم سيقعون في الشرك ] ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون [ فلئن أطاع المسلمون المشركين في هذه المسألة وهذه القضية المعينة؛ فاستباحوا هذه الميتة التي حرمها الله عز وجل فهم مشركون بنص القرآن. ويأتي التأكيد لهذا الحكم بحرف التوكيد (إنكم) ثم يأتي أيضا باللام التي تدل على التأكيد (ولئن أطعتموهم إنكم لمشركون) لئن أطاعوهم ليس في أكل الميتة، إنما في استباحة الميتة واعتقاد أن الميتة وقد حرمها الله عز وجل حلال.


ومن اعتدائهم على حرمات الله عز وجل أن يعتدوا عليها في الأشهر الحرم فيقول تبارك وتعالى ] إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاماً ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله [ .

ومن صور الشرك والتشريع لديهم:

البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وهي كلها خرافات لا تعدوا أن تكون من نسيج عقلية أولئك المشركين الضالين الزائغين عن منهج الله تبارك وتعالى، هكذا كان أولئك في ذاك الوقت وفي ذاك الزمان، هذه نظرتهم للإله وهذا منهجهم في التشريع والاحتكام.
ثم بعث الله عز وجل محمداً r فيأتي أحدهم أمام النجاشي ليقول: إنا كنا قوما نأكل الخنافس ونأتي الفواحش ويقتل بعضنا بعضاً حتى بعث الله نبيه محمداً r . ويأتي أحدهم رستم ليقول له: إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ما هي إلا أيام وقد حمل هؤلاء الرسالة، وعمت الهدايةُ الجزيرةَ كلها بعد ذلك وأشرق فيها النور، وصارت كلها خاضعةً لله تبارك وتعالى معلنة التوحيد، وانطلقت سيوف الموحدين لتطفئ نار المجوسية وتكسر صليب النصارى، وتنطلق هنا وهناك حتى كان أصحاب النبي r الذين صحبوه، تحكى أخبارهم هنا وهناك؛ فابن عمر –رضي الله عنهما- يصل إلى أذربيجان وأبو أيوب الأنصاري –رضي الله عنه- يدفن تحت أسوار القسطنطينية، ويصل سائر أصحاب النبي r في المشرق إلى بلاد ماوراء النهر، وفي المغرب إلى المحيط، حتى مامضى ذلك الجيل إلا وقد أطفئت نار المجوسية، وكسر صليب النصارى وأعلن الكون الخضوع لله تبارك وتعالى، وصارت الكلمة في ذاك الوقت كلها لكلمة التوحيد لا إله إلا الله.



إنها نقلة عظيمة بعد تلك الحال التي لم تكن حال أسوأ منها، ولا يمكن أن يتردى البشر إلى منزلة من الحضيض في الشرك و الطغيان أكثر من تلك المنزلة، ثم ما لبث أولئك أن تجاوزوها وتركت الدعوة والتربية النبوية أثرها الفعال في ذلك الجيل الذي نشر دين الله عز وجل وقضى على كل مظاهر الشرك والطغيان التي كانت سائدة في العالم آنذاك.



الجانب السياسي :

كان الواقع السياسي في تلك الجزيرة في غاية التخلف والانحطاط؛ فالنبي r لم يبعث في أمة مجتمعة تحت كلمة واحدة وتحت راية واحدة، لم يبعث في مجتمع موحد تجمعه رابطة واحدة، لقد كان العرب لا يدينون بالخضوع لأحد أبداً، وكان في مكة وفي جزيرة العرب وقت مبعث النبي r من الحكام والأمراء والولاة بعدد ما فيها من السكان؛ لأنه لم يكن بشر يخضع لبشر، كانت حالهم في التفرق والخصام أمر لا يخفى على من يقرأ سيرهم، ولهذا امتن الله تبارك وتعالى على أصحاب النبي r بنعمته عز وجل فقال: ]واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها [ ،ويقول r وهو يخاطب الأنصار:"ألم أجدكم عالة فأغناكم الله بي وضلالاً فهداكم الله بي ومتفرقين فجمعكم الله بي"، لقد كانت الحرب تفعل فعلها بين الأوس والخزرج، وكانوا أمة لا تقوم لهم قائمة، وحين جاء النبي r بهذه الرسالة وربى ذاك الجيل، ما هي إلا سنوات معدودة حتى كان الأوسي يقف إلى جوار أخيه الخزرجي، وكان يؤاخيه ويصاهره، كان يعدُّه أخاً له ربما أقرب إليه من أخ له في قبيلته لأنه يرى أنه أكثر طاعة لله عز جل .


كانت أمة قد أكلتها الحروب و أهلكت فيها الأخضر واليابس، كانت الحروب كما يصورها شاعرهم :


وما الحرب إلا ما علمتم وذقتموا * وما هو عنها بالحديث المرجم


كانت الحروب يتحدث بها الغادي والرائح، البسوس وداحس والغبراء ويوم بعاث، أيام يعرفها الصغير والكبير ويعرفها القاصي والداني وكلها ناطقة وشاهدة على التخلف والتفرق والتشرذم والفوضى التي كانت سائدة في جزيرة العرب آنذاك، كان الولاء الذي يعرفه أولئك هو الولاء للقبيلة، كان حكيمهم وشيخهم وسيدهم يقول:



وهل أنا إلا من غزية إن غوت * غويت وإن ترشد غزية أرشدِ

كانت القبيلة تعاب وتذم حين تكون لا تقع في الظلم



قبيلة لا يغدرون بذمة * ولا يظلمون الناس حبة خردل

وكان المنطق السائد


ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه يهدم * ومن لا يظلم الناس يظلم


كان هذا هو المنطق السائد عند الناس، لا يعرفون إلا قيمة القبيلة والولاء للقبيلة فجاء هذا الدين وجاءت هذه الرسالة لتصهر الناس في بوتقة واحدة، لنرى نماذج عجيبة من موازين الناس ومن القيمة للناس . جاء القرشي الشريف من بني مخزوم ليقف في صف واحد مع الأوسي من بني عبد الأشهل ويقف مع مولى من الموالي، يقف الجميع لا يجمعهم إلا كلمة واحدة، ولا يلتقون إلا على راية واحدة .


من كان يتخيل أن تلك العروش من الكيانات والافتخار بالقبيلة والانتماء لها ستنهار، ليحل محلها رابطة واحدة ويرفع مكانها لواء واحد: لواء الأخوة في الله والمحبة في الله، ليكون المعيار والميزان الذي يقاس به الناس هو الدين والخضوع لله تبارك وتعالى؟
إن أولئك الشرفاء من بني مخزوم وبني أسلم ومن غفار وغيرهم، كانوا يرضون جميعا أن يسيروا في جيش تحت إمرة وطاعة مولىً من الموالي، كانوا يرضون أن يسيروا في جيش زيد بن حارثة رضي الله عنه، ثم يُؤمَّر عليهم بعد ذلك ابنه أسامة رضي الله عنه وهو مولىً وشاب لم يتجاوز العشرين من عمره، فيسير الجميع كلهم في صف واحد ويسمعون له ويطيعون ! إن كل ذلك يعود إلي أثر التربية النبوية التي تركت أثرها في ذلك الجيل العظيم.




الجانب الحضاري:


وعلى المستوى الحضاري كان العرب أمة متخلفة منحطة، بل لم يكن للعرب آنذاك أي وزن واعتبار، حتى إن الفرس يرون أن أولئك لا يستحقون أن يغزون، فإن صدر منهم ما يسيء الأدب أوكلوا بهم إحدى القبائل المجاورة !!


وحين جاءتهم كتائب التوحيد، تدعو إلي الله عز وجل ظن الفرس أن هؤلاء قد بلغت بهم الفاقة والجوع كل مبلغ، فعرضوا عليهم العروض المادية ليحلوا أزمتهم ويسدوا فاقتهم، فما كان من منطق الرجل المؤمن بالله عز وجل، إلا أن أعلن رسالته واضحة إن الله ابتعثنا لنخرج من يشاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ونطلق بذلك الواقع السيء، كنا في جاهلية وشرك نأتي الفواحش ونأكل الخنافس، ويأكل بعضنا بعضا فأرسل الله إلينا نبيه صل الله عليه وسلم، فتغير الحال وأقاموا بعد ذلك خير حضارة ورفعوا لواء خير أمة، حتى إن المنصفين اليوم من علماء الغرب الكافر يشيدون بالجهود التي بذلها علماء المسلمين.




الجانب الاجتماعي:

وفي الجانب الاجتماعي كان مجتمعهم مجتمعاً تسيطر عليه الطبقية، ولهذا جاء نقد هذه المظاهر في أول الإسلام، فحينما أراد النبي صل الله عليه وسلم أن يدعو شرفاء قريش، رغبة منه أن يكسب أحداً منهم، لتكون له قيمته في الدعوة وأثره، فجاء ابن أم مكتوم وهو أعمى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فعبس النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه وأعرض عنه، فنزل العتاب من الله عز وجل (( عبس وتولى ،أن جاء الأعمى ،وما يدريك لعله يزكى ، أو يذكر فتنفعه الذكرى ….)) الآيات.
وحينما جاء عتَّاب رضي الله عنه ليقابل عمر رضي الله عنه، فسأله : من استخلفت على أهل الوادي يعني أهل مكة قال: ابن أبزى قال : ومن يكون ؟ قال :مولىً من موالينا، قال :استخلفت عليهم مولىً؟ قال !! حافظ لكتاب الله، عالم بالفرائض، قال :إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين.


كان أولئك لا يعرفون إلا الفخر بالأحساب والأمجاد الشخصية، وتمجيد القبيلة ومُعلَّقة عمرو بن كلثوم شاهدة بذلك والتي يبالغ فيها وصف قبيلته يقول فيها :




ويشرب غيرنا كدرا وطينا....ونحن البحر نملأه سفينا
تخر له الجبابر ساجدينا ....ونشرب إن وردنا الماء صفوا
ملأنا البر حتى ضاق عنا......إذا بلغ الرضيع لنا فطاما


إن اللغة التي كانت تسيطر على منطق الجميع هي لغة الافتخار بالقبيلة والطعن في أحساب الآخرين، فجاء هذا الدين وقضي على تلك الأمجاد، فلم يعد العربي يفضل على الأعجمي إلا بالتقوى.

كان مجتمعا لا يقيم وزنا للمرأة فكان أحدهم إذا بشر بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم، ويبلغ الحال به أن يختفي عن أعين الناس من سوء ما بشر به.

كانوا يمارسون التسلط والحجر على المرأة فحين تكون اليتيمة في حجر أحدهم وهي ذات مال، فإن كانت جميلة تزوجها، وإن كانت غير ذلك لم يزوجها حتى تموت، فيرثها ويأخذ مالها، وبعد أن جاء هذا الدين، غير هذه العادات الاجتماعية في أقل من عقدين من الزمن، حتى أصبحت المرأة تبشر بالجنة، فلقد بشر النبي صل الله عليه وسلم خديجة رضي الله عنها ببيت في الجنة لا صخب فيه ولا نصب، ويؤكد صلى الله عليه وسلم على القيام بحقوق النساء فيقول:" فاتقوا الله في النساء فإنهن عوان عندكم "

وكان هذا المجتمع يعاني من الفساد الأخلاقي، فكان النكاح كما تذكر عائشة رضي الله عنها

أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء:

فنكاح منها نكاح الناس اليوم يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته فيصدقها ثم ينكحها، ونكاح آخر كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبدا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب، وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد، فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع، ونكاح آخر يجتمع الرهط ما دون العشرة فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها فإذا حملت ووضعت ومر عليها ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها تقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم وقد ولدت فهو ابنك يا فلان تسمي من أحبت باسمه فيلحق به ولدها، لا يستطيع أن يمتنع به الرجل. والنكاح الرابع: يجتمع الناس الكثيرون فيدخلون على المرأة لا تمتنع ممن جاءها وهن البغايا كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علما، فمن أرادهن دخل عليهن فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها جمعوا لها ودعوا لهم القافة، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون فالتاط به ودعي ابنه لا يمتنع من ذلك. فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم بالحق هدم نكاح الجاهلية كله إلا نكاح الناس اليوم. (رواه البخاري).


وكانت الخمرة قد سيطرت عليهم وفعلت بهم الأفاعيل، فحين يتحدث الشاعر منهم عن معركة أو غزوة يتغنى بالخمر، بل تبلغ الخمر منزلة عند بعضهم، أن تكون مما يستحق أن يبقى في الحياة من أجلها كما قال أحدهم:



وربك لم أحفل متى قام عودي....كميت متى ما تعل الماء تزبد
فلولا ثلاث هم من عيشة الفتى...فمنهن سبق العاذلات بشربة


ويقول أحدهم موصيا إذا مات أن يدفن قريبا من تلك الشجرة التي كان يصنع منها الخمر :

تروي عظامي بعد موت عروقها.... أخاف إذا ما مت ألا أذوقها
فإنني إذا ما مت فادفني إلى جنب كرمة...ولا تدفني بالفلاة

هكذا كانت قيمتها عندهم، وحين جاء الإسلام كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم -شأنهم شأن سائر الناس- يشربون الخمر ويتغنون بها كما قال حسان رضي الله عنه

:
ونشربها فتتركنا ملوكا ,,, وأسدا ما ينهنهنا اللقاء


حين جاء الإسلام بتحريم الخمر أراق أوتلك الآنية آلتي كانت معهم حتى امتلأت أزقة المدينة وشوارعها من الخمر.
إن الإفاضة في الحديث عن تلك النقلة حديث يطول، لكن نكتفي بهذه الأمثلة التي أشرنا إليها والتي كلها شاهدة على أن المجتمعات مهما بلغت من السوء والفساد والتأخر والتخلف، فهي قادرة على أن تسترد عافيتها وقادرة على أن تنهض من كبوتها، حين تُدْعى إلى المنهج الحق، وحين تتربى عليه.


إن التغيير الذي حصل للجيل الأول يعتبر نموذجاً، وشاهداً لكل من يحمل عزيمة وإرادة في الإ‎صلاح والتغيير.
والتغيير الذي حصل لذلك الجيل ليس على مستوى المجتمعات فقط، بل هو على مستوى الأفراد كذلك، فحين نتأمل شخصية عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي كان جبارا في الجاهلية، ويرى الناس أنه أبعد الناس عن الحق، بل كانوا يرون أن يسلم حمار الخطاب ولا يسلم عمر، ولما آمن هذا الرجل، واتبع النبي صل الله عليه وسلم ، تغيرت حاله، فتراه حينما تولى الخلافة رحيما شفوقا رفيقا ولما جاء رسول كسرى ليقابل خليفة المسلمين وجد الخليفة ـ عمر رضي الله عنه- نائما تحت الشجرة قال قولته المشهورة:


فقال قولة حق أصبحت مثلا ,,,,,وأصبح الجيل بعد الجيل يرويها
أمنت لما أقمت العدل بينهم,,,,,فنمت نوما قريرالعين هانيها


إن عمر رضي الله عنه ـ وهو خليفة المسلمين ـ كان يحمل على كتفه الدقيق والماء يوصله إلى أرملة ليمسح به دمعة عجوز، ودمعة يتيم، إن عمر لما دخل الإيمان في قلبه تغير حاله وكان خليفة خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهاك نموذج آخر:

إنه مصعب بن عمير رضي الله عنه، الذي كان شابا مترفا، كان من أعطر فتيان مكة، عاش في بيئة ثرية، وليس في مكة شاب أكثر منه نضارة ووضاءة، وبعد أن تبع النبي صلى الله عليه وسلم واستشهد في غزوة أحد مقبلاً غير مدبر، بحثوا عنه بين الموتى فلما رأوه لم يجدوا ما يكفنوه به إلا ثوب واحد، إن غطوا به رأسه بدت رجلاه، وإن غطوا به رجليه بدت رأسه، رضي الله عنه وأرضاه، وأنزل الله عز وجل فيه وغيره (( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا )) أي تغيير حصل في شخصية ذلك الرجل الذي كان يعيش حياة الترف والرخاء؟


إن ذلك يعطينا دلالة واضحة على أن المجتمعات يمكن أن تتغير، وأن الأفراد يمكن أن يتغيروا، وذلك حينما تكون هناك تربية جادة منتجة.


يروي حذيفة رضي الله عنه حديثا يقول فيه: " كان الناس يسألون النبي صل الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه، فقال :إن كنا في جاهلية وشر فجاء الله بهذا الخير، فسأل حذيفة : هل بعد هذا الخير من شر؟ قال :نعم ،قال: وهل بعد هذا الشر من خير؟ قال: نعم وفيه دخن، قال :وما دخنه ؟ قال: قوم يستنون بغير سنتي، ويهتدون بغير هديي تعرف وتنكر.
لقد شهد النبي صلى الله عليه وسلم بأنه سيحصل خير لهذه الأمة بعد ذلك الشر الذي سيصيبها، مما يعني أن المجتمعات يمكن أن تتغير، حين تحمل إدارة التغيير وتتربى التربية الحقة.



كيف انتقل ذاك الجيل هذه النقلة ؟

هذا سؤال عريض تطول الإجابة عنه، لكني أشير هنا إشارة سريعة، كانت من أهم العوامل وراء هذه النقلة العظيمة:

العناية بالإيمان والتركيز على التغيير الداخلي ابتداء، إن التربية التي تتوجه إلى مظاهر السلوك البارزة أمام الناس، تربية قاصرة وتربية لا تستطيع أن تقف أمام السيل الجارف من المؤثرات، إنها تربية تعالج القشور وتغفل عن اللباب، إنها تعالج مظاهر المرض وتغفل عن أصله وجوهره، والبيت الذي يعاني من خلل في أساسه لا يمكن أبدا أن يخضع إلى الترميم والتحسين. لقد حاولت أقوى أمة في عالم القوة المادية أن تمنع الخمر وقامت بسن تشريعات وقوانين كثيرة، استنفرت طاقتها، ثم بعد سنوات أعلنت عجزها وفشلها، لماذا فشل أولئك في حين أن هذه الأمة لم تحتج إلا إلى آيتين تنزل فيخضع الناس ويريقون الخمر من بيوتهم؟ وقل مثل ذلك في المخدرات والتحلل الجنسي والشذوذ الأخلاقي.


لقد فشلت لأن التربية المعاصرة اتجهت إلى المظهر دون الحقيقة،ولو اتجهت التربية إلى بناء الإيمان في النفوس لحققت هذه الأهداف التي تتطلع إليها.



ومن عوامل النجاح:


أن التربية كانت تتم من خلال الميدان، ومن خلال العمل والتطبيق؛ فالجيل الذي تربى على هذه الرسالة لم يكن يستمع إلى التوجيهات أو تلقى إليه المواعظ والكلمات فقط، إنما كان يربى من خلال العمل والميدان والقدوة والممارسة، كان النبي صلى الله علية وسلم يصاحبهم ويصلي معهم ويذهب معهم، ويعايشهم السراء والضراء.


وحين نتأمل سؤالا جديرا بالتفكير، كيف نجح النبي صلى الله عليه وسلم في رسالته ودعوته في حين لم ينجح الحنفاء الذين كانوا على التوحيد ؟

إن هذا الحديث إنما هو لبعث الأمل في نفوس سيطر عليها اليأس من التغيير والإصلاح، أسأل الله أن يجعلنا من حملة الرسالة والدعاة إلى الإصلاح؛ إنه سميع مجيب.



#5 غير متصل   ashlpi

ashlpi

    إسماعيلاوي قبل أن أولد

  • Members
  • 1042 مشاركة

تاريخ المشاركة 12 January 2008 - 05:42 PM

الدرس الخامس: إلى كل فتاة


يا فتــــــــاة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ومن سار على نهجهم، واهتدى بهديهم إلى يوم الدين … أما بعد :

فهناك سؤال يفرض نفسه :-

لماذا الحديث إلى الفتاة ولماذا نخصها بالخطاب ؟ أعرف أن الإجابة موجودة لديكِ سلفا ولكن ماذا عَلَىَّ لو قلت إني أتحدث لك :-


1- لأنك أمي وهل خرج أحد للدنيا دون أم؟ وهل تنفس الصعداء قبل أن يعيش في بطن أمه شهورا؟ وبين أحضانها سنيات من عمره وهى ترعاه وتعاهده؟ وحين يشب طوقه ويصلب عوده يعود به الحنين، فطرة فطر عليها، يعود به الحنين ليلتصق بشريكة الحياة فالمرأة والرجل لصيقان يبدأ حياته وتاريخه من خلالها، ويودع الدنيا كذلك.


2- لأن الكثير يتحدثون عنك يا فتاة، ويرفعون شعار نصرة قضيتك فالأديب قد سخر شعره ونثره، والكاتب قد وظف قلمه، والصحفي قد استنفر قوته فالجميع أجلبوا بخيلهم ورجلهم ما بين كاتب ومفكر وعامل ومنفذ. الجميع نزلوا بثقلهم ليتحدثوا عنك يا فتاة، عن قضية المرأة وحقوق المرأة. ويعلو ضجيج وصخب الأصوات المأجورة ليذيب الصوت الصادق والناصح الذي لم تعد تسمعه الفتاة إلا خافتا.

ألم تسمعي يا فتاة ذلك الصوت القائل يوما من الدهر :-


حينما كنا صغاراً في الكتاتيب ... علمونا أن وجه المرأة عورة


والقائل :-


مزقيه ذات البرقع لا تخافي مزقيه


وابن بلدك القائل :-


محجبة تريك سفور جهل ... ومسفرة تريك حجاب علم

إنها أصوات لا أشك أنك تسمعينها وتقرئينها هنا وهناك. ويعلو ضجيجها ويرتفع صخبها، وكلها تدعو إلى دعوة واحدة، وتتحدث عن قضية واحدة هي قضيتك. لقد زعموا أنك مظلومة لقد زعموا أنك مهانة وزعموا أنهم يتحدثون باسمك ونقلوا وكالة دون موافقة صاحب الشأن ودون موافقة الوكيل فصار الجميع يتحدث ويبدئ ويعيد في قضية المرأة.


يا فتاة : يعلو ضجيج وصخب هذه الأصوات المأجورة ليذيب الصوت الصادق والناصح الذي لم تعد تسمعه الفتاة إلا خافتًا.
ألا يحق بعد ذلك للناصحين أن يرفعوا هاماتهم، وينادون بصوت مسموع رافعين الراية ليقولوا هاهنا الطريق يا فتاة وإياك وبنيات الطرق وأزقة الغفلة؟


3- ونتحدث إليك لأن النبي صلى الله عليه وسلم يوليك يا فتاة عناية واهتماما يليقان بمقامك ؛ ففي كل عيد يخطب فيه المسلمين، ينصرف إلى النساء، إلى العواتق وذوات الخدور ليحدثهن ويعظهن، وتستقل النسوة هذا الأمر فتطمع بالمزيد. وتتطلع إلى ما فوق ذلك ؛ فتأتى إحداهن إليه صلى الله عليه وسلم قائلة : ذهب الرجال بحديثك فاجعل لنا يوما من نفسك فيعدهن صلى الله عليه وسلم ويحدثهن حديثاً خاصًّا لا شأن للرجال به.

وحين نتصفح دواوين السنة ونقرأ ما سطر فيها، نرى الكثير من النصوص التي توصي بحقك ورعايتك والعناية بك، ولقد كان صلى الله عليه وسلم في مجمع عظيم في حجة الوداع يجعل قضية المرأة من أهم القضايا فيقول صلى الله عليه وسلم : " الله الله في النساء، اتقوا الله في النساء ". ويجعل النبي صلى الله عليه وسلم التعامل مع المرأة معيارًا تقاس من خلاله خيرية الرجل فيقول : صلى الله عليه وسلم "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي ".


بل إن الأمر يتجاوز مجرد هذا التوجيه لنرى هديه صلى الله عليه وسلم في المكانة التي يعليها المرأة. فيحبس صلى الله عليه وسلم الجيش لماذا ؟ لأن زوجه عائشة رضي الله عنها قد فقدت عقدًا لها. فيأتي إليها أبو بكر الصديق رضي الله عنه فينتهرها فيقول : حبست رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء، وحين قام البعير وجدوا العقد تحته. فنزلت آية التيمم. فقال أسيد بن حضير رضي الله عنه : ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر.


ويرتفع شأن المرأة عند النبي صلى الله عليه وسلم. فتأتي أم هانئ رضي الله عنها إلى النبي صلى الله عليه سلم فتقول: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم زعم ابن أختك أنه قاتلُ رجلاً قد أجرتُه. فقال صلى الله عليه وسلم :"قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ".
فللمرأة مكانة وقيمة يرفعها إليها النبي صلى الله عليه وسلم فتصبح كلمتها نافذة على المسلمين، وحين تجير رجلاً فتقبل إجارتها ولا يسوغ لأي امرئ أيًّا كان أن يغفل جوار هذه المرأة.


4- ونتحدث إليك لأنك أم المصلحين، والمجددين. أقرأت سير المجاهدين الصادقين. وهل خفيت عليك صفحات العلماء العاملين، تأملي في التاريخ وارفعي الرأس وانظري إلى سماء أمتك لتري هناك نجوما تلوح في الأفق ساهمت في صياغة تاريخ الأمة وصناعة مجدها، وخطت صفحاته البيضاء. فليس يغيب عن ناظريك أبداً اسم الشافعي وعمر بن عبد العزيز وابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب وغيرهم ممن حاز قصب التجديد وأخذ منه بنصيب وافر. ولن تنسَيْ سير نور الدين الشهيد، أو صلاح الدين، أو الغزنوي أو غيرهم ممن حمل روحه على كفه وسار في ميدان الوغى وشعاره ولسان حاله يقول :


أذا العرش إن حانت وفاتي فلا تكن ......على شرجع يعلى بخضر المطارف
ولكن أحن يومي سعيـدا بصحبة ........ يمسون في فج من الأرض خائف



يتغنى بها صادقا من قلبه، وقد صفا لإخوانه أهل الإسلام وغلا مِرجله على أهل الأوثان. وهاهى صفحات سيرة أبى حنيفة ومالك وأحمد والعز بن عبد السلام وغيرهم كثير ممن أراد الله بهم خيرا ففقههم في الدين فساروا ينشرون ميراث محمد صلى الله عليه وسلم. وقبل الجميع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.


يا فتاة كم تهزك هذه الأسماء هزا، وكم تطرب أذنك ويتشنف سمعك حين تسمعين بها. لكن لا تنسي أن أولئك وغيرهم كان لكل منهم أم برة صادقة طالما دعت الله عز وجل أن يجعل ابنها قرة عين لها، وكان له شريكة حياة يسكن لها ويطمئن إليها وهي تقول له كل صباح والله لا يخزيك الله أبداً، وتحتمل اللأواء معه وتصبر وتصابر وكانت خير زاد له ومعين.


فإذا كنت أنت أم الدعاة وأم المصلحين، وأنت بعد ذلك الزوجة الوفية لهم فيحق لنا يا فتاة أن نخاطبك ونخصك بالحديث.
من أخاطب ؟



يـافـتـاة :- من أخاطب في هذه الرسالة ؟ ولمن أتحدث ؟

إنى أخاطب الفتاة الحصان الرزان، الطاهرة العفيفة. فتاة ولدت من أبوين فاضلين، وعاشت في بيت محافظ تستيقظ وتنام وتغدو وتروح وهي تسمع الدعاء لها بالستر والعافية. ولكنها مع فتن العصر وصوارفه، ومع الغربة الحالكة بدأت تنظر ذات اليمين والشمال، وتلتفت إلى الوراء، فترفع سماعة الهاتف لتخاطب شابًّا لم تعرفه إلا من كلامه، وتسهر أحيانا على فلم ينسخ من ذاكرتها كل صور البراءة والعفة لتتراءى أمام ناظريها مظاهر السفور والعلاقة المحرمة.


فتعيش في دوامة من الصراع، فتسمع تارة هذا الصوت النشاز، الذي يدعوها إلى الارتكاس في الحمأة والتخلي عن كل معاني العفة. وتسمع أخرى الصوت الصادق يهزها من داخلها هزًّا عنيفاً ليقول لها رويدك فهو طريق الغواية وبوابة الهلاك، وتتصارع هذا الأصوات أمام سمعها وتتموج هذه الأفكار في خاطرها.

إنها تؤمن بالله واليوم الآخر حق الإيمان، وتعرف الجنة والنار، وتؤمن بالحلال والحرام، ولكن الصراع مع الشهوة قد رجح لغير كفتها.
ومع ذلك كله فقد رزقت أباً غافلا قد شغل بتجارته وعلاقته مع أصدقائه وزملائه، وأمًّا بعيدة عنها كل البعد لا يعنيها شأنها ولاتشغلها قضيتها، ولم تعتد أن تتلقى منهم الابتسامة الصادقة والكلمة الوادة، ولم تر منهم القلب الحنون، ولم تر منهم من يفتح ذراعيه لها، وحينئذ وجدت بغيتها وضالتها في صاحبتها صاحبة السوء التي تلقاها في المدرسة، وربما كانت الضالة في شاب تائه غاو ضال يغويها بمعسول الكلام.


يا فتــاة :- إن كنت كذلك فما أجدرك أن نخاطبك، وما أجدرك أن تقدِّري موقفي، فاصغَيْ لصوتي وحكَّمي عقلك، فإن سمعت خيرا فحيهلاً، وإن كان غير ذلك فأنت وما تريدين. أما إن كنتِ من أهل الصلاح والاستقامة فاسمعي ما أقول وكوني رسولة خير، وترجمان صدق لمن وراءك وأسهمي معنا في إبلاغ هذا الصوت الذي أصبح نشازا قد اختفي تحت ركام الأصوات الهائلة التي تدعو الفتاة إلى الغواية والضلال والانحراف، والتي صارت تتاجر بقضية المرأة وحيائها وعفتها، بل صارت تتاجر بحياة الأمة وعفتها وعفافها. لقد اختفت الأصوات الناصحة الصادقة، وبقيت حبيسة تحت هذا الركام من آلاف المجلات الوافدة والمسلسلات الساقطة، والأصوات التي تعلو هنا وهناك، والتي تدعو الفتاة والشباب جميعاً إلى هذا الطريق وتقول لهم بلسان الحال والمقال هيت لكم.


يا فتــاة :- لست أتحدث من فراغ، ولا أبني قصورا في الرمال بل أتحدث عن واقع رأيته ولمسته، وحدثني عنه الثقات. فقد قرأت بعيني رسالة عتاب على جفاء صديق لم يستقبلها بالأحضان، واعتذر عن مبادلة القبلات فعاشت جحيماً لا يطاق لتكَدُّرِ خاطر من كان لا يزول عنها الهم إلا بسماع صوته.


نعم قرأت تلك الرسالة التي سطرَتْها أناملها لصديق السوء. والرسالة الأخرى التي كانت من شاب لم يدرك قيمة عمله ومهنته وما استؤمن عليه فسطر رسالة غرام مكتوبة بالآلة الكاتبة، وعلى ورق رسمي ليرسلها إلى صديقته. وسمعت الرواية بسند متصل رجاله ثقات عن مكالمة هاتفية تفيض عاطفة وقد علا نشيج الفتاة بالبكاء وهى تسمع التهديد بالقطيعة واختيار البديل فصاحبها يعرف عشرين فتاة غيرها سيختار أوفاهن له، وما أبعده عن الوفاء !!

إنها صور كثيرة يا فتاة، لا أظن أني - مهما بلغت من الإحاطة، وحفظت من النماذج - أحيط بما لم تحيطين به، أو أدرك مالا تدركين.
معذرة على المصارحة:


يا فتــاة :- إن مبدأ المبالغة، واتهام الناس أن عهودهم قد مرجت، ووصم الفتيات أن عفافهن قد اندرس. إن هذا المبدأ مرفوض جملة وتفصيلا، فلا يزال في الناس بقايا من خير. وإن الحديث عن أخطاء شخصية وفضائح لفلانة أو فلان هو خرق لسياج العفة في المجتمع وإشاعة للفاحشة.


ولكن في مقابل ذلك لا يسوغ أن نتغافل ونتعامى بحجة أن المجتمع بخير، وأننا أفضل من غيرنا إذ أن هذه اللغة قد ولى وقتها إلى غير عودة.

يا فتــاة :- فلنكن صرحاء صراحة منضبطة بضوابط الشرع، وواضحين وضوحا محاطا بسياج الحياء والعفة، لتكون خطوة للتصحيح ونقله للإصلاح.


وهاهنا لن أتحدث عن الأسباب وتحليل الظاهرة إنما هي دعوة عاجلة للمراجعة، وإعادة الحساب. إن غاية ما أريد أن أقوله في هذا المجلس هي الدعوة هي دعوة أرفع بها صوتي لكل فتاة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تعود إلى طريق الاستقامة والصلاح، وأن تسلك الطريق التي خلقها الله عز وجل من أجله واختارها سبحانه وتعالى لتكون سائرة عليه، ولتكون أمًّا للأجيال. هذا هو ما نريد أن نصل إليه من خلال هذا الحديث، ومن ثمَّ فلن نفيض في الحديث عن الأسباب ومظاهر الانحراف والخلل ؛ إنما هي إلمامة عُجلى نضم بعد ذلك صوتنا فيها إلى أصوات الناصحين والمنادين بضرورة العودة إلى الطريق وتصحيح المسار.


ماذا يريدون منكِ ؟

يا فتــاة :- لقد رأيتيه في السوق، وعند بوابة المدرسة، وسمعتِ صوته عبر جهاز الهاتف وربما التقيتِ معه وسمعت الألفاظ المعسولة والكلمات التي تسيل رقة وعاطفة، مصحوبة بالأيمان المغلظة على صدق المحبة وعمق المودة، وقد تكون يده قد خطت رسالة لكِ تفيض بمعاني العشق والغرام. وربما دار في خاطرك أن هذا زوج المستقبل.


يا فتــاة :- بعيدا عن العاطفة، وعن سرابها الخادع، كوني منطقية مع نفسك واطرحي هذا السؤال، ماذا يريد ؟ ما الذي يدفعه لهذه العلاقة ؟ إن الصراحة خير من دفع الثمن الباهظ في المستقبل ماذا يقول لزملائه حين يلتقي بهم ؟ وبأي لغة يتحدث عنك ؟
إننى أجزم يا فتاة أنك حين تُزيحين وهم العاطفة عن تفكيرك فستقولين وبملء، صوتك إن مراده هى الشهوة والشهوة الحرام ليس إلا.


يا فتــاة :- ألا تخشين الخيانة ؟ أتُرين هذا أهلا للثقة ؟ شاب خاطر لأجل بناء علاقة محرمة، شاب لا يحميه دين أو خلق أو وفاء، شاب لا يدفعه إلا الشهوة أولا وآخراً أتأمنينه على نفسك بعد ذلك؟


لقد خان ربه، ودينه، وأمته ولن تكوني أنت أعز ما لديه، وما أسرع ما يحقق مقصوده لتبقي لا سمح الله صريعة الأسى والحزن والندم

ليتني لم أتخذ فلانا خليلا:


يا فتــاة :- هبي أنك قد بنيت علاقة مع فلان من الناس، وزادت المودة، وقويت العلاقة حتى صار خليلا وصَفِيًّا تبثينه الأشجان، وتأسين لفراقه، وتحزنين لوداعه ولكن ألم تحدثي نفسك يوما من الأيام بالمستقبل.
ألم تسمعي أن هناك من ندمت أشد الندم، وتمنت أنها لم تعرف فلاناً، ولم يمر طيفه بخيالها ؟. وإن لم تكن ندمت في الدنيا فقد تقول يوم القيامة ((ليتني لم أتخذ فلاناً خليلاً لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولاً)).
لماذا إهـدار العاطفة ؟


يا فتــاة :- إن الله حكيم عليم ما خلق شيئا إلا لحكمة، ولا قضى قضاء إلا وفيه الخير. علم ابن آدم أو جهل.


لقد شاء الله بحكمته أن تكون المرأة ذات عاطفة جياشة تتجاوب مع ما يثيرها لتتفجر رصيدا هائلاً من المشاعر التي تصنع سلوكها أو توجهه. وحين تصاب الفتاة بالتعلق بفلان من الناس قرب أو بعد فأيُّ هيام سيبلغ بها. فتاة تعشق رجلا فتقبل شاشة التلفاز حين ترى صورته، أو أخرى تعشق حديثه وصوته فتنتظره على أحر من الجمر لتشنف سمعها بأحاديثه. وحين تغيب عن ناظرها صورته، أو تفقد أذنها صوته يرتفع مؤشر القلق لديها، ويتعالى انزعاجها فقد غدا هو البلسم الشافي.


يا فتــاة :- بعيدا عن تحريم ذلك وعما فيه من مخالفة شرعية، ماذا بقي في قلب هذه الفتاة من حب لله ورسوله، وحب للصالحين بحب الله؟ ماذا بقي لتلاوة كلام الله والتلذذ به؟ أين تلك التي تنتظر موعد المكالمة على أحر من الجمر في وقت النزول الإلهي حين يبقى ثلث الليل الأخــــير عن الاطراح بين يدي الله والتلذذ بمناجاته؟


بل وأينها عن مصالح دنياها، فهي على أتم الاستعداد لأن تتخلف عن الدراسة من أجل اللقاء به، وأن تهمل شؤون منزلها من أجله.


بل وما بالها تعيش هذا الجحيم والأسى فيبقى قلبها نهباً للعواطف المتناقضة والمشاعر المتضاربة.



فما في الأرض أشقى من محب ...... وإن وجد الهوى حلو المذاق
تراه باكياً في كل حـــال...... مخافة فرقة أو لاشتيــــــاق
فيبكي إن نأوا شوقا إليهــم.........ويبكي إن دنوا حذر الفـراق




إن هذا الركام الهائل من العواطف المهدرة ليتدفق فيغرق كل مشاعر الخير والحب والوفاء للوالدين الذين لم يعد لهما في القلب مكانة.


ويقضى على كل مشاعر الحب والعاطفة لشريك العمر الزوج الذي تسكن إليه ويسكن إليها. وبعد حين ترزق أبناء تتطلع لبرهم فلن تجد رصيدا من العواطف تصرفه لهم فينشأون نشأة شاذة ويتربون تربية نشازا.


يا فتــاة :- العاقل حين يملك المال فإنه يكون رشيدا في التصرف فيه حتى لا يفقده حين يحتاجه. فما بالك تهدرين هذه العواطف والمشاعر فتصرفيها في غير مصرفها وهى لا تقارن بالمال، ولا تقاس بالدنيا؟


يا فتاة : لقد خصك الله سبحانه وتعالى بهذه العاطفة والحنان وهذه الرقة وهذا التجاوب مع هذه المشاعر لحكمة يريدها سبحانه وتعالى ؛ ليبقى هذا رصيدا يمد الحياة الزوجية بعد ذلك بماء الحياة والاستقرار والطمأنينة رصيداً يدر على الأبناء والأولاد الصالحين حتى ينشأوا نشأة صالحة، فما بالك تهدرين هذه العواطف لتجني أنت وحدك الشقاء في الدنيا؟ فتارة تشتاقين إلى اللقاء، وأخرى تبكين خوف الفراق والأسى، وأخيرا تضعين يـدك على قلبك خوف النهاية والفضيحة، خوف هذه النهاية المؤلمـة، التي أهدرت عواطفك وأهدرت أعز ما تملكين من أجل أن تصلي إليها



ألهذا الحد ترخص المرأة ؟

يا فتــاة :- مظهر لا أشك أنك ترفضينه غاية الرفض، وتمقتينه غاية المقت، إنه يمثل إهدارا لشخصيتك وإهانة لمقومات أنوثتك، إنه تحويل للمرأة التي كرمها الله سبحانه وتعالى وجعل لها حقا ومنزلة وأوصى ببرها وحسن صحابتها وربط ذلك برضاه سبحانه، وقرن عقوقها بالشرك به وعده من أكبر الكبائر.


أي إهدار رخيص لقيمة المرأة أن تُجعل وسيلة للدعاية والإعلان لترويج السلع والمنتجات. فهل تصل قيمة الفتاة عند هؤلاء أن توضع صورتها على علبة للصابون أو المناديل؟ وما معنى أن تزين أغلفة المجلات بصورة فتاة جميلة، أليس هذا وسيلة للإغراء والإثارة ولترويج المطبوعة ؟! ألا تشعرين يا فتاة أن في هذا إهانة وتحويلاً لك إلى مصدر للثراء ولجمع المال أيًّا كان مصدره.
لقد بدأت حتى أفجر الممثلات في الغرب يشعرن بسقوط المرأة أمام قدمي الرجل ونفسيته الجشعة فقد نشرت إحدى الصحف أن ممثلة فرنسية بينما كانت تمثل مشهدا عارياً أمام الكاميرا ثارت ثورة عارمة وصاحت في وجه الممثل والمخرج قائلة: أيها ال****، أنتم الرجال لا تريدون منا نحن النساء إلا أجسادنا؛ حتى تصبحوا من أصحاب الملايين على حسابنا ثم انفجرت باكية. لقد استيقظت فطرة هذه المرأة في لحظة واحدة على الرغم من الحياة الفاسدة التي تغرق فيها، استيقظت لتقدم الدليل القاطع على عمق المأساة التي تعيشها المرأة التي قالوا عنها إنها متقدمة.




قارني بين صورتين:

الصورة الأولـــى :-
شاب مستقيم محافظ على طاعة مولاه، قد سخَّر وقته وجهده لعبادة ربه، وأفنى شبابه لطاعته. والثــانــي شاب تائه زائغ تقيمه شهوته وتقعده. الأول تعرض له الفتنة، وتبدو أمام ناظريه مظاهر الإغراء والإثارة فيعرض عنها، ويغض بصره، بل وينأى عن مواقعها، إنه كالآخرين لديه شهوة ولديه العواطف لكنه يشعر أنها مأسورة بإطار الشرع ومحاطة بسياجه. تحادثه الفتاة وتنبري أمامه وتسعى لإيقاعه، لكن لسان حاله يقول ((معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي)).


والثاني ينهار أمام شهوته ورغبته؛ فيقضي سحابة نهاره في التسكع في الأسواق وأمام التجمعات النسائية، في قراءة مجلة داعرة، أو البحث عن صورة فاتنة. ويمضي ليلة عند سماعه الهاتف أو مقابل فيلم ساقط ومشهد داعر.
يا فتاة : كوني واقعية، ومنطقية واحكمي بعيداً عن العاطفة، أيهما أكثر رجولة؟ ومن أحق بالثناء والإعجاب، الشاب الذي ينتصر على شهوته ويستعلي على رغبته استجابة لمرضاة الله؟ أم الشاب الذي ينهار أمام داعي الشهوة ويسعى لتحقيقها على أشلاء كل خلق وفضيلة؟



- من أولى بالقدوة ؟

يا فـتــاة : لكل أمة تاريخ تفخر به، ولكل امرئ مجد ينافح عنه ويتطلع إليه، وتتحكم ثقافة المرء وخلفيته الفكرية في اختيار المحتوى التاريخي الذي يفتخر به وينتمي إليه. فهناك من غاية التراث لديه موروثات قديمة، ومقتنيات الآباء والأجداد من الأدوات و الأواني و الأثاث. وهناك من يشعر أن المنهج، والفكر، والمبدأ أثمن من هذا كله، فيعتبر أن هذا هو تراثه الحقيقي.


يـا فـتــاة : حين نطبق هذه القاعدة على الفتيات فسنجد الصورة نفسها، فمنهن من لا تذكر من التاريخ إلا روايات جدتها وحكاياتها قبل النوم، وهناك من ترى التراث في إناء وموروثات قديمة، ومنهن من تمتد في التاريخ امتداداً أفقيًّا مع الجيل الحاضر والأمم المعاصرة؛ فترى قدوتها في عارضة أزياء كافرة، أو ممثلة فاجرة، أو مغنية ساقطة. ومنهن من تمتد امتداداً رأسيًّا لترى قدوتها في أم عمارة نسيبة بنت كعب، أو ذات النطاقين أسماء بنت أبي بكر، أو في اللواتي أثنى عليهن الله ((إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً)) وقال تعالى :((قانتات تائبات عابدات سائحات)). ويتجاوز هذا المدى ليدرج ضمن هذه القائمة امرأة فرعون :((إذ قالت رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين)).


يـا فـتـاة : أدعوك مرة أخرى لتحكمي وبمنطق العقل والموضوعية ؛ من أولى بالقدوة ؟ ومن الأحق بالأسوة ؟.
يـا فـتـاة : لو وضع لك الخيار أن تكوني كإحدى الطائفتين فأين أراك تختارين؟ حزب عائشة وزينب وأسماء وآسية. أم حزب عارضات الأزياء والممثلات؟


يـا فـتـاة : حين يهديك عقلك الراشد إلى اختيار أحد الحزبين، وخير الطائفتين، فسوف تسعين حتماً للاقتداء بمن تختارين، والسير في ركابه، وإن لم تصلي النهاية التي وصلن إليها، إلا أنك في الطريق.


واليك النهاية التي تصل إليها هذه الساقطات:

إحدى الممثلات الساقطات. الممثلة الراحلة كما يقال مارلين منرو نالت المال الذي تستطيع أن تحصل به على كل شيء، والشهرة التي جعلت اسمها وصورتها تملأ صحف العالم، والجمال الذي يشد أنظار الرجال إليها ويجذبهم نحوها، لقد وجد المحقق الذي درس قضية انتحار هذه الممثلة الشهيرة رسالة محفوظة في صندوق الأمانات في بنك منهاتن في نيويورك، فتح المحقق الرسالة وجدها مكتوبة بخط مارلين منرو نفسها وهي موجهة إلى فتاة تطلب نصيحة مارلين عن الطريق إلى التمثيل فتقول في رسالتها إليها : احذري المجد ، احذري كل من يخدعك بالأضواء ، إنني أتعس امرأة على هذه الأرض لم أستطع أن أكون أمًّا. إني امرأة افضل البيت ، أفضل الحياة العائلية على كل شيء، إن سعادة المرأة الحقيقية في الحياة العائلية الشريفة الطاهرة بل إن هذه الحياة لهي رمز سعادة المرأة بل الإنسانية .انتهى كلامها.


وصرح بعض النقاد بأن الجاني هو كل فرد في المجتمع الغربي. قال أحدهم في إيطاليا إنها لم تنتحر نحن الذين قتلناها نحن الذين نشاهد الأفلام ونقرأ المجلات، بل اعتبرها أديب آخر إنسانة لم تطق استمرار العيش في قاذورات تلك الحضارة، ولم تجد مفرا من موتها اليومي إلا بالموت النهائي. نعم لقد وجدت هذه الممثلة في الانتحار خلاصا من شقائها وتحررا من واقعها ونجاة من مستغليها والمثرين على حساب أنوثتها. قارني بين هذه الصورة وبين صورة تلك المرأة التي تقول :


( رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين ).
ألم تدخلي المصلى؟

يـا فـتـاة : ألم تنقلك قدميك إلى المصلى ؟ تفضلي علينا بدقائق من وقتك وادلفي خطوات إلى مصلى الكلية، إلى حيث يجتمع ثلة من الصالحات القانتات، وألقي عليهن نظرة عاجلة فإحداهن تقرأ القرآن، والثانية تصلي الضحى، والثالثة في مجلس علم وذكر. في حين يتحلق غيرهن على موائد اللحوم البشرية. واحتفظي بهذه الصورة في الذاكرة.

وحين تعودين إلى المنزل وتستلقين على الفراش تفضلي على نفسك بدقائق فاسترجعي تلك الصورة، وقارني بينها وبين فتاة تقف عند بوابة المدرسة، أو أمام محل تجاري وهي تسارع خطاها، وأنظارها في كل اتجاه هل جاء صاحبها أم لا؟ ثم هل يراكم من أحد؟ أو بين تلك التي تتصفح مجلة ساقطة، أو تحملق أمام الشاشة أو تمسك بسماعة الهاتف.

بالله عليك أيهما أهنأ عيشاً، وأكثر استقراراً؟ أيهما أولى بصفات المدح والثناء، تلك التي تنتصر على نفسها ورغبتها، وتستعلي على شهواتها، وهي تعاني من الفراغ كما تعانين، وتشكو من تأجج الشهوة كما تشتكين. أم الأخرى التي تنهار أمام شهوتها؟


يـا فـتـاة : تساؤل يطرح نفسه ويفرضه الواقع :

لماذا هذه الفتاة تنجح ولا أنجح أنا ؟ لماذا تجتاز هذه العقبات وأنهزم أمامها ؟.
أليس هذا أكبر دليل ودافع لك أنك أنت قادرة على أن تسيري في ركاب التائبات القانتات العابدات الصالحات؟ أنك قادرة على أن تودعي حياة الغفلة والإعراض؟ وهاأنت ترين نموذج القدوة أمامك، بعيدا عن أن نفتش لك صفحات التاريخ، أو أن نطلب منك العودة بالذاكرة إلى الوراء. وها هي صورة شاخصة أمام ع*&#%$ ترينها كل صباح في المدرسة ترينها كل مساء في مناسبات عائلية أو مناسبة أفراح، ترين هذه الصورة وأجزم أنك وأنت تواجهينها بسخرية لاذعة والكلمة الجارحة أنك تقولين من الداخل كلاما آخر غير هذا كله.


فلماذا لا تكونين صريحة ؟ وتعلني هذا الكلام الذي بداخلك؟ لماذا لا تفكرين مرة أخرى بمنطق العقل كيف تستطيع هذه الفتاة السير في هذا الطريق ولا أستطيع أنا؟

إن كل ما تطرحين من عائق، أو تتوهمين من عقبة، أو تفتعلين من حاجز دون طريق الاستقامة والصلاح. إن هذا كله موجود لدى هذا الصنف من الفتيات، وربما كان أكثر.




قبل أن تذبل الزهرة:

يافتاة : هاأنت تتطلعين في المرآة فترين صورة وجه وضيء يتدفق حيوية وشباباً، هاأنت تغدين وتروحين وأنت تتمتعين بوافر الصحة وقوة الشباب.


ولكن ألم تزوري جدتك يوماً، أو تري عجوزاً قد رق عظمها، وخارت قواها، لقد كانت يوماً من الدهر شابة مثلك، وزهرة كزهرتك، ولكن سرعان ما مضت السنون وانقضت الأيام فاندفنت زهرة الشباب تحت ركام الشيخوخة، ومضت أيام الصبوة لتبقى صورة منقوشة في الذاكرة؟ وهاأنت يا فتاة على الطريق، وما ترينه من صورة شاحبة وشيخوخة ستصيرين إليها بعد سنيات.

إذاً فكيف تهدرين وقت الشباب وزهرته، وتضيعين الحيوية فيما لا يعود عليك إلا بالندم وسوء العاقبة؟

يا فتاة لقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله وذكر منهم صلى الله عليه وسلم شاباً نشأ في طاعة الله عز وجل والخطاب للرجال تدخل فيه النساء، إذا فممَّن يظل الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله شاب نشأ في طاعة الله، أو فتاة نشأت في طاعة الله عز وجل، ومتى هذا الوعد ؟ ومتى هذا النعيم ؟ إنه في يوم تدنو الشمس فيه من الخلائق حتى تكون منهم على قدر ميل، فيعرقون ويذهب عرقهم في الأرض سبعون ذراعا؛ فيرتفع عرقهم في الأرض، فمنهم من يبلغ إلى كعبيه، ومنهم إلى ركبتيه، ومنهم إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاما.. فهل فكرت أيتها الفتاة أن تكوني من اللواتي في عرش الرحمن يوم لا ظل إلا ظله؟




ما للفتاة والرياضة ؟


يـا فـتـاة : هل صحيح ما سمعنا عنك، أنك قد لا تحضرين للدراسة حين يكون هناك مباراة هامة، وأحياناً تستأذنين من المحاضرة لتتصلي بالهاتف فتسألي عن أخبار المباراة ومن الفريق المنتصر؟ وأنك تعجبين بلاعب أو رياضي ماهر، فيزيد حد الإعجاب عن المعقول، ليُتَرْجَم إلى تصرفات شاذة، ومسالك غير منضبطة.


يـا فـتـاة : اللهو المباح المنضبط من حق كل إنسان رجلاً كان أو امرأة لكن هل العناية بالرياضة تليق بأنوثة المرأة وطبيعتها ؟! أم أنها نشاز وشذوذ عما فطرها الله عليه.


فهل يليق بمربية الأجيال، وأم الدعاة، ومنجبة القادة أن تكون هذه نهاية اهتماماتها وغاية طموحاتها ؟.
يـا فـتـاة : فاز الفريق وانتصر وحصل على كذا وكذا من النقاط وكذا وكذا من الأهداف فماذا حصل ؟ وأي ثمرة جنتها الأمة وحققتها وراء ذلك؟ وماذا ستحصل عليه الفتاة حين تشغل نفسها بذلك إلا إهدار الوقت، والتلاعب بالمشاعر والعواطف، ومخالفة طبيعة الأنوثة والأمومة؟




العذراء في خدرها:


يا فتاة : يمتدح الرجال بالنخوة والشجاعة والكرم، وأما المرأة فتمدح بالحياء وحين يوصف الرجل بالحياء يشبه بالعذراء.. ولهذا كان صلى الله أشد حياءً من العذراء في خدرها، أتظنين يا فتاة أنك حين تطيلين اللسان وترفعين اللهجة، وحين تزيلين عنك غشاوات الحياء أتظنين أنك تبلغين مبلغاً عالياً سامياً أم أنك تضحين بشيء من أغلى ما تمدحين وتوصفين به؟


لا مجال للمخاطرة :
قد يقود الفراغ - وربما الفضول - الفتاة لمكالمة هاتفية خاطفة تكون بداية مأساة لهذه الفتاة:-
1– فإما أن : يعرف ذلك أحد الوالدين.
2- أو أن يتم اللقاء والفضيحة وتدمير المستقبل.
في مجلة مرآة الأمة الصادرة بتاريخ 22/7/1987م نقرأ هذه المأساة " أنا فتاة أبلغ من العمر التاسعة عشرة، في السنة الأولى في الجامعة اعتدت أن أراه في ذهابي وعند عودتي من الجامعة، في كل مرة يبادلني التحية، وتصادف أن التقينا في مكان عام، وشعرت معه بمعنى الحياة، تعاهدنا على الزواج، ثم تقدم لخطبتي، وعشت أياماً سعيدة.

وفي ذات يوم حدث بيني وبينه لقاء فقدت فيه عذيرتي ووعدني أن يسرع بالزواج1، وبعد عدة شهور من لقائنا اختفي من حياتي وأرسل والدته لتنهي الخطوبة، ولتنهي معها حياتي كلها، فالحزن لا يفارق عيني أعيش في سجن مظلم مليء بالحسرة واللوعة والأسى، ولا تقولي لي إن الأيام كفيلة بأن تداويني بنعمة النسيان. فكيف أنسى ما أصابني من الذي أعطيته كل شيء، وجعلني لا أساوي شيئاً " إنها النهاية التي قد تصل إليها من تسلك هذا المسلك؟




صور من حياة المرأة في الغرب:

يا فتاة : لقد قص الله عز وجل علينا قصص الأمم الكافرة والأمم الغابرة لنتعظ ولتكون عبرة لنا. والآن لنقف مع صور من حياة المرأة في عالم الغرب، الصورة المقابلة للمجتمع المحافظ، وهي النهاية لأي طريق يدعو إلى رمي عفة الفتاة وحيائها، وهي صور سيئة ساقطة يطول الحديث عنها، ولكننا هاهنا نتحدث بإيجاز عن جوانب في تلك الصورة لتعرف الفتاة ما هو الطريق الذي يراد بها أن تساق إليه:


أولاً: هكذا تهان المرأة :


في دراسة أمريكية أجريت في عام 1407هـ، أشارت إلى أن 79% من الرجال يقومون بضرب النساء، وبخاصة إذا كانوا متزوجين منهن.
وفي دراسةٍ فحص فيها 1360 سجلاًّ للنساء في المستشفيات، تقول إن ضرب النساء في أمريكا ربما كان أكثر الأسباب شيوعًا للجروح التي تصاب بها النساء، وأنها تفوق حتى ما يلحق بهن من أذى نتيجة حوادث السيارات والسرقة والاغتصاب مجتمعة.
وفي فرنسا تتعرض حوالي مليون امرأة للضرب، وأمام هذه الظاهرة التي تقول الشرطة أنها تمثل حوالي 10% من العائلات الفرنسية، أعلنت الحكومة أنها ستبدأ حملة توعية لمنع أن تبدو أعمال العنف هذه كأنها ظاهرة طبيعية. وقالت أمينة سر الدولة لحقوق المرأة: إن الحيوانات تعامل أحيانًا أحسن منهن، فلو أن رجلاً ضرب ###ًا في الشارع فسيتقدم شخص ما بالشكوى إلى جمعية الرفق بالحيوان. ولكن إذا ضرب رجلٌ زوجته في الشارع فلن يتحرك أحد. ونقلت صحيفة FRANSAR عن الشرطة أن 60% من الدعوات الهاتفية التي تتلقاها شرطة الخدمة في باريس أثناء الليل هي نداءات استغاثة من نساء يسيء أزواجهن معاملتهن.
وقد وضع في تصرف الرجال سريعي الغضب خط هاتفي على مدى 24 ساعة، يتصل به الزوج ليفرغ غضبه إلى طرف آخر لعله يغنيه عن ضرب زوجته. ونشرت مجلة TIMES الأمريكية أن حوالي 4000 زوجة من حوالي 6 ملايين زوجة مضروبة، تنتهي حياتهن نتيجة ذلك الضرب. وأشار خبر نشره مكتب التحقيقات الفيدرالية جاء فيه أن 40% من حوادث قتل السيدات ارتكبها أزواجهن.




وجانب آخر من صورة المرأة في الغرب:

العلاقات غير الشرعية:
دلت الدراسات على أن في الولايات المتحدة نفسها أكثر من 35 مليون متزوج يقيم علاقات غير شرعية خارج عش الزوجية، أي نسبة تصل إلى 70% من الرجال المتزوجين. وبعبارة أخرى فإن 70% من الزوجات الأمريكيات مأسورات بقيد الخيانة، خيانة أزواجهن لهن.


وقد دفعت المعاناة الزوجات اللواتي يخونهن أزواجهن إلى تشكيل تجمع نسائي جديد في أمريكيا، يضمهن أطلق عليه اسم WAHS. أما صورة أخرى فهي صور الاغتصاب الذي تتعرض له المرأة. وفي الولايات المتحدة تقول التقارير الخاصة بالاغتصاب إن حادثة الاغتصاب تسجل كل 6 دقائق، وإن جريمة الاغتصاب أكثر جريمة تسجيلا في محاضر الشرطة والمدن الأمريكية.
ويقول المحللون إن 90% من حوادث الاغتصاب لاتصل إلى سجلات البوليس وهذا يعني بحسبة بسيطة أن عشر حوادث للاغتصاب تتم كل 6 دقائق أو جريمتين كل دقيقة تقريبًا.


وفي LOS ANGELES التي أصبحت تشتهر بأنها عاصمة حوادث الاغتصاب في العالم. واحدة من ثلاث فتيات فوق سن 14 عامًا معرضة للاغتصاب. وقد بلغ الحال من السوء جدًّا أن دفع بحاكم ولاية CALIFORNIA لأن يعلن في حديث تلفزيوني حربًا لمدة عشر سنوات بكلفة 5 مليارات دولار لمكافحة الجريمة. وتحدث الحاكم واسمــه JER BRAUON عن الحال التي وصلت إليها الأوضاع في المدينة بقوله إن مستوى الخوف ودرجة العنف البشعة أنشأت جوًّا من شأنه تقويض حقنا الأساسي في أن نكون أحرارًا في مجتمعنا.
وأما في فرنسا، فقد أذاع الراديو الفرنسي في يوم الأحد 25/9/1977م إحصائية ذكر فيها أن في فرنسا 5 ملايين امرأة متزوجة على علاقة جنسية بغير أزواجهن. وأذاع التلفزيون الفرنسي في القناة الأولى في 23/9/1977م أن المحكمة الفرنسية ردت الدعوى التي قدمها الزوج بحق زوجته التي تخونه، وبعد تقديم الدليل قالت المحكمة، ليس من حق الزوج أن يتدخل في الشؤون الخاصة بزوجته.
والصورة الرابعة من صور الدمار في الحياة الغربية:



العائلة:

(أنقذوا العائلة من الموت، أنقذوا العائلة من الموت).


هذا النداء الدراماتيكي أطلقه العالم الاجتماعي الفرنسي JERNARD OREL وهو النداء الثالث الذي يطلقه خلال 30 سنة الماضية. كان الأول : أنقذوا العائلة من الاستلاب، وكان الثاني : أنقذوا العائلة من التفتت. وهو يطلـق النـداء الثالث لأن المعطيـات التي توفرت لديـه حول وضع العائلة في الغـرب تثبـت جميعهـا أنـه قد حـان الوقـت لكـي تقـرع أجراس الإنـذار في كـل بيت مـن نصـف الكرةالشمالي.


وقد قام الباحث الغربي على امتداد سنتين ماضيتين بمسح ميداني للعائلة الغربية تنقل بين مختلف البلاد الأوروبية وعبر الأطلسي إلى الولايات المتحدة وكندا ليعود بجعبة مليئة بالأصوات التي تحذر من اتجاه العائلة الغربية نحو الهلاك. هذه الأصوات مع تحليل واف لها جمعها OPEL في كتاب أطلق عليه عنوان : أنقذونا. والأصوات تلك هي عبارة عن الحوارات القصيرة التي أجراها المؤلف مع نساء وأطفال وآباء وأجداد حول طبيعة علاقة كل واحد منهم بأفراد العائلة الآخرين، والأصوات البعيدة كانت نادرة جدًّا بل هي استثنائية.
وها هي المرأة الغربية تنادي : أريد أن أعود إلى منزلي. وهذا عنوان كتاب ألفته إحدى المفكرات الفرنسيات.
في إحصائية في السويد تقول إن المرأة السويدية فجأة اكتشفت أنها اشترت وهما هائلا تقصد الحرية التي أعطيت لها بثمن مفزع وهو سعادتها الحقيقية.



والكاتبة الإنجليزية LADY COOK أحست بعواقب الاختلاط الوخيمة. وكتبت قبل عشر سنين في صحيفة ALAIEO تقول : إن الاختلاط يألفه الرجال، ولهذا طبعت المرأة بما يخالف فطرتها. وعلى قدر كثرة الاختلاط تكون كثرة أولاد الزنى وهنا البلاء العظيم على المرأة. ثم تقول : أما آن لنا أن نبحث عما يخفف إذا لم نقل عما يزيل هذه المصائب العائدة بالعار على المدنية الغربية. أما آن لنا أن نتخذ طريقًا تمنع قتل الآلاف من الأطفـال الذين لا ذنب لهـم بـل الذنب على الرجـل الذي أغرى المـرأة المجبـولـة علـى رقــة القلـب. يا أيها الوالدان لا يعنيكمـا دريهمات تكسبها بناتكم باشتغالهن في المعامل ونحوهـا، ومصيرهن إلى ما ذكرنا. علموهن الابتعاد عن الرجال، أخبروهن بعاقبة الكيد الكامن لهن بالمرصاد. لقد دلتنا الإحصائيات على أن البلاء الناتج من حمل الزنا يعظم ويتفاقم حيث يكثر اختلاط النساء بالرجال. ألم تروا أن أكثر أمهات أولاد الزنا من المشتغلات في المعامل والخادمات في البيوت ، وكثير من السيدات معرضات للأنظار، ولولا الأطباء الذين يعطون أدوية الإسقاط لرأينا أضعاف ما نرى الآن. لقد أدت بنا الحال إلى حد من الدناءة لم يكن تصورها في الإمكان، وهذا غاية الهبوط بالمدنية.

هذا ما قالته تلك الكاتبة الغربية.


فها هي يا فتاة، ها هي المرأة الغربية تنادي بأعلى صوتها، أريد العودة إلى منزلي، فقد جربت ورأت نهاية الحياة التعيسة.
القرار بيدكِ أنتِ:


إن الاقتناع بخطأ طريق الغفلة، والممارسة الشاذة، والسلوك المنحرف . أمر يشترك فيه الكثير من الشباب والفتيات ممن هم كذلك. بل أكثرهم يقتنع بحاجته إلى الالتزام والاستقامة، ولكن هذا القرار الشجاع، الحاسم يقف المرء معه متردداً متهيباً.
لست أدري ما مصدر هذا التردد ؟ ما دام الاقتناع قد تكون لدى الفتاة بخطأ طريقها، وسلامة الطريق الآخر فما ذا تنتظر ؟ إنه التخوف أحيانا من المستقبل، الذي لا مبرر له.


القضية باختصار يا فتاة قرار جريء وشجاع تتخذينه وبعد ذلك يتغير مجرى حياتكِ تلقائيا، ويهون ما بعده، فهل تعجزين عن اتخاذ هذا القرار ؟ لا أخالك كذلك وأنت الفتاة الجريئة في حياتك كلها. واسألي من كنَّ شركاء لكِ في الماضي، فاتخذن القرار، وسلكن طريق الهداية.



#6 غير متصل   ashlpi

ashlpi

    إسماعيلاوي قبل أن أولد

  • Members
  • 1042 مشاركة

تاريخ المشاركة 12 January 2008 - 05:43 PM

الدرس السادس: إنهم فتية آمنوا بربهم


إنهم فتية آمنوا بربهم"

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشده أن محمداً صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله، أما بعد..
فعنوان هذه المحاضرة "إنهم فتية آمنوا بربهم" وهي بعض آية من سورة الكهف.


هذه السورة العظيمة يرددها المسلم ويقرأها كل أسبوع، وهذا يعني أن فيها من المعاني التي يحتاج الناس إلى تكرارها وإلى إعادتها. إننا دون أن نخوض في جدل وتساءل عن الحكمة وراء تكرار هذه السورة وقراءتها كل جمعة، فإننا نؤمن أنه لم يؤمر بتكرار هذه الآيات وقراءتها إلا أن فيها معان يحتاج الناس إلى أن يتذكروها، وأن لا تغيب عنهم.


هذه السورة العظيمة سميت بهذا الاسم "سورة الكهف" لأن فيها قصة هؤلاء الفتية الذين شهد الله لهم بالإيمان وأثنى عليهم وعدّلهم تبارك وتعالى. وهذه الكلمات ليست تفسيراً لهذه الآيات؛ فلست مختصاً بهذا العلم الذي له رجاله وفرسانه.


إنما هي وقفات وإشارات وعبر لبعض الدروس التي ينبغي أن نستفيدها من هذه القصة وبين يدي الحديث عن هذا الموضوع أرى أننا بحاجة إلى أن نؤكد أن هذا المعنى التربوي الذي يرد كثيراً في كتاب الله عز وجلّ – ونرى أن اهتمامنا به وعنايتنا به لا يتناسب مع المكانة التي أولاها القرآن الكريم إياه، إنها القصة؛ فالقرآن الكريم مليء بالقصص والله تبارك وتعالى أخبر أنه يقص علينا أحسن القصص في هذا الكتاب وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم فقال :(فاقصص القصص لعلهم يتفكرون) ، وأخبر تبارك وتعالى أن في قصص الأنبياء عبرة لأولي الألباب وأنه حديث صدق وحق (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثاً يفترى).


نعم لأن القصص تدخل فيها الأساطير والخرافات والأقاويل أما كلام الله عز وجل فيتنزه عن ذلك، إن هذا القرآن الذي هو كلام الله تبارك وتعالى وأنزله الله عز وجل على عباده من فوق سبع سماوات حين يكون مليئاً بالقصص والإشارة إليها والتعقيب فهذا يعطي المربين درساً مهماً في شأن القصة وأهميتها في التربية، وحين ندرك هذا المعنى نرى أننا نهمل شأن القصة أو لا نعتني بها كما ينبغي.
وأولى القصص التي ينبغي أن نعتني بها ما جاء في كتاب الله عز وجل وما قصه الله عز وجل في كتابه فهو دليل على أهمية هذا الموضوع وعلو شأنه .


إن كل واحد منكم يستطيع أن يطرح تساؤلاً حول موضوع يُختار للحديث عنه، وقد يرى أن هذا الموضوع ليس ذا بال وأهمية ومن حقه أن يرى هذا الرأي، لكن أن يقول امرؤ إن قصة جاءت في كتاب الله أو قصها النبي محمد صلى الله عليه وسلم ليست ذا بال فهذا لا يمكن أن يجرؤ عليه مسلم ولا يقوله، وهي قضية لا مجال فيها للنقاش والجدل، قصة جاءت في كتاب الله فهذا يعني أننا في حاجة إلى أن نتدبرها وأن نقف عند معانيها وأن نقيس حالنا بحال الذين قص الله علينا شأنهم، وقصة قصها علينا النبي صلى الله عليه وسلم يعني أن لها شأناً ولها قيمة، إنها قضايا تتجاوز مجرد الحديث التاريخي البحت الذي يعني بتسطير الأخبار والروايات والأحداث.
وحين نقرأ في كتاب الله ونحلل أساليب عرض القصة نرى أن القصة لا تأتي قصة مجردة تحكي أحداثاً مترابطة، إنما تأتي القصة وفي ثناياها الإشارة إلى العبر والعظات والدروس المهمة التي ينبغي على الناس أن يعوها.


ولهذا فحديثي سيكون عبارة عن جملة من الوقفات لا يجمعها جامع إلا أنها وقفات حول هذه القصة العظيمة التي جاءت في كتاب الله عز وجل.




الوقفة الأولى: عظم شأن الشباب:

أهل الكهف كما أخبر الله عز وجل فتية (إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى) وقال في الآية الأخرى (إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيىء لنا من أمرنا رشداً) ،ولا شك أن هذا الوصف وهذه الكلمات لم تأت اعتباطاً، لم تأت لقضية تاريخية بحتة، والقصة أجملت أولاً في ثلاث آيات ثم فصلت، ووصفهم بالفتوة جاء في الموضعين كليهما: موضع الإجمال، وموضع التفصيل .
فماذا يعني وصف هؤلاء بأنهم فتية؟


يعني دلالات ، أولها سنة الله عز وجل في هذه الدعوة –وهي دعوة واحدة وأمة واحدة – (إن هذه أمتكم أمة واحدة) فالمؤمنون بالله أمة واحدة بدءاً بنوح عليه السلام، وإلى أن تختم بالطائفة المنصورة إذ ينزل عيسى مجدداً وحاكما بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم. أن يكون أتباع هذه الدعوات هم من الشباب، وهذا النموذج أمامنا: مجتمع يعج بالكفر والشرك بالله عز وجل يستفيق فيه هؤلاء الفتية وهؤلاء الشباب، وقبل ذلك قال قوم نوح :(ما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي) هم سذج الناس البسطاء الرأي الذين يتبعون كل ناعق.


وقال الله عز وجل عن أتباع موسى: (فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملأهم أن يفتنهم) فأقران موسى عليه السلام ليسوا هم الذين آمنوا به واتبعوه، بل الذين آمنوا به هم الذرية قال ابن كثير رحمه الله حول هذه الآية:"يخبر تعالى أنه لم يؤمن بموسى عليه السلام مع ما جاء به من الآيات البينات والحجج القاطعات والبراهين الساطعات إلا قليل من قوم فرعون من الذرية وهم الشباب على وجل وخوف منه ومن ملئه أن يردوهم إلى ما كانوا عليه من الكفر، لأن فرعون لعنه الله كان جباراً عنيداً مسرفاً في التمرد والعتو، وكانت له سطوة ومهابة تخاف رعيته منه خوفاً شديداً".

وفي قصة أصحاب الأخدود أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا الحدث وتلك القضية كانت على يد هذا الشاب الذي لم يبلغ العشرين من عمره.

وحين جاء النبي صل الله عليه وسلم أصبحت سيرته خير شاهد على ذلك؛ فالعشرة المبشرون بالجنة – وهم من أوائل الذين دخلوا في الإسلام ولهم قدم صادقة في دين الله عز وجل – كان خمسة منهم دون العشرين من أعمارهم، ويعجب القارىء لهذه السيرة كيف يصل هؤلاء إلى هذه المنزلة وكانوا لا يزالون في ريعان شبابهم ربما كان بعضهم ليس في وجهه شعرة واحدة.
وكثير من أوائل السابقين الذين اتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم وثبتوا على الإسلام في مكة كانوا من الشباب، ومن هؤلاء: سعد بن أبي وقاص والزبير بن العوام وسعيد بن زيد وخباب والأرقم ابن الارقم وعبدالله بن مسعود –رضي الله عنهم- وغيرهم كثير كانوا من هؤلاء.


وكذلك كان الأمر في المدينة فأول من أسلم منهم كان غلاماً صغيراً اسمه إياس بن معاذ، كما روى ذلك محمود بن لبيد - رضي الله عنه – قال: لما قدم أبو الحيسر أنس بن رافع مكة ومعه فتية من بني عبد الأشهل، فيهم إياس بن معاذ، يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج، سمع بهم رسول الله r فأتاهم فجلس إليهم، فقال لهم: "هل لكم إلى خير مما جئتم له؟" قالوا: وما ذاك؟ قال: "أنا رسول الله، بعثني إلى العباد أدعوهم إلى أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً" ثم ذكر لهم الإسلام وتلا عليهم القرآن، فقال: إياس بن معاذ: يا قوم، هذا والله خير مما جئتم له. فأخذ أبو الحيسر حفنة من البطحاء، فضرب وجهه بها، وقال: دعنا منك، فلعمري لقد جئنا لغير هذا، فسكت وقام وانصرفوا، فكانت وقعة بعاث بين الأوس والخزرج، ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن هلك.
قال محمود بن لبيد: فأخبرني من حضره من قومه أنهم لم يزالوا يسمعونه يهلل الله ويكبره ويحمده ويسبحه، فكانوا لا يشكون أنه مات مسلماً.



وحين جاء أولئك الذين اتبعوا مصعب رضي الله عنه إلى بيعة العقبة وهم صفوة الأنصار اجتمعوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء العباس وهو على دين قومه ليطمئن على صدق هؤلاء الذين سينتقل إليهم ابن أخيه صلى الله عليه وسلم تفرس العباس في وجوه القوم فقال :"هؤلاء لا نعرفهم، هؤلاء أحداث".


إذا فأهل الكهف الذين ذكر الله خبرهم وأعلى شأنهم كانوا شباباً وفتية، قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية :"فذكر تعالى أنهم فتية وهم الشباب, وهم أقبل للحق وأهدى للسبيل من الشيوخ الذين قد عتوا وانغمسوا في دين الباطل, ولهذا كان أكثر المستجيبين لله تعالى ولرسوله r شباباً, وأما المشايخ من قريش, فعامتهم بقوا على دينهم ولم يسلم منهم إلا القليل. وهكذا أخبر تعالى عن أصحاب الكهف أنهم كانوا فتية شباباً".


إن هذا يعني أن الصحوة التي تعم أرجاء العالم الإسلامي في عرضه وطوله حين قامت على الشباب ليست ظاهرة شاذة كما يحلو للبعض أن يصوروا ذلك، ويروا أنها إنما قامت على هؤلاء السذج بادي الرأي، فأصحاب هذه المقالة التي يرددونها اليوم متفقون مع قوم نوح الذين قالوا (ما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي).


ثانياً: إن كون أهل الكهف شباباً وفتية يعطي درساً مهماً وتساؤلا نطرحه ونحن نعيش أزمة في عالم الشباب الذين يتعلقون بالأمجاد والبطولات، فلماذا يتعلق أبناء المسلمين اليوم بالأمجاد الزائفة والبطولات الزائفة التي يصنعها الأعداء؟ أو تكون نتائج إغراق الأمة في لهو وعبث فارغ لا يعدو أن يفرغ قضية الأمة الكبرى والأساس من مضمونها ليخرج جيلا تتعلق البطولة والأمجاد لديه بتوافه الأمور، أليس اليوم الشباب في العالم الإسلامي وهم يعيشون هذه الأزمة بحاجة إلى أن يبرز أمامهم هذا النموذج وهذا البديل؟

ويتساءل المعلم اليوم بمرارة وأسى: أيعرف شباب المسلمين عن شأن أهل الكهف وعن شأن أصحاب الأخدود وعن شأن الشباب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كما يعرفون عن أهل الفن واللهو والعبث الباطل الزائل؟ إن الإجابة عن هذا التساؤل إجابة مرة، وهي تطرح مطلباً وتساءلاً ملحاً لكل من ولاه الله مسؤولية في تربيةٍ وتوجيه، إن الأمة أجمع..إن الأمة اليوم والشباب بوجه أخص يعانون من أزمة القدوة وهاهو البديل إن كنا جادين وصادقين، فلماذا لا تبرز هذه النماذج للشباب على أنهم المثل الأعلى ؟ إذا كان الشباب يبحثون عن البطولات والإنجاز والأمجاد فها هو إنجاز وها هو مجد أولئك الشباب الذين يستعلون على شهواتهم وعلى رغبات الدنيا ويستعلون على الفتن التي تأتيهم من هنا ومن هناك؛ فيعلنون إيمانهم بالله عز وجل، أيقارن هذا المجد بأمجاد هذه الدنيا الزائفة التي يتطلع إليها الشباب اليوم؟

إنك حين تسأل شباب الأمة اليوم عن قدوتهم وعن مثلهم الأعلى وعن الشخصية التي يتمنون أن يصلوا إليها وعن أمنيتهم في الحياة تدرك المرارة والأسى والحاجة الملحة إلى مثل هذا النموذج الذي لا يتطرق إليه الشك ولا الكذب إنه نموذج يعرضه أمامنا كتاب الله عز وجل.




ثالثاً: إن ارتباط هذه القضية بالشباب تعطي الشاب المسلم المعاصر ثقة بنفسه وثقة بطريقه ويشعر -وهو يسير على طريق يخالفه الناس من هنا وهناك- أن له امتدادا بعيداً يتجاوز هذه الحقبة الزمنية التي يعيشها، ليدخل ضمن هذه الدائرة الشباب الصادقون من سلف الأمة، والشباب الصادقون من أتباع النبي صلى الله عليه وسلم بل يتجاوز تاريخ الأمة المحمدية ليشمل تاريخ تلك الأمم ، أمة التوحيد منذ أن أهبط الله عز وجل آدم إلى أن تقوم الساعة فيشعر الشاب حين إذن بالاعتزاز وهو ينتمي إلى هذا المنهج، يشعر بالاعتزاز وهو يرى أنه لا يعيش غربة وأنه لا يعيش حالة شاذة وإن بدا من خلال النظرة القريبة التي يعيشها وينظر إليها.


إنه حين يقرأ كتاب الله عز وجل ويرى هذا النموذج البعيد على تلك القرون المتطاولة على مدى التاريخ يدرك أن له إخوة ساروا على الطريق نفسه، وهذا يدعوه إلى الثبات والثقة بالطريق الذي هو عليه ولسان حال تفكيره وهو يقرأ هذه النماذج "لست وحدك في الميدان ولست وحدك على الطريق وإن أصابك ما أصابك وإن رأيت ما رأيت".


إنه طريق طويل يتجاوز مدى الزمان،. ويتساءل أين الشباب العابثون اللاهون الساهون الذين متعوا أنفسهم بالشهوات؟ وأين أولئك الشباب الذين لم يستطيعوا أن يتجاوزوا أسر عصرهم وزمانهم أين هم على مدى التاريخ؟ ماذا حفظ التاريخ عنهم؟ وماذا سطر من أخبارهم وأحوالهم؟ أما هؤلاء –أهل الكهف- فهاهم على مدى التاريخ، يتحدث الناس ويتساءلون عنهم، عن أسمائهم، عن اسم ذلك ال*** الذي صحبهم، أين الكهف الذي عاشوا فيه؟ إلى آخر تلك التساؤلات -وإن كانت طائفة من هذه التساؤلات مما لاينبغي الاشتغال به- إلا أن هذا يعني أن أولئك حفظ شأنهم وبقي وبقيت قيمتهم وما عند الله عز وجل لهؤلاء وغيرهم من المؤمنين الصادقين أعلى وأتم من هذا الذكر الذي بقي في الدنيا .




الوقفة الثانية: الإيمان يعلي شأن صاحبه:

إن الإيمان والدين يرفع المرء مراتب ويتجاوز الاعتبارات التي يضعها الناس لدنياهم، ماذا يعني فتية من الشباب، فتية خالفوا قومهم - وشذوا بمنطق قومهم – عما هم عليه فذهبوا إلى غار فاختبؤوا فيه مدة طويلة ثم بعد ذلك ماتوا؟ لقد أعلى الله شأنهم، وأثنى عليهم، وشهد لهم بالإيمان وزيادة الهدى فهكذا الإيمان والصلة بالله عز وجل، إنها تتجاوز كل الاعتبارات التي يُعليها الناس اليوم من الجاه والنسب والمال وسائر المطامع،يتجاوز هذا كله لتبقى هي الرصيد الذي لا يزول ولا يفنى.



الوقفة الثالثة: النعي على مشركي قريش:

لقد بدأ الله تبارك تعالى الحديث عنهم بوصفهم بالإيمان (آمنوا بربهم وزدناهم هدى)، وهذا فيه إشارة وإيماء للمشركين الذين لم يؤمنوا وجاءوا يتساءلون عن أهل الكهف ما شأنهم؟ حدثنا عن فتية كانوا في غابر الزمان ؟ إنهم مؤمنون ومهتدون وأنتم ما شأنكم ؟ أنتم كفرتم بربكم وأعرضتم واستكبرتم عن اتباع أمره.



الوقفة الرابعة: للهداية أسباب:


قال عز وجل :(إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى) إنها قضية مهمة كثيرا ما يشير إليها القرآن وقد نغفل عنها ألا وهي: أن الإيمان والعمل الصالح سبب للهداية والتوفيق، كما قال تبارك وتعالى في آية أخرى (ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خير لهم وأشد تثبيتاً وإذا لآتينهم من لدنا أجر عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما) ، وقال: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) ،وقال (والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم)، وقال: (والذين قتلوا في سبيل الله -وفي قراءة أخرى قاتلوا في سبيل الله- فلن يضل أعمالهم سيهديهم ويصلح بالهم ويدخلهم الجنة عرفها لهم)، فالهداية والتوفيق من الله عز وجل لها أسباب، ومن أعظم أسباب الهداية والتوفيق اجتهاد المرء في العمل الصالح والإيمان وتقوى الله عز وجل.



وكما أن للهداية أسباباً، فللثبات عليه –وذلك من تمام الاهتداء أسباب- وهو معنى نحن أحوج ما نكون إليه في هذا العصر الذي أصبحنا نرى الناس يتهاوون صرعاً على جنبات الطريق ذات اليمين وذات الشمال ويتيهون ويضلون، والحديث اليوم الذي يسيطر على كثير من الشباب الصالحين الأخيار هو السؤال عن الثبات والهداية، وتأتي الإجابة هاهنا (إنهم فتية آمنوا بربهم فزدناهم هدى. وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السموات والأرض. لن ندعو من دونه إلهاً لقد قلنا إذا شططاً) فقلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، والأمر أولا وآخراً بيد الله تبارك وتعالى مقلب القلوب، فالثبات بإذن الله، والتوفيق والربط على القلوب إنما هو بيده عز وجل، وقد جعل الله لذلك أسباباً، فحين يشعر الشاب اليوم أن الفتن بدأت تتناوشه ذات اليمين وذات الشمال، ويشعر بالخوف والخطر على إيمانه - وينبغي أن يشعر بهذا الشعور- فعليه أن يدرك أن الله عز وجل هو الذي يربط على قلوب المؤمنين الصادقين، ومتى؟ حين يفعلون السبب.



الوقفة الخامسة: عظم شأن التوحيد:


لقد قال أهل الكهف(ربنا رب السموات والأرض) فهذا توحيد الربوبية، وذكروا توحيد الألوهية بقولهم (لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا) إنها دعوة واحدة: دعوة التوحيد، وهي دعوة الأنبياء (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت)، وما أرسل الله عز وجل من رسول إلا أوحى إليه تبارك وتعالى هذه الكلمة، أوحى إليه: (لا إله إلا أنا فاعبدون)، وكما قال صلى الله عليه وسلم:" نحن معاشر الأنبياء وأولاد علات أو إخوة لعلات"، فقضية التوحيد هي قضية الأنبياء منذ آدم ونوح وهود وصالح كل هؤلاء ومن تلاهم ومن لم يقص الله علينا شأنهم كانت مقولتهم لقومهم (اعبدوا لله مالكم من إله غيره) وهي أيضا مقولة أهل الكهف الفتية الذين آمنوا بالله وزدناهم هدى.


والتوحيد هاهنا الذي يأخذ هذا القدر والمنزلة بمفهومه الواسع، وليس بالمفهوم الضيق الذي يحصره طائفة من الناس في دائرة ضيقة في قضايا معرفية بحتة. إن كثيراً من المسلمين اليوم يشعرون أن من الخلل بالتوحيد أن يقول أحدهم ماشاء الله وشئت، أو يقول لولا الله وفلان وهذه أمور ينبغي أن يُحذَّر منها الناس، لكن بعض من يحذر من قول ما شاء الله وشئت قد يقول في الثناء على مخلوق - بلسان الحال لا بلسان المقال-:

ماشئت ماشاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهار، إن أهل التوحيد لا يليق أبداً أن يكون في قلوبهم تعظيم لغير الله عز وجل، ولا أن تمتليء قلوبهم إلا بالتوجه إلى الله تبارك وتعالى، وأولئك الذين تعلقوا بالدنيا وتعلقوا بالشهوات وصارت هي الحاكم لكل ما يريدون أولئك الذين تمثل قضية الدنيا كل شيء لديهم ينبغي أن يراجعوا توحيدهم.


إنهم لو عظموا الله ووحدوا الله عز وجل، ولو امتلأت قلوبهم بتوحيد الله تبارك وتعالى وتعظيمه لما تجرأوا على ذلك، وأولئك الذين يتجرأون على شرع الله عز وجل فيحرم الله أمراً تحريماً صريحاً واضحاً ثم يتجرؤون على إباحته على رؤوس الأشهاد، أولئك ما قدروا الله حق قدره، وما وحدوا الله عز وجل حق توحيده.


لقد جاء الأمر بالحكم بشرع الله قريناً للأمر بعبادته (إن الحكم إلا لله أمر ألا تبعدوا إلا إياه) فكما أن المسلم لا يصلي ولا يسجد إلا لله عز وجل، فهو كذلك لا يحكِّم إلا شرع الله تبارك وتعالى، والفصل بينهما خلل في التوحيد، إذا فقد كانت قضية التوحيد هي قضية أهل الكهف، كما كانت قضية الأنبياء من قبلهم.




الوقفة السادسة: عظم شأن الدعاء:


فقد سمى الله عز وجل الدعاء عبادة، كما قال إبراهيم عليه السلام (وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وادعوا ربي عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقيا. فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله) فسماه الله عز وجل عبادة، وفي آية أخرى (وقال ربكم ادعوني استجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادته سيدخلون جهنم داخرين) وقال صلى الله عليه وسلم "الدعاء هو العبادة".


لماذا كان الدعاء هو العبادة؟ ولماذا صار الدعاء قرين التوحيد؟


حين يدعو المرء غير الله فهذا يعني أنه يرجو غير الله، ويعني أنه يعظم غير الله عز وجل، ويعني أنه يشعر أن قضيته بيد فلان أو فلان، أما أولئك الذين دعاؤهم لله عز وجل خالصاً لوجهه فهم لا يرون لمخلوق عليهم فضلاً، ولا يرون لبشر عليهم منّة، ولا يرجون من مخلوق نوالاً، ولا يخافون من أحد غير الله، وقد قال صلى الله عليه وسلم:"إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عيك".



الوقفة السابعة: حول الدليل والبرهان:


لقد طالب أهل الكهف قومهم بسلطان وحجة (هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان مبين) ذلك أن الدليل والحجة والبرهان منطق مهم ينبغي دائما أن يحكم ما نقول في كل قضية؛ فالحق أبلج والباطل لجلج، إن أولئك الذين يستخدمون أسلوب الإثارة والتهويل وإصدار الأحكام الجاهزة يفرون من منطق الحجة والبرهان ولا يخشى الدليل والبرهان والحجة ولا يفر من الحوار إلا أولئك الذين لا يملكون ما يقدمون ولا يستطيعون أن يقنعوا الناس بقضيتهم.



إن الله عز وجل دعا أولئك الذين تجرؤوا على الشرك فقال (ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين) ، ودعا أولئك الذين نسبوا الولد إلى الله عز وجل أن يأتوا ببرهان أو حجة، ونعى تبارك وتعالى على أولئك الذين يسيرون ويتبعون كل ناعق، وما جاء التقليد في موضع القرآن إلا موضع الذم والنعي، بل جاء التشبيه لأولئك الذين يسيرون خلف كل ناعق بالدواب (ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي) إنهم الراعي حينما يسير بغنمه فهو ينعق بها ويصيح بها فالغنم تسمع صوت الراعي ولكن لا تفقه ما يقول، تسمعه يدعوها فتسير وراءه.

إن هذا المنهج ينبغي أن يسود في دعوتنا وأن تتربى عليه الأمة، وليس من مصلحة الأمة أن يغيب عنها الوعي أو أن تكون أمة مغفلة كالقطيع.




الوقفة الثامنة: الصلة بالله عز وجل:


لقد اعتزل أهل الكهف أقوامهم، ولجؤوا إلى الله وحده، وهم بذلك يرسمون لمن بعدهم منهجاً وطريقاً لاغنى لهم عنه، إنه الصلة بالله تبارك وتعالى.


وهاهو هذا الدرس نتلقاه من قصة موسى عليه السلام في سورة القصص (وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين فخرج منها خائفاً يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين. ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهدني إلى سواء السبيل) ثم لما أوى إلى الظل قال (رب إن لما أنزلت إلى من خير فقير).


وحين ذكر الله تبارك وتعالى طائفة من أخبار الأنبياء في سورة الأنبياء قال عنهم: (إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين) فحري بالدعاة أن لا تغيب عنهم هذه القضية في كل موقف وفي كل حين.


والمؤمن الموصول بالله يجد الطمأنينة والسكينة في كل ما يواجهه، فحينما أمر الله موسى عليه السلام أن يذهب إلى فرعون قالا (ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغي. قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى)



الوقفة التاسعة: بذل الأسباب يعين على الثبات:

لقد أكرم الله تبارك وتعالى هؤلاء الفتية ووفقهم للثبات على دينه، بعد أن صدقوا مع الله وبذلوا الأسباب، ومنها:


1- أنهم آمنوا بالله عز وجل إيماناً صادقاً.
2- لما رأوا أن بقاءهم مع قومهم قد يكون سبباً لفتنتهم تركوا قومهم وأووا إلى الكهف فراراً بدينهم.
3- حين بعثوا أحدهم ليأتي بالطعام، أمروه بالحذر حتى لايشعر بهم قومهم فيردوهم (إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبداً).


إذن فالمسلم حتى يثبته الله يحتاج أن يبذل الأسباب، وأن يجتهد فيبتعد عن مواقع الفتن ويحذر منها، ثم يكل أمره إلى الله، أما الذي يرمي نفسه في اليم ويسأل الله الثبات فهذا لم يعمل السبب الذي يستحق من أجله أن يوفَّق ويعان.




الوقفة العاشرة: حفظ الله لهم:

حين ذهب الفتية وغادروا قومهم رأوا كهفا فأووا إليه، ووصف الله حالهم فيه بقوله (وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه ذلك من آيات الله من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم وليا مرشداً. وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال و###هم باسط ذراعيه بالوصيد لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعباً) لقد حفظهم الله عز وجل وحماهم بأمور عدة:


أولا: أن جاءوا إلى هذا الكهف فالشمس إذا طلعت تزاور عنهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال فاختير لهم هذا الموطن وهذا الكهف، وقد قال الحافظ ابن كثير عنه "فهذا فيه دليل على أن باب هذا الكهف كان من نحو الشمال, لأنه تعالى أخبر أن الشمس إذا دخلته عند طلوعها تزاور عنه (ذات اليمين) أي يتقلص الفيء يمنة, كما قال ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة (تزاور) أي تميل, وذلك أنها كلما ارتفعت في الأفق تقلص شعاعها بارتفاعها حتى لا يبقى منه شيء عند الزوال في مثل ذلك المكان, ولهذا قال: (وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال) أي تدخل إلى غارهم من شمال بابه, وهو من ناحية المشرق, فدل على صحة ما قلناه, وهذا بين لمن تأمله وكان له علم بمعرفة الهيئة وسير الشمس والقمر والكواكب, وبيانه أنه لو كان باب الغار من ناحية الشرق لما دخل إليه منها شيء عند الغروب, ولو كان من ناحية القبلة لما دخله منها شيء عند الطلوع ولا عند الغروب, ولا تزاور الفيء يميناً ولا شمالاً, ولو كان من جهة الغرب لما دخلته وقت الطلوع بل بعد الزوال, ولم تزل فيه إلى الغروب, فتعين ما ذكرناه, ولله الحمد".


الثاني: أنهم أصبحوا يقلبون ذات اليمين وذات الشمال حتى لا تبلى أجسادهم.


الثالث: أنهم ألقي عليهم الرعب بحيث لو رآهم أحد لفر منهم ورعب.


إنه حفظ الله تبارك وتعالى لأوليائه، فقد حفظهم من حيث لا يحتسبون ومن حيث لا يشعرون، فأَمر الله فوق ما يفكر فيه البشر، لقد كان من المحتمل أن يناموا تحت شجرة، أو في كهف في جهة المشرق، أو في جهة المغرب، وما كان يدور في بال أحدهم أبداً أنهم سينامون هذه القرون والسنين الطويلة؛ فاختار الله لهم أمراً لم يدر في بالهم.




الوقفة الحادية عشرة: سنة الله في الأسباب والنتائج:

تتجلى في هذا الحدث عظمة قدرة الله تبارك وتعالى –ومع ذلك فهؤلاء ليسوا بأعجب آيات الله- فقد بقى هؤلاء نائمين ثلاثمائة سنة، واختار لهم تبارك وتعالى هذا الكهف الذي مضت صفته، إن الله تبارك وتعالى قادر على أن يحفظهم ولو ناموا في مكان غيره.
لكن سنته تبارك وتعالى أن قدره يسير وفق أسباب طبيعية، ثم قد تأتي الخوارق بعد ذلك، وهذا فيه تربية للأمة؛ ذلك أنه حين يتعلق الجيل بالخوارق يبقى جيلاً غير عامل، وجيلاً لا يحمل المسؤولية.


وحينما نقول للجيل:

إن الله سينصر دينه وسيتم كلمته يجب أن نقول إن النصر والتمكين لا يكون إلا على أعتاب التضحيات والبذل والجهد، فها هي مريم حين جاءها المخاض إلى جذع النخلة أوحى الله إليها (وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنيا)، هل يستطيع أحد أن يهز جذع النخلة فيسقط عليه الرطب فضلاً عن امرأة تعيش في حالة الوضع؟


وفي قصة أصحاب الأخدود حين جاء الغلام ورأى الناس قد وقفوا، والدابة قد سدت الطريق، فدعا الله عز وجل قائلاً "اللهم إن كان دين الراهب أحب إليك من دين الساحر فاقتل هذه الدابة على يدي" وأخذ حجراً فرماها به فقتلها الحجر، إن الناس ليسوا عاجزين عن رمي الدابة بالحجر حتى يأتي هذا الغلام ويرميها، وحين دعا ربه فعل السبب، والأمر بيد الله عز وجل أولاً وآخراً.
إذن فسنة الله عز وجل أن يحفظ أولياءه، وأن يحفظهم من حيث لا يحتسبون، وأن يجري ذلك وفق السنن الطبيعية، ثم قد تأتي الخوارق بعد ذلك.




الوقفة الثانية عشرة: مع اليائسين من النصر:

إن شأن أهل الكهف كما ذكر تبارك وتعالى ليس بأعجب آيات الله (أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا) ، أين الناس اليوم الذين سيطر عليهم اليأس وتخيلوا أن مستقبل الدعوة والصحوة بيد الأعداء يفعلون ما يشاءون ويريدون.
ثمة فئات من الخيرين والصالحين الغيورين يشعرون أن مستقبل الدعوة والصحوة بيد أعدائها، ويتمنون أن يتكرم هؤلاء الأعداء ويتلطفون بأن يفرِّجوا هذه الأزمة، وماذا ينتظر من أعداء الملّة غير هذا؟ولماذا نتصور أن قضية الصحوة بيد أعدائها؟.




الوقفة الثالثة عشرة: الصحبة الصالحة:


في هذه القصة درس مهم في أثر الصحبة الصالحة ودور ذلك في الإعانة على الثبات، وتزداد الحاجة إليها خاصة في أوقات الفتن والمحن، أو في الأوقات التي يزيد فيها الفساد، كما كان الشأن لدى أهل الكهف.
بل قد ذكر المفسرون أن هذا ال*** الذي صحبهم استفاد الذكر الحسن، فقد صار المفسرون يتحدثون عن شأنه واسمه ولونه –بغض النظر عن الحاجة للخوض في ذلك-.

وأقوى من شأن ال*** وخبره دلالة على أثر الصحبة الصالحة قول النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر الملائكة الذين يتتبعون مجالس الذكر قال: فيصعدون إلى ربهم فيقول لهم كيف تركتم عبادي؟ فيقول: تركناهم يسبحونك ويحمدونك ويكبرونك، قال فماذا يسألونني ومم يستجيرون….إلى آخر الحديث ، وفيه فلما قال الله عز وجل : أبشركم أني قد غفرت لهم قالوا: فيه فلان بن فلان عبد خطاء، ليس منهم إنما جاء لحاجة فجلس.

إن لم يأت ليجالسهم ويصاحبهم، فقد جاء يريد حاجة، فما شأن من جاء رغبة منه وحباً للصالحين وإن كان خطاء مقصراً.




الوقفة الرابعة عشرة: الانشغال بما يفيد وما يعني:

حين استيقظ الفتية تساءلوا، (كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة) إنه سؤال من الطبيعي أن يصدر منهم في هذا الوقت، فتساءلوا عنه، ثم أدركوا أن النقاش في هذا الأمر لا يفيد، فهم أمام قضية يجب أن ينشغلوا بها ويعتنوا بشأنها، فهم يحتاجون إلى الطعام فليذهب أحدهم إلى المدينة ويختار الطعام المناسب ويأتي به.


وفي التعقيب على هذه القصة يقول تعالى :(سيقولون ثلاثة رابعهم ###هم ويقولون خمسة سادسهم ###هم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم ###هم قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم أحداً).
ومع أن هذه الآيات –بل السورة - تؤكد على الانشغال بالقضايا الجادة، وترك الجدل فيما لا يفيد إلا أنك تجد من يستطرد في كلام أسمائهم ولون ###هم، واسم غارهم، مما لم يتعبدنا الله عز وجل به، إنما علينا أن نعتبر ونتعظ، فالأمر سيان والعبرة واحدة، سواء أكان الكهف هنا أم هناك.

والانشغال بهذه الجوانب التي استأثر الله بعلمها يصرف المرء عن الجانب المهم ألا وهو الاقتداء والاتعاظ والاعتبار.



الوقفة الخامسة عشرة: لقد كانوا أثرياء:


حين استيقظ أهل الكهف أرسلوا أحدهم بالورق –وهو النقد من الفضة- وهذا استنبط منه بعض المفسرين أنهم أبناء طبقة ثرية، ويشهد لذلك أنهم اختاروا الطعام الطيب، وهو في الغالب لا يختاره إلا فئة اعتادت عليه وألفته، وليسوا من الطبقة الفقيرة أو المعدمة، وهذا لا يعني هؤلاء على أولئك.


لكن في القصة عجب، ألا وهو أن هؤلاء الذين يختارون الطعام الطيب الزكي، أين أووا؟ لقد شعروا أن الأرض ضاقت بهم فأووا إلى كهف خشن ضيق قائلين (ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيىء لكم من أمركم مرفقاً) كأن هذا الكهف أصبح واسعاً رحباً.
إنه دليل على عظم التضحية والبذل لدى هؤلاء الفتية، وانظر إلى نموذج آخر يتمثل في مصعب ابن عمير رضي الله عنه كان من أعطر فتيان مكة، وكان صاحب ثراء ونعمة، وحين مات لم يجدوا شيئاً يكفنونه به إلا بردة، هي كل ما يملك، ومع ذلك فهذه البردة لم تكن كافية لتغطي جسده كله، يصفها عبدالرحمن بن عوف - رضي الله عنه – بقوله: إن غطينا رأسه بدت قدماه، وإن غطينا قدميه بدا رأسه.


إن الدين والإيمان يدفع صاحبه للتضحية، والأمر لايعني بالضرورة أن يذهب الإنسان ليبحث عن حياة الشقاء والنكد، لكن حين يتطلب الأمر ذلك فليكن على استعداد لهه.



الوقفة السادسة عشرة: الحذر فيما يستوجب ذلك:


حين أرسل الفتية صاحبهم إلى القرية أمروه بالحذر والتوقي قائلين له (وليتلطف ولا يشعرن بكم أحداً) معللين ذلك بقولهم (إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبداً).


وأشار الشيخ عبدالرحمن السعدي رحمه الله إلى هذا المعنى فقال: "ومنها -فوائد القصة-الحث على التحرز والاستخفاء والبعد عن مواطن الفتن في الدين واستعمال الكتمان في ذلك على الإنسان وعلى إخوانه في الدين".
وفي ذلك دروس أولها: أن المسلم ينبغي له أن يفر من الفتن ويبتعد عنها،فإذا جاءت صبر وثبت، ولا يجوز له يبحث عن الفتنة ويسعى إليها؛ فذلك دليل على ثقة الإنسان بنفسه واتكاله عليها، وهذا قد يكون سببا لأن يوكل الإنسان إلى نفسه، وإذا وكل إلى نفسه ضاع.


وفي قصة أصحاب الأخدود قال الراهب للغلام: إنك ستبتلى فإن ابتليت فلا تدل علي، لكن لما عذب الغلام لم يستطع الكتمان فدل على الراهب، حينها ثبت الراهب، والغلام حين عذب ولم يستطع دل على الراهب، لكنه عذب على دينه فما تركه وما تخلى عنه.
والفتنة قد لاتكون تعذيبا وإيذاء ، بل سائر فتن الشهوات والشبهات يشرع للمسلم أن يفر منها فحين تقع فليثبت وليصبر.
لكن الفرار من الفتن لا يجوز أن يدعو المرء إلى أن يرتكب ما حرم الله، أو يدع ما أوجبه والنظرة المتكاملة لهذه القضية تمنع الإنسان من الشطط هنا أو هناك، من الغلو في النظرة إلى الجانب الآخر وثقته وإفراطه بنفسه أو من الغلو من مسألة الفرار من الفتن فيرتكب من الحرام مالا يسوغ له بحجة الفرار من الفتن.




الوقفة السابعة عشرة: الشح بالدين والحرص عليه:

لقد كان الفتية حريصين على دينهم وشحيحين به، لذا فروا من قومهم واختفوا في هذا الكهف، وأرسلوا واحداً فقط من أصحابهم ليكون أبلغ في التخفي، وأوصوه بالتلطف والحذر. والحرص على الدين والشح به مما عده الحافظ البيهقي من شعب الإيمان.
فينبغي للمسلم أن يشح بدينه، وأن يكون حريصا عليه، والأمر لايقف عند هذه الصورة القريبة فقط، فالشاب الذي يشعر أن التطلع إلى صورة عارية، أو إلى مجال فيه سفور وتبرج، أوصحبة لفلان من الناس، الذي يشعر أن هذا قد يسبب له فتنة في دينه فشحه بدينه وحرصه عليه ينبغي أن يدفعه ترك هذه المؤثرات والبعد عنها.




الوقفة الثامنة عشرة: العواقب لا يعلمها إلا الله:

لقد كان هؤلاء الفتية يحذرون من عثور قومهم عليهم، ويعتقدون أن هذا الأمر ليس خيراً لهم، لكن حين عثر عليهم قومهم صار الأمر غير ذلك؛ فالعواقب لا يعلمها إلا الله.

إن الواجب على المسلم أن يأخذ الأسباب ويتعامل مع الأمور الظاهرة الواضحة، ثم يكل الأمر إلى الله ويسلمه إليه، فكثيراً ما يحرص المرء على أمر عاقبته ليست خيراً له، أو يقلق على ما تكون عاقبته حميدة من حيث لا يشعر، كما قال عز وجل :(وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم) وقال: (فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً).
وهاهو سراقة بن مالك لما لحق النبي r وصاحبه وهما مهاجرين، خشي أبو بكر - رضي الله عنه – من لحوقه بهم، وكان يتمنى ألا يدركهم، لكن حين أدركهم أصبح يصد الناس عنهم؛ فمن لقيه في طريقه قال له: لقد كفيتم ما هاهنا، فكان أول النهار طالبا لهم عين لهم وآخر النهار صاداً؛ فصار لحوقه بهم خيراً لهم في حين كانوا يظنون خلافه.


والنموذج الآخر في صلح الحديبية، فقد اعترض المسلمون على شروط الصلح، وأشد ما اعترضوا عليه منه: اشتراط إعادة من فر من المسلمين إلى المشركين، وثبت فيما بعد أن هذا الصلح كان خيراً للمسلمين، وكان هذا الشرط بالأخص خيراً للمستضعفين من المسلمين وسبباً في نجاتهم، وجاء المشركون يطلبون من النبي r ملحين عليه أن يتنازل عن هذا الشرط.


والنموذج الثالث في قصة عائشة رضي الله عنها حينما قذفت بالفرية العظيمة، ولم يدر في خلدها رضي الله عنها أن الأمر خير لها، بل لم يكن أحد يظن أن قذف عائشة رضي الله عنها ستكون عاقبته خيرا لها.


ثم نزلت براءتها في آيات تتلى إلى يوم القيامة، وفيها قوله تعالى :(لاتحسبوه شراً لكم بل هو خير لكم) وأجمع أهل العلم بعد ذلك أن من قذف عائشة رضي الله عنها، فقد كفر وكذَّب الله عز وجل.



الوقفة التاسعة عشرة: عبرة في زوال الدنيا:

حين استيقظ الفتية تساءلوا عن لبثهم، فقالوا يوماً ثم استدركوا قائلين: بعض يوم، وهذه حقيقة الدنيا فهي كلها بما فيها ستتحول يوم القيامة إلى ساعة من نهار، وسيكون منطق أهلها حين يبعثون كمنطق الفتية حين استيقظوا (ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم).


هذه بعض الوقفات وهي -كما قلت - ليست تفسيراً لهذه السورة ولا لهذه الآيات، إنما هي إشارات وعبر، وكلما قرأنا هذه الآيات ووقفنا عندها سوف نستنبط منها دروساً وعبراً أعجب وأعظم مما يبدو لنا، وهذا من عجائب القرآن الذي لا تنقضي عجائبه، ولا يمل منه الإنسان، وكل يوم يتدبر فيه ويتلوه يستنبط فوائد جديدة لم يكن يستنبطها من ذي قبل، وهذا كلام الله عز وجل لا يمكن أبداً أن يقاس بكلام خلقه.

أسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم جميعاً وأن يهدينا وإياكم إلى صراط مستقيم إنه سميع مجيب هذا والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.



#7 غير متصل   ashlpi

ashlpi

    إسماعيلاوي قبل أن أولد

  • Members
  • 1042 مشاركة

تاريخ المشاركة 12 January 2008 - 05:45 PM

الدرس السابع: أهمية الأم في تربية الطفل


إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم، أما بعد:
فإن الحديث عن أهمية التربية ودورها في إعداد المجتمع وحمايته ليس هذا مكانه ولا وقته، فالجميع يدرك أن التربية ضرورة ومطلب ملح أيًّا كان منطلقه وفلسفته التربوية، والمجتمعات كلها بأسرها تنادي اليوم بالتربية وتعنى بالتربية والحديث عنها، ولعلنا حين نتطلع إلى المكتبة نقرأ فيها من الكتب الغربية أكثر مما نقرأ فيها مما صدر عن مجتمعات المسلمين، مما يدل على أن التربية همًّا ومطلباً للجميع بغض النظر عن فلسفتهم التربوية وأولياتهم.



أهمية الأم في تربية الطفل:


تحتل الأم مكانة مهمة وأساسية في التربية، ويبدو ذلك من خلال الأمور الآتية:


الأمر الأول: أثر الأسرة في التربية:


فالأسرة أولاً هي الدائرة الأولى من دوائر التنشئة الاجتماعية، وهي التي تغرس لدى الطفل المعايير التي يحكم من خلالها على ما يتلقاه فيما بعد من سائر المؤسسات في المجتمع، فهو حينما يغدو إلى المدرسة ينظر إلى أستاذه نظرةً من خلال ما تلقاه في البيت من تربية، وهو يختار زملاءه في المدرسة من خلال ما نشأته عليه أسرته، ويقيِّم ما يسمع وما يرى من مواقف تقابله في الحياة، من خلال ما غرسته لديه الأسرة، وهنا يكمن دور الأسرة وأهميتها وخطرها في الميدان التربوي.



الأمر الثاني: الطفل يتأثر بحالة أمه وهي حامل:

تنفرد الأم بمرحلة لا يشركها فيها غيرها وهي مرحلة مهمة ولها دور في التربية قد نغفل عنه ألا وهي مرحلة الحمل؛ فإن الجنين وهو في بطن أمه يتأثر بمؤثرات كثيرة تعود إلى الأم، ومنها:

التغذية فالجنين على سبيل المثال يتأثر بالتغذية ونوع الغذاء الذي تتلقاه الأم، وهو يتأثر بالأمراض التي قد تصيب أمه أثناء الحمل، ويتأثر أيضاً حين تكون أمه تتعاطى المخدرات، وربما أصبح مدمناً عند خروجه من بطن أمه حين تكون أمه مدمنة للمخدرات، ومن ذلك التدخين، فحين تكون المرأة مدخنة فإن ذلك يترك أثراً على جنينها، ولهذا فهم في تلك المجتمعات يوصون المرأة المدخنة أن تمتنع عن التدخين أثناء فترة الحمل أو أن تقلل منه؛ نظراً لتأثيره على جنينها، ومن العوامل المؤثرة أيضاً: العقاقير الطبية التي تناولها المرأة الحامل، ولهذا يسأل الطبيب المرأة كثيراً حين يصف لها بعض الأدوية عن كونها حامل أو ليست كذلك .


وصورةً أخرى من الأمور المؤثرة وقد لا تتصوره الأمهات والآباء هذه القضية، وهي حالة الأم الانفعالية أثناء الحمل، فقد يخرج الطفل وهو كثير الصراخ في أوائل طفولته، وقد يخرج الطفل وهو يتخوف كثيراً، وذلك كله بسبب مؤثرات تلقاها من حالة أمه الانفعالية التي كانت تعيشها وهي في حال الحمل، وحين تزيد الانفعالات الحادة عند المرأة وتكرر فإن هذا يؤثر في الهرمونات التي تفرزها الأم وتنتقل إلى الجنين، وإذا طالت هذه الحالة فإنها لا بد أن تؤثر على نفسيته وانفعالاته وعلى صحته، ولهذا ينبغي أن يحرص الزوج على أن يهيئ لها جواً ومناخاً مناسباً، وأن تحرص هي على أن تتجنب الحالات التي تؤدي بها حدة الانفعال .



أمر آخر أيضاً له دور وتأثير على الجنين وهو اتجاه الأم نحو حملها أو نظرتها نحو حملها فهي حين تكون مسرورة مستبشرة بهذا الحمل لا بد أن يتأثر الحمل بذلك، وحين تكون غير راضية عن هذا الحمل فإن هذا سيؤثر على هذا الجنين، ومن هنا وجه الشرع الناس إلى تصحيح النظر حول الولد الذكر والأنثى، قال سبحانه وتعالى :]ولله ملك السموات والأرض يخلق ما يشاء ويهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور. أو يزوجهم ذكراً وإناثاً ويجعل من يشاء عقيماً إنه عليم قدير[. فهو سبحانه وتعالى له ما يشاء وله الحكم سبحانه وتعالى؛ فيقرر للناس أنه عز وجل صاحب الحكم والأمر، وما يختار الله سبحانه وتعالى أمراً إلا لحكمة، لذا فالزوجة والزوج جميعاً ينبغي أن يرضوا بما قسم الله، ويعلموا أن ما قسم الله عز وجل خير لهم، سواءً كان ذكراً أو أنثى، وحين تفقد المرأة هذا الشعور، فيكشف لها التقرير الطبي أن الجنين الذي في بطنها أنثى، فتبدأ تغير نظرتها ومشاعرها نحو هذا الحمل أو العكس فإن هذا لا بد أن يؤثر على الحمل، ونحن هنا لسنا في عيادة طبية حتى نوجه المرأة الحامل أو نتحدث عن هذه الآثار التي يمكن أن تخلقها حالة الأم على الحمل، إنما المقصود من هذا كله أن دور المرأة يبدأ من حين حملها وأنها تعيش مرحلة تؤثر على مستقبل هذا المولود لا يشاركها غيرها.




الأمر الثالث: دور الأم مع الطفل في الطفولة المبكرة:

الطفولة المبكرة مرحلة مهمة لتنشئة الطفل، ودور الأم فيها أكبر من غيرها، فهي في مرحلة الرضاعة أكثر من يتعامل مع الطفل، ولحكمة عظيمة يريدها الله سبحانه وتعالى يكون طعام الرضيع في هذه المرحلة من ثدي أمه وليس الأمر فقط تأثيراً طبيًّا أو صحيًّا، وإنما لها آثار نفسية أهمها إشعار الطفل بالحنان والقرب الذي يحتاج إليه، ولهذا يوصي الأطباء الأم أن تحرص على إرضاع الطفل، وأن تحرص على أن تعتني به وتقترب منه لو لم ترضعه.



وهنا ندرك فداحة الخطر الذي ترتكبه كثير من النساء حين تترك طفلها في هذه المرحلة للمربية والخادمة؛ فهي التي تقوم بتنظيفه وتهيئة اللباس له وإعداد طعامه، وحين يستعمل الرضاعة الصناعية فهي التي تهيئها له، وهذا يفقد الطفل قدراً من الرعاية النفسية هو بأمس الحاجة إليه.


وإذا ابتليت الأم بالخادمة -والأصل الاستغناء عنها- فينبغي أن تحرص في المراحل الأولية على أن تباشر هي رعاية الطفل، وتترك للخادمة إعداد الطعام في المنزل أو تنظيفه أو غير ذلك من الأعمال، فلن يجد الطفل الحنان والرعاية من الخادمة كما يجدها من الأم، وهذا له دور كبير في نفسية الطفل واتجاهاته في المستقبل، وبخاصة أن كثيراً من الخادمات والمربيات في العالم الإسلامي لسن من المسلمات، وحتى المسلمات غالبهن من غير المتدينات، وهذا لايخفى أثره، والحديث عن هذا الجانب يطول، ولعلي أن أكتفي بهذه الإشارة.


فالمقصود أن الأم كما قلنا تتعامل مع هذه المرحلة مع الطفل أكثر مما يتعامل معه الأب، وفي هذه المرحلة سوف يكتسب العديد من العادات والمعايير، ويكتسب الخلق والسلوك الذي يصعب تغييره في المستقبل، وهنا تكمن خطورة دور الأم فهي البوابة على هذه المرحلة الخطرة من حياة الطفل فيما بعد، حتى أن بعض الناس يكون مستقيماً صالحاً متديناً لكنه لم ينشأ من الصغر على المعايير المنضبطة في السلوك والأخلاق، فتجد منه نوعاً من سوء الخلق وعدم الانضباط السلوكي، والسبب أنه لم يترب على ذلك من صغره.



الأمر الرابع : دور الأم مع البنات:

لئن كانت الأم أكثر التصاقاً بالأولاد عموماً في الطفولة المبكرة، فهذا القرب يزداد ويبقى مع البنات.
ولعل من أسباب ما نعانيه اليوم من مشكلات لدى الفتيات يعود إلى تخلف دور الأم التربوي، فالفتاة تعيش مرحلة المراهقة والفتن والشهوات والمجتمع من حولها يدعوها إلى الفساد وتشعر بفراغ عاطفي لديها، وقد لا يشبع هذا الفراغ إلا في الأجواء المنحرفة، أما أمها فهي مشغولة عنها بشؤونها الخاصة، وبالجلوس مع جاراتها وزميلاتها، فالفتاة في عالم والأم في عالم آخر.
إنه من المهم أن تعيش الأم مع بناتها وتكون قريبة منهن؛ ذلك أن الفتاة تجرؤ أن تصارح الأم أكثر من أن تصارح الأب، وأن تقترب منها وتملأ الفراغ العاطفي لديها.



ويزداد هذا الفراغ الذي تعاني منه الفتاة في البيت الذي فيه خادمة، فهي تحمل عنها أعباء المنزل، والأسرة ترى تفريغ هذه البنت للدراسة لأنها مشغولة في الدراسة، وحين تنهي أعباءها الدراسية يتبقى عندها وقت فراغ، فبم تقضي هذا الفراغ: في القراءة؟ فنحن لم نغرس حب القراءة لدى أولادنا.



وبين الأم وبين الفتاة هوه سحيقة، تشعر الفتاة أن أمها لا توافقها في ثقافتها وتوجهاتها، ولا في تفكيرها، وتشعر بفجوة ثقافية وفجوة حضارية بينها وبين الأم؛ فتجد البنت ضالتها في مجلة تتحدث عن الأزياء وعن تنظيم المنزل، وتتحدث عن الحب والغرام، وكيف تكسبين الآخرين فتثير عندها هذه العاطفة، وقد تجد ضالتها في أفلام الفيديو، أو قد تجد ضالتها من خلال الاتصال مع الشباب في الهاتف، أو إن عدمت هذا وذاك ففي المدرسة تتعلم من بعض زميلاتها مثل هذه السلوك.




الأمر الخامس: الأم تتطلع على التفاصيل الخاصة لأولادها:

تتعامل الأم مع ملابس الأولاد ومع الأثاث وترتيبه، ومع أحوال الطفل الخاصة فتكتشف مشكلات عند الطفل أكثر مما يكتشفه الأب، وبخاصة في وقتنا الذي انشغل الأب فيه عن أبنائه، فتدرك الأم من قضايا الأولاد أكثر مما يدركه الأب.
هذه الأمور السابقة تؤكد لنا دور الأم في التربية وأهميته، ويكفي أن نعرف أن الأم تمثل نصف المنزل تماماً ولا يمكن أبداً أن يقوم بالدور التربوي الأب وحده، أو أن تقوم به المدرسة وحدها، فيجب أن تتضافر جهود الجميع في خط واحد.
لكن الواقع أن الطفل يتربى على قيم في المدرسة يهدهما المنزل، ويتربى على قيم في المنزل مناقضة لما يلقاه في الشارع؛ فيعيش ازدواجية وتناقضا ، المقصود هو يجب أن يكون البيت وحده متكاملة.
لا يمكن أن أتحدث معشر الأخوة والأخوات خلال هذه الأمسية وخلال هذا الوقت، لا يمكن أن أتحدث عن الدور الذي ننتظره من الأم في التربية، إنما هي فقط مقترحات أردت أن أسجلها.




مقترحات تربوية للأم:

مهما قلنا فإننا لا نستطيع أن نتحدث بالتفصيل عن دور الأم في التربية، ولا نستطيع من خلال ساعة واحدة أن نُخرِّج أماً مربية، ولهذا رأيت أن يكون الشق الثاني -بعد أن تحدثنا في عن أهمية دور الأم- عبارة عن مقترحات وتحسين الدور التربوي للأم وسجلت هنا، ومن هذه المقترحات:


أولاً: الشعور بأهمية التربية:

إن نقطة البداية أن تشعر الأم بأهمية التربية وخطورتها، وخطورة الدور الذي تتبوؤه، وأنها مسؤولة عن جزء كبير من مستقبل أبنائها وبناتها، وحين نقول التربية فإنا نعني التربية بمعناها الواسع الذي لايقف عند حد العقوبة أو الأمر والنهي، كما يتبادر لذهن طائفة من الناس، بل هي معنى أوسع من ذلك.

فهي تعني إعداد الولد بكافة جوانب شخصيته: الإيمانية، والجسمية، والنفسية، والعقلية الجوانب الشخصية المتكاملة أمر له أهمية وينبغي أن تشعر الأم والأب أنها لها دور في رعاية هذا الجانب وإعداده.
وفي جانب التنشئة الدينية والتربية الدينية يحصرها كثير من الناس في توجيهات وأوامر أو عقوبات، والأمر أوسع من ذلك، ففرق بين شخص يعاقب ابنه حيث لا يصلي وبين شخص آخر يغرس عند ابنه حب الصلاة، وفرق بين شخص يعاقب ابنه حين يتفوه بكلمة نابية، وبين شخص يغرس عند ابنه رفض هذه الكلمة وحسن المنطق، وهذا هو الذي نريده حين نتكلم عن حسن التربية، فينبغي أن يفهم الجميع –والأمهات بخاصة- التربية بهذا المعنى الواسع.



ثانياً: الاعتناء بالنظام في المنزل:

من الأمور المهمة في التربية -ويشترك فيها الأم والأب لكن نؤكد على الأم- الاعتناء بنظام المنزل؛ فذلك له أثر في تعويد الابن على السلوكيات التي نريد.
إننا أمة فوضوية: في المواعيد، في الحياة المنزلية، في تعاملنا مع الآخرين، حتى ترك هذا السلوك أثره في تفكيرنا فأصبحنا فوضويين في التفكير.

إننا بحاجة إلى تعويد أولادنا على النظام، في غرفهم وأدواتهم، في مواعيد الطعام، في التعامل مع الضيوف وكيفية استقبالهم، ومتى يشاركهم الجلوس ومتى لايشاركهم؟


ثالثاً: السعي لزيادة الخبرة التربوية:

إن من نتائج إدراك الأم لأهمية التربية أن تسعى لزيادة خبرتها التربوية والارتقاء بها، ويمكن أن يتم ذلك من خلال مجالات عدة، منها:

أ : القراءة؛ فمن الضروري أن تعتني الأم بالقراءة في الكتب التربوية، وتفرغ جزءاً من وقتها لاقتنائها والقراءة فيها، وليس من اللائق أن يكون اعتناء الأم بكتب الطبخ أكثر من اعتنائها بكتب التربية.

وحين نلقي سؤالاً صريحاً على أنفسنا: ماحجم قراءاتنا التربوية؟ وما نسبتها لما نقرأ إن كنا نقرأ؟ فإن الإجابة عن هذه السؤال تبرز مدى أهمية التربية لدينا، ومدى ثقافتنا التربوية.

ب : استثمار اللقاءات العائلية؛ من خلال النقاش فيها عن أمور التربية، والاستفادة من آراء الأمهات الأخريات وتجاربهن في التربية، أما الحديث الذي يدور كثيراً في مجالسنا في انتقاد الأطفال، وأنهم كثيرو العبث ويجلبون العناء لأهلهم، وتبادل الهموم في ذلك فإنه حديث غير مفيد، بل هو مخادعة لأنفسنا وإشعار لها بأن المشكلة ليست لدينا وإنما هي لدى أولادنا.
لم لانكون صرحاء مع أنفسنا ونتحدث عن أخطائنا نحن؟ وإذا كان هذا واقع أولادنا فهو نتاج تربيتنا نحن، ولم يتول تربيتهم غيرنا، وفشلنا في تقويمهم فشل لنا وليس فشلاً لهم.

ج: الاستفادة من التجارب، إن من أهم مايزيد الخبرة التربوية الاستفادة من التجارب والأخطاء التي تمر بالشخص، فالأخطاء التي وقعتِ فهيا مع الطفل الأول تتجنبينها مع الطفل الثاني، والأخطاء التي وقعتِ فيها مع الطفل الثاني تتجنبينها مع الطفل الثالث، وهكذا تشعرين أنك ما دمت تتعاملين مع الأطفال فأنت في رقي وتطور.



رابعاً: الاعتناء بتلبية حاجات الطفل:

للطفل حاجات واسعة يمكن نشير إلى بعضها في هذا المقام، ومنها:
1- الحاجة إلى الاهتمام المباشر:
يحتاج الطفل إلى أن يكون محل اهتمام الآخرين وخاصة والديه، وهي حاجة تنشأ معه من الصغر، فهو يبتسم ويضحك ليلفت انتباههم، وينتظر منهم التجاوب معه في ذلك.

ومن صور الاهتمام المباشر بحاجات الطفل الاهتمام بطعامه وشرابه، وتلافي إظهار الانزعاج والقلق –فضلاً عن السب والاتهام بسوء الأدب والإزعاج- حين يوقظ أمه لتعطيه طعامه وشرابه، ومما يعين الأم على ذلك تعويده على نظام معين، وتهيئة طعام للابن –وبخاصة الإفطار- قبل نومها.

ومن أسوأ صور تجاهل حاجة الطفل إلى الطعام والشراب ماتفعله بعض النساء حال صيامها من النوم والإغلاق على نفسها، ونهر أطفالها حين يطلبون منها الطعام أو الشراب.

ومن صور الاهتمام به من أيضاً حسن الاستماع له، فهو يحكي قصة، أو يطرح أسئلة فيحتاج لأن ينصت له والداه، ويمكن أن توجه له أسئلة تدل على تفاعل والديه معه واستماعهم له، ومن الوسائل المفيدة في ذلك أن تسعى الأم إلى أن تعبر عن الفكرة التي صاغها هو بلغته الضعيفة بلغة أقوى، فهذا مع إشعاره له بالاهتمام يجعله يكتسب عادات لغوية ويُقوِّى لغته.
ومن صور الاهتمام التخلص من أثر المشاعر الشخصية، فالأب أو الأم الذي يعود من عمله مرهقاً، أو قد أزعجته مشكلة من مشكلات العمل، ينتظر منهم أولادهم تفاعلاً وحيوية، وينتظرونهم بفارغ الصبر، فينبغي للوالدين الحرص على عدم تأثير المشاعر والمشكلات الخاصة على اهتمامهم بأولادهم.


2- الحاجة إلى الثقة:

يحتاج الطفل إلى الشعور بثقته بنفسه وأن الآخرين يثقون فيه، ويبدو ذلك من خلال تأكيده أنه أكبر من فلان أو أقوى من فلان.
إننا بحاجة لأن نغرس لدى أطفالنا ثقتهم بأنفسهم،وأنهم قادرون على تحقيق أمور كثيرة، ويمكن أن يتم ذلك من خلال تكليفهم بأعمال يسيرة يستطيعون إنجازها، وتعويدهم على ذلك.


ويحتاجون إلى أن يشعرون بأننا نثق بهم، ومما يعين على ذلك تجنب السخرية وتجنب النقد اللاذع لهم حين يقعون في الخطأ، ومن خلال حسن التعامل مع مواقف الفشل التي تمر بهم ومحاولة استثمارها لغرس الثقة بالنجاح لديهم بدلاً من أسلوب التثبيط أو مايسيمه العامة (التحطيم).


3 – الحاجة إلى الاستطلاع:

يحب الطفل الاستطلاع والتعرف على الأشياء، ولهذا فهو يعمد إلى كسر اللعبة ليعرف مابداخلها، ويكثر السؤال عن المواقف التي تمر به، بصورة قد تؤدي بوالديه إلى التضايق من ذلك.

ومن المهم أن تتفهم الأم خلفية هذه التصرفات من طفلها فتكف عن انتهاره أو زجره، فضلاً عن عقوبته.
كما أنه من المهم أن تستثمر هذه الحاجة في تنمية التفكير لدى الطفل، فحين يسأل الطفل عن لوحة السيارة، فبدلاً من الإجابة المباشرة التي قد لا يفهمها يمكن أن يسأله والده، لو أن صاحب سيارة صدم إنساناً وهرب فكيف تتعرف الشرطة على سيارته؟ الولد: من رقم السيارة، الأب: إذا هذا يعني أنه لابد من أن يكون لكل سيارة رقم يختلف عن بقية السيارات، والآن حاول أن تجد سيارتين يحملان رقماً واحداً، وبعد أن يقوم الولد بملاحظة عدة سيارات سيقول لوالده إن ما تقوله صحيح.


4- الحاجة إلى اللعب:

الحاجة إلى اللعب حاجة مهمة لدى الطفل لا يمكن أن يستغني عنها، بل الغالب أن الطفل قليل اللعب يعاني من مشكلات أو سوء توافق.

وعلى الأم في تعامله مع هذه الحاجة أن تراعي الآتي:

1- إعطاء الابن الوقت الكافي للعب وعدم إظهار الانزعاج والتضايق من لعبه.
2- استثمار هذه الحاجة في تعليمه الانضباط والأدب، من خلال التعامل مع لعب الآخرين وأدواتهم، وتجنب إزعاج الناس وبخاصة الضيوف، وتجنب اللعب في بعض الأماكن كالمسجد أو مكان استقبال الضيوف.
3- استثمار اللعب في التعليم، من خلال الحرص على اقتناء الألعاب التي تنمي تفكيره وتعلمه أشياء جديدة.
4- الحذر من التركيز على ما يكون دور الطفل فيها سلبيًّا ، أو يقلل من حركته، كمشاهدة الفيديو أو ألعاب الحاسب الآلي، فلا بد من أن يصرف جزءاً من وقته في ألعاب حركية، كلعب الكرة أو اللعب بالدراجة أو الجري ونحو ذلك.


5 – الحاجة إلى العدل:

يحتاج الناس جميعاً إلى العدل، وتبدو هذه الحاجة لدى الأطفال بشكل أكبر من غيرهم، ولذا أمر النبي r بالعدل بين الأولاد، وشدد في ذلك، عن حصين عن عامر قال : سمعت النعمان ابن بشير رضي الله عنهما وهو على المنبر يقول: أعطاني أبي عطية، فقالت عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله r ، فأتى رسول الله r ، فقال: إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطية فأمرتني أن أشهدك يا رسول الله، قال :"أعطيت سائر ولدك مثل هذا؟" قال:لا، قال :"فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم" قال فرجع فرد عطيته. متفق عليه.

ومهما كانت المبررات لدى الأم في تفضيل أحد أولادها على الآخر، فإن ذلك لا يقنع الطفل، ولابد من الاعتناء بضبط المشاعر الخاصة تجاه أحد الأطفال حتى لا تطغى، فتترك أثرها عليه وعلى سائر إخوانه وأخواته.

ومن المشكلات التي تنشأ عن ذلك مشكلة الطفل الجديد، فكثير من الأمهات تعاني منها (ولعله أن يكون لها حديث مستقل لأهميتها).

أكتفي بهذا الحديث عن هذه الحاجات وإلا فهي حاجات كثيرة، والواجب على الوالدين تجاه هذه الحاجات أمران:
الأول: الحرص على إشباع هذه الحاجات والاعتناء بها، الثاني: استثمار هذه الحاجات في تعليم الابن السلوكيات والآداب التي يحتاج إليها.



خامسا: الحرص على التوافق بين الوالدين:


التربية لا يمكن أن تتم من طرف واحد، والأب والأم كل منهما يكمل مهمة الآخر ودوره، ومما ينبغي مراعاته في هذا الإطار:


1- الحرص على حسن العلاقة بين الزوجين، فالحالة النفسية والاستقرار لها أثرها على الأطفال كما سبق، فالزوجة التي لاتشعر بالارتياح مع زوجها لابد أن يظهر أثر ذلك على رعايتها لأطفالها واهتمامها بهم.

2- التفاهم بين الوالدين على الأساليب التربوية والاتفاق عليها قدر الإمكان.

3- أن يسعى كل من الوالدين إلى غرس ثقة الأطفال بالآخر، فيتجنب الأب انتقاد الأم أو عتابها أمام أولادها فضلاً عن السخرية بها أو تأنيبها، كما أن الأم ينبغي أن تحرص على غرس ثقة أطفالها بوالدهم، وإشعارهم بأنه يسعى لمصلحتهم –ولو اختلفت معه- وأنه إن انشغل عنهم فهو مشغول بأمور مهمة تنفع المسلمين أجمع، أو تنفع هؤلاء الأولاد.

ومما ينبغي مراعاته هنا الحرص على تجنب أثر اختلاف الموقف أو وجهة النظر بين الوالدين، وأن نسعى إلى ألا يظهر ذلك على أولادنا فهم أعز مانملك، وبإمكاننا أن نختلف ونتناقش في أمورنا لوحدنا.




سادساً: التعامل مع أخطاء الأطفال:

كثير من أخطائنا التربوية مع أطفالنا هي في التعامل مع الأخطاء التي تصدر منهم، ومن الأمور المهمة في التعامل مع أخطاء الأطفال:

1- عدم المثالية:

كثيراً مانكون مثاليين مع أطفالنا، وكثيراً ما نطالبهم بما لا يطيقون، ومن ثم نلومهم على ما نعده أخطاء وليست كذلك.
الطفل في بداية عمره لايملك التوازن الحركي لذا فقد يحمل الكوب فيسقط منه وينكسر، فبدلاً من عتابه وتأنيبه لو قالت أمه: الحمد الله أنه لم يصيبك أذى، أنا أعرف أنك لم تتعمد لكنه سقط منك عن غير قصد، والخطأ حين تتعمد إتلافه، والآن قم بإزالة أثر الزجاج حتى لا يصيب أحداً.

إن هذا الأسلوب يحدد له الخطأ من الصواب، ويعوده على تحمل مسؤولية عمله، ويشعره بالاهتمام والتقدير، والعجيب أن نكسر قلوب أطفالنا ونحطمهم لأجل تحطيمهم لإناء لا تتجاوز قيمته ريالين، فأيهما أثمن لدينا الأطفال أم الأواني؟


2- التوازن في العقوبة:

قد تضطر الأم لعقوبة طفلها، والعقوبة حين تكون في موضعها مطلب تربوي، لكن بعض الأمهات حين تعاقب طفلها فإنها تعاقبه وهي في حالة غضب شديد، فتتحول العقوبة من تأديب وتربية إلى انتقام، والواقع أن كثيراً من حالات ضربنا لأطفالنا تشعرهم بذلك.
لا تسأل عن تلك المشاعر التي سيحملها هذا الطفل تجاه الآخرين حتى حين يكون شيخاً فستبقى هذه المشاعر عنده ويصعب أن نقتلعها فيما بعد والسبب هو عدم التوازن في العقوبة.


3 - تجنب البذاءة:

حين تغضب بعض الأمهات أو بعض الآباء فيعاتبون أطفالهم فإنهم يوجهون إليهم ألفاظاً بذيئة، أو يذمونهم بعبارات وقحة، وهذا له أثره في تعويدهم على المنطق السيء.
والعاقل لا يخرجه غضبه عن أدبه في منطقه وتعامله مع الناس، فضلاً عن أولاده.


4 – تجنب الإهانة:

من الأمور المهمة في علاج أخطاء الأطفال أن نتجنب إهانتهم أو وصفهم بالفشل والطفولة والفوضوية والغباء …إلخ. فهذا له أثره البالغ على فقدانهم للثقة بأنفسهم، وعلى تعويدهم سوء الأدب والمنطق.

5 - تجنب إحراجه أمام الآخرين :

إذا كنا لانرضى أن ينتقدنا أحد أمام الناس فأطفالنا كذلك، فحين يقع الطفل في خطأ أمام الضيوف فليس من المناسب أن تقوم أمه أو يقوم والده بتأنيبه أو إحراجه أمامهم أو أمام الأطفال الآخرين.




سابعاً: وسائل مقترحة لبناء السلوك وتقويمه:

يعتقد كثير من الآباء والأمهات أن غرس السلوك إنما يتم من خلال الأمر والنهي، ومن خلال العقوبة والتأديب، وهذه لا تمثل إلا جزءاً يسيراً من وسائل تعليم السلوك، وفي هذه العجالة أشير إلى بعض الوسائل التي يمكن أن تفيد الأم في غرس السلوك الحسن، أو تعديل السلوك السيئ، وهي على سبيل المثال لا الحصر:


1 – التجاهل:
يعمد الطفل أحياناً إلى أساليب غير مرغوبة لتحقيق مطالبه، كالصراخ والبكاء وإحراج الأم أمام الضيوف وغير ذلك، والأسلوب الأمثل في ذلك ليس هو الغضب والقسوة على الطفل، إنما تجاهل هذا السلوك وعدم الاستجابة للطفل، وتعويده على أن يستخدم الأساليب المناسبة والهادئة في التعبير عن مطالبه، وأسلوب التجاهل يمكن أن يخفي كثيراً من السلوكيات الضارة عند الطفل أو على الأقل يخفف من حدتها.


2 – القدوة:
لست بحاجة للحديث عن أهمية القدوة وأثرها في التربية، فالجميع يدرك ذلك، إنني حين أطالب الطفل بترتيب غرفته ويجد غرفتي غير مرتبة، وحين أطالبه أن لا يتفوه بكلمات بذيئة ويجدني عندما أغضب أتفوه بكلمات بذيئة، وحين تأمره الأم ألا يكذب، ثم تأمره بالكذب على والده حينئذ سنمحو بأفعالنا مانبنيه بأقوالنا.


3 – المكافأة:
المكافأة لها أثر في تعزيز السلوك الإيجابي لدى الطفل، وهي ليست بالضرورة قاصرة على المكافأة المادية فقد تكون بالثناء والتشجيع وإظهار الإعجاب، ومن وسائل المكافأة أن تعده بأن تطلب من والده اصطحابه معه في السيارة، أو غير ذلك مما يحبه الطفل ويميل إليه.

ومما ينبغي مراعاته أن يكون استخدام المكافأة باعتدال حتى لا تصبح ثمناً للسلوك.



4 – الإقناع والحوار:
من الأمور المهمة في بناء شخصية الأطفال أن نعودهم على الإقناع والحوار، فنستمع لهم وننصت، ونعرض آراءنا وأوامرنا بطريقة مقنعة ومبررة، فهذا له أثره في تقبلهم واقتناعهم، وله أثره في نمو شخصيتهم وقدراتهم.
وهذا أيضاً يحتاج لاعتدال، فلابد أن يعتاد الأطفال على الطاعة، وألا يكون الاقتناع شرطاً في امتثال الأمر.



5 - وضع الأنظمة الواضحة:


من المهم أن تضع الأم أنظمة للأطفال يعرفونها ويقومون بها، فتعودهم على ترتيب الغرفة بعد استيقاظهم، وعلى تجنب إزعاج الآخرين…إلخ، وحتى يؤتي هذا الأسلوب ثمرته لابد أن يتناسب مع مستوى الأطفال، فيعطون أنظمة واضحة يستوعبونها ويستطيعون تطبيقها والالتزام بها.


6 – التعويد على حل الخلافات بالطرق الودية:

مما يزعج الوالدين كثرة الخلافات والمشاكسات بين الأطفال، ويزيد المشكلة كثرة تدخل الوالدين، ويجب أن تعلم الأم أنه لا يمكن أن تصل إلا قدر تزول معه هذه المشكلة تماماً، إنما تسعى إلى تخفيف آثارها قدر الإمكان، ومن ذلك:
تعويدهم على حل الخلافات بينهم بالطرق الودية، ووضع الأنظمة والحوافز التي تعينهم على ذلك، وعدم تدخل الأم في الخلافات اليسيرة، فذلك يعود الطفل على ضعف الشخصية وكثرة الشكوى واللجوء للآخرين.



7 – تغيير البيئة:

ولذلك وسائل عدة منها:

أولا: إغناء البيئة:

وذلك بأن يهيأ للطفل مايكون بديلاً عن انشغاله بما لايرغب فيه، فبدلاً من أن يكتب على الكتب يمكن أن يعطى مجلة أو دفتراً يكتب فيه مايشاء، وبدلاً من العبث بالأواني يمكن أن يعطى لعباً على شكل الأواني ليعبث بها.


ثانياً: حصر البيئة:

وذلك بأن تكون له أشياء خاصة، كأكواب خاصة للأطفال يشربون بها، وغرفة خاصة لألعابهم، ومكان خاص لا يأتيه إلا هم؛ حينئذ يشعر أنه غير محتاج إلى أن يعتدي على ممتلكات الآخرين.


ومن الخطأ الاعتماد على قفل باب مجالس الضيوف وغيرها، فهذا يعوده على الشغف بها والعبث بها، لأن الممنوع مرغوب.
لكن أحياناً تغفل الأمهات مثلاً المجلس أو المكتبة ،ترفع كل شيء عنه صحيح هذا يمنعه وحين يكون هناك فرصة للد^%$ يبادر بالعبث لأن الشيء الممنوع مرغوب.



ثالثاً: تهيئة الطفل للتغيرات اللاحقة: الطفل تأتيه تغييرات في حياته لابد أن يهيأ لها، ومن ذلك أنه يستقل بعد فترة فينام بعيداً عن والديه في غرفة مستقلة، أو مع من يكبره من إخوته، فمن الصعوبة أن يفاجأ بذلك، فالأولى بالأم أن تقول له: إنك كبرت الآن وتحتاج إلا أن تنام في غرفتك أو مع إخوانك الكبار.

وهكذا البنت حين يراد منها أن تشارك في أعمال المنزل.

8 - التعويد :

الأخلاق والسلوكيات تكتسب بالتعويد أكثر مما تكتسب بالأمر والنهي، فلا بد من الاعتناء بتعويد الطفل عليها، ومراعاة الصبر وطول النفس والتدرج في ذلك.

هذه بعض الخواطر العاجلة وبعض المقترحات لتحسين الدور الذي يمكن أن تقوم به الأم، وينبغي لها ألا تغفل عن دعاء الله تعالى وسؤاله الصلاح لأولادها، فقد وصف الله تبارك وتعالى عباده الصالحين بقوله : ]والذين يقولون ربنا هبنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما[
و الله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



#8 غير متصل   ashlpi

ashlpi

    إسماعيلاوي قبل أن أولد

  • Members
  • 1042 مشاركة

تاريخ المشاركة 12 January 2008 - 05:46 PM

الدرس الثامن : اجلس بنا نؤمن ساعة


الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، أما بعـــــد:

فعنوان حديثنا الليلة: (اجلس بنا نؤمن ساعة) وهي مقولة لمعاذ رضي الله عنه كان يقولها لأصحابه، وهو حديث عن التربية الإيمانية وحاجتنا إليها، وهو ليس خطاباً للمربين والموجهين وحدهم؛ فالتربية أعم وأشمل من أن تكون قاصرة على مايتلقاه المرء من الآخرين؛ فتربية الإنسان لنفسه ورعايته لها جزء من أداء المسؤولية الفردية التي حمله الله إياها، (لا تزر وازرة وزر أخرى)، (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى)، (ونرثه ما يقول ويأتينا فرداً) (إن كل من في السماوات والأرض إلا آت الرحمن عبداً * لقد أحصاهم وعدهم عدا * وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً) .


هذه النصوص وغيرها تقرر المسؤولية الفردية، وأن كل إنسان مسؤول عن خاصة نفسه في عمله وسلوكه وحياته، ثم هو نتيجة هذه المسؤولية سيحاسب وحده، وسيلقى الله عز وجل وحده.

هذا مدخل بين يدي هذا الموضوع حتى لا نتصور أن الموضوع لا يعنينا بدرجة مهمة أو أن الموضوع إنما يخص المربين، ذلك أنه وإن كان المربون لهم نصيب من هذا الحديث ، إلا أننا يجب أن نقوم بتربية أنفسنا وندرك مسؤوليتنا تجاه أنفسنا، وينبغي أن يراجع كل منا نفسه ويشعر أنه وإن رزقه الله من يحسن تربيته وتوجيهه، وصار قدوة له أن ذلك لا يعفيه من المسؤولية عن نفسه بأن يجتهد في تربيتها وإصلاحها، وأن يتعرف على الأسباب والوسائل التي تعينه على التربية السليمة لنفسه .

التربية معشر الشباب لها جوانب عده، التربية إنما تسعى لاكتمال شخصية الإنسان، وأن تكون هي الشخصية المسلمة التي تمتثل بأمر الله عز وجل وتنتهي عما نهى الله تبارك وتعالى عنه، ولا شك أن النفس لها جوانب متعددة باعتبار أنها تسعى إلى تكميل النفس، وتسعى إلى الرقي بها

فالإنسان يحتاج إلى أن يربي نفسه في ميدان التعلم وطلب العلم وتحصيله، ويحتاج إلى أن يربي نفسه في ميدان الخلق والسلوك، والتعامل مع الناس، ويحتاج إلى أن يربي نفسه في ميدان العمل والبذل والعطاء في ميادين كثيرة، وهكذا فالتربية لاتقف عند جانب واحد.

ومن أهم هذه الجوانب وآكدها التربية الإيمانية، وقد آثرنا استخدام هذا المصطلح لأنه هو المصطلح الذي يربط الناس بالألفاظ الشرعية، بالإيمان الذي دلت عليه النصوص المتظافرة المتواترة، فأنت عندما تقرأ في كتاب الله عز وجل أو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم كم تتكرر لديك كلمة الإيمان، وصف الناس بالإيمان، أو وصفهم بانتفاء الإيمان عنهم، أو الدعوة للإيمان أو بيان أثر الإيمان ونتيجته وثمرته، لا يكاد يخطئك ذلك في أي آية من كتاب الله عز وجل تقرؤها، أو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، بل كل ذلك إنما مداره على الإيمان لأن الأمر الذي يؤمر به المرء أو الذي ينهى عنه من حكم أو خلق أو سلوك، والوعد والوعيد والإخبار عن الهالكين والناجين، كل ذلك مرتبط بدائرة الإيمان فحين يؤمر المرء بأمر فإنه يؤمر بمقتضى الإيمان ونتيجته، وحين ينهى عن أمر فإنه ينهى عن ذلك بمقتضى إيمانه،

وحين يأتي إخبار الله عز وجل عما أعد للصالحين الصادقين فإن هذا إخبار عن جزاء أهل الإيمان وثمرة الإيمان، وحين يخبر تبارك وتعالى عن عذاب المعرضين الغافلين فهو إخبار عن عذاب أولئك الذين تنكبوا طريق الإيمان وضلوا عنه، وقصص الأولين والآخرين هي أيضاً قصص أولئك الذين أعرضوا عن الإيمان، أو استجابوا للإيمان (فلولا كانـــت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا) ،فما قص الله عز وجل إنما هو قرية آمنت فجازاها الله عز وجل بجزاء المؤمنين في الدنيا والآخرة، أو قرية أعرضت عن الإيمان فعاقبها الله عز وجل وأخذها نكال الدنيا ونكال الآخرة.


آثرنا أن نستعمل هذا المصطلح و أن نتحدث حول هذا اللفظ لأنه المصطلح الذي جاء الشرع به ودلت عليه في نصوص القرآن والسنة، وتواترت نصوص السلف في الحديث حول هذا الأمر كما سيأتي شيء من ذلك .

وقد يستعمل الناس مصطلحات كالتربية الروحية أو غيرها وهي جوانب بعضها إما هو موروث من أهل التصرف، أو موروث من النصارى، أو هو لفظ مستحدث، وكلما اقتربنا والتزمنا بالألفاظ الشرعية كان ذلك أولى .




لماذا نحتاج إلى التربية الإيمانية ؟

يكاد يكون حديثنا هذه الليلة منحصراً في الإجابة عن هذا السؤال، إننا نحتاج للتربية الإيمانية لجملة أمور، منها:


الأول: الإيمان هو أفضل الأعمال:

عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله r سئل أي العمل أفضل؟ فقال: "إيمان بالله ورسوله" قيل: ثم ماذا؟ قال: "الجهاد في سبيل الله" قيل: ثم ماذا؟ قال: "حج مبرور" متفق عليه.

وعن أبي ذر رضي الله عنه قال سألت النبي r أي العمل أفضل؟ قال: "إيمان بالله وجهاد في سبيله" قلت: فأي الرقاب أفضل؟ قال: "أعلاها ثمناً وأنفسها عند أهلها…" متفق عليه.

وعن عبد الله بن أبي قتادة عن أبي قتادة أنه سمعه يحدث عن رسول الله r أنه قام فيهم فذكر لهم أن الجهاد في سبيل الله والإيمان بالله أفضل الأعمال. رواه مسلم.

ولو استعرضت ما أجاب به صلى الله عليه وسلم أولئك الذين سألوه عن أفضل الأعمال لوجدت أن هذه الإجابات -مع اختلافها وتنوعها حسب تنوع حال السائل- إلا أنها كلها مدارها على الإيمان؛ فجعل صلى الله عليه وسلم أفضل هذه الأعمال هو الإيمان بالله عز وجل .

وحين جاء وفد عبد قيس إلى النبي صلى الله عليه وسلم قالوا : يا رسول الله لقد حال بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر فلا نصل إليك إلا في الشهر الحرام فمرنا بأمر فصل نأمر به من وراءنا، قال صلى الله عليه وسلم : آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع قال : آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان ؟ ثم ذكر صلى الله عليه وسلم شيئاً من شرائع الإيمان . والمقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله هذا الوفد أن يأمرهم بأمر فصل حين سأله هؤلاء أن يبين لهم أمراً يستغنون به ويعلمون به مَنْ وراءَهم إذ هم لا يستطيعون أن يصلوا إليه إلا في الشهر الحرام أمرهم صلى الله عليه وسلم بالإيمان بالله وحده .



الثاني: الإيمان مناط النجاة يوم القيامة:


عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله r:"لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم"رواه مسلم.



الثالث: تفاوت الناس يوم القيامة على أساس الإيمان:


وهذا التفاوت له ميادين منها:

أ- تفاوت الناس على الصراط على أساس الإيمان، فهم يؤتون نوراً على قدر إيمانهم (يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم).
والله عز وجل أمر عباده في الدنيا أن يسيروا على صراطه المستقيم، فيقول تبارك وتعالى آمراً إياهم بسؤاله الهداية :(اهدنا الصراط المستقيم) ، (وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل) فأمر الله عز وجل الناس أن يسيروا على الصراط المستقيم في الدنيا، والمرء لا يستطيع أن يبصر الصراط إلا بالنور؛ فيبصر الصراط المستقيم في الدنيا بنور الإيمان فكلما قوي إيمان المرء في الدنيا أعطاه الله عز وجل بصيرة يبصر بها الصراط أمامه حتى لا يضل ولا يزيغ؛ فيصبح يرى الطريق أمامه واضحاً جلياً وإنما يلبس على المرء ويضل بسبب إعراضه كما قال تبارك وتعالى (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون * ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلاً) إلى آخر الآيات .



ويوم القيامة يُعْطَى نوراً على الصراط في الدار الآخرة كما أعطي هذا النور، فعلى قدر إيمانه وسيره على الصراط المستقيم في الدنيا يُؤتَى نوراً يوم القيامة، وعلى قدر ثباته على صراط الدنيا يكون ثباته على الصراط يوم القيامة.

ب - تفاضل أهل الجنة فيما بينهم على أساس الإيمان . فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي r قال : "إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر من الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم" قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم، قال: "بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين"رواه مسلم.
ج - تفاوت العصاة من الموحدين في النار مرتبط بالإيمان .

عن معبد بن هلال العنزي قال اجتمعنا ناس من أهل البصرة فذهبنا إلى أنس بن مالك –رضي الله عنه- وذهبنا معنا بثابت البناني إليه يسأله لنا عن حديث الشفاعة، فإذا هو في قصره فوافقناه يصلي الضحى، فاستأذنا فأذن لنا وهو قاعد على فراشه، فقلنا لثابت: لا تسأله عن شيء أول من حديث الشفاعة، فقال يا أبا حمزة هؤلاء إخوانك من أهل البصرة جاءوك يسألونك عن حديث الشفاعة، فقال: حدثنا محمد r قال:
" إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم في بعض فيأتون آدم...الحديث، وفيه: فأقول يا رب أمتي أمتي، فيقول: انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان فأنطلق فأفعل، ثم أعود فأحمده بتلك المحامد ثم أَخِرُّ له ساجداً، فيقال: يا محمد، ارفع رأسك، وقل يُسْمَع لك، وسل تعط، واشفع تشفع، فأقول: يا رب أمتي أمتي فيقول انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة أو خردلة من إيمان فأخرجه، فأنطلق فأفعل، ثم أعود فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجداً، فيقول: يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعط، واشفع تشفع، فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقول: انطلق فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة خردل من إيمان فأخرجه من النار فأنطلق فأفعل" وراه البخاري.


وفي حديث الشفاعة الطويل: "...فما أنتم بأشد لي مناشدة في الحق قد تبين لكم من المؤمن يومئذ للجبار وإذا رأوا أنهم قد نجوا في إخوانهم، يقولون: ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا، ويصومون معنا، ويعملون معنا، فيقول الله تعالى: اذهبوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه، ويحرم الله صورهم على النار، فيأتونهم وبعضهم قد غاب في النار إلى قدمه، وإلى أنصاف ساقيه، فيخرجون من عرفوا، ثم يعودون، فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار فأخرجوه، فيخرجون من عرفوا، ثم يعودون، فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه، فيخرجون من عرفوا.." متفق عليه.


الرابع: الإيمان يزيد وينقص:

من عقيدة أهل السنة أن الإيمان يزيد وينقص وأن أهله يتفاضلون فيه، والأدلة على ذلك مشهورة، قال الإمام البخاري في صحيحه : كتاب الإيمان، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم بني الإسلام على خمس، وهو قول وفعل يزيد وينقص قال تعالى:(ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم) ، (ويزيد الله الذين اهتدوا هدى) ، (والذين اهتدوا زادهم هداً وآتاهم تقواهم) ،(ويزداد الذين آمنوا إيماناً) وقوله: (أيكم زادته هذه إيماناً) وقوله جل ذكره :(فاخشوهم فزادهم إيماناً) وقوله تعالى:(فما زادهم إلا إيماناً وتسليماً) ثم حين أورد هذه الآيات نقل القول بذلك عن أبي القاسم اللالكائي في السنة عن الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيدة وأيضاً قال رحمه الله لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أحداً يختلف في أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص.


وينبني على مسألة زيادته ونقصه مسألة أخرى وهي تفاضل أهل الإيمان فيه فإذا كان يزيد وينقص فهذا يعني أن أهله يتفاضلون فيه كما في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بينا أنا نائم رأيت الناس يعرضون عليّ وعليهم قمص منها ما يبلغ الثدي ومنها ما دون ذلك ورأيت عمر بن الخطاب عليه قميص يجره " قالوا : فما أولت ذلك يا رسول الله، قال: "الدين ".وبوّب على هذا الحديث الحافظ ابن مندة في كتابه الإيمان باب ذكر ما يدل على أن المؤمنين يتفاضلون في الإيمان وفضل عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقال: هذا حديث مجمع على صحته.


المقصود إذاً أن من الأمور المقررة عند أهل السنة أن الإيمان يزيد وينقص وأن أهله يتفاضلون فيه، وهذا يدعو الإنسان إلى أن يحرص على زيادة إيمانه قدر الإمكان ويحرص إذا علم أن أهل الإيمان يتفاضلون فيه أن يسعى إلى أن يصعد إلى المراتب العالية في هذا الإيمان، وفي المقابل أيضاً أن يحمي إيمانه من أن يصيبه النقص .



الخامس: الدعوة في الشرع إلى تجديد الإيمان وتعاهده:

روى الحاكم والطبراني من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب فاسألوا الله تعالى أن يجدد الإيمان في قلوبكم" .
وروى ابن أبي شيبة في الإيمان وعبد الله بن الإمام أحمد في السنة عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: القلوب أربعة : قلب أجرد كأنما فيه سراج يزهر فذلك قلب المؤمن، وقلب أغلف فذلك قلب الكافر، وقلب مصفح فذلك قلب المنافق، وقلب فيه إيمان ونفاق، ومثل الإيمان فيه كمثل شجرة يسقيها ماء طيب ومثل النفاق فيه كمثل قرحة يمدها قيح ودم فأيهما غلب عليه غلبه . هذا روي عن حذيفة موقوفاً عليه، وقد رواه بعضهم مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم والموقوف أصح .
وروى ابن أبي شيبة في الإيمان عن علقمة أنه كان يقول لأصحابه : امشوا بنا نزدد إيمانا، وروى أيضاً ابن أبي شيبة في الإيمان والإمام أحمد وأبو عبيدة في الإيمان والبخاري تعليقاً، وصحح ذلك الحافظ ابن حجر عن معاذ رضي الله عنه أنه قال : اجلس بنا نؤمن ساعة . يعني نذكر الله تعالى .



وروى عن أسود بن هلال قال : كان معاذ يقول للرجل من إخوانه : اجلس بنا نؤمن ساعة، فيجلسان فيذكران الله ويحمدانه على كل حال .


والنصوص كثيرة في الدعوة إلى تجديد الإيمان وتعاهده في النفوس، وقد صنف السلف في ذلك كتباً خاصة في الإيمان، والمقصود أن هذه الدعوة سواءً ما خاطب بها النبي صلى الله عليه وسلم أمته وأمرهم أن يسألوا الله عز وجل أن يجدد الإيمان في قلوبهم وأن يزيدهم إيماناً , أو ما ورد عن سلف الأمة هذا يدعونا إلى أن نسعى إلى تعاهد الإيمان في نفوسنا وزيادته في قلوبنا.


وهو أيضاً يدفع ويدعو من يتولى التربية أن يجعل هذه القضية من أهم القضايا ومن الأولويات التي يتربى عليها الجيل والناشئة، ولعلنا نتساءل ونحن قد سمعنا هذه النصوص عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في أن أحدهم كان يقول لصاحبه اجلس بنا نؤمن ساعة أو يقول امشوا بنا نزدد إيماناً.. كم هي المجالس التي نجلسها مع إخواننا؟ وكم يستغرق حديثنا عن هذه القضايا من وقتنا، وهل نحن حين نجلس مثل هذه المجالس يذكّر بعضنا بعضاً في قضايا الإيمان والخوف من الله عز وجل ونسعى إلى أن تكون هذه المجالس تزيدنا إيماناً؟ أو بعبارة أخرى أحدنا كثيراً ما يلقى أخاه في الله فأيًّا كان هذا اللقاء فهل هو يشعر حين يلقاه ويتحدثان أنهما يزدادان إيمانا؟ أو أنه يلقاه كما يلقى غيره، بل ربما كانت بعض المجالس إنما هي مدعاة لقسوة القلب والبعد عن الله تبارك وتعالى.


وليس بالضرورة أن يكون الحديث في قضايا الإيمان والخوف من الله عز وجل ، موعظة يلقيها إنسان بعد الصلاة، أو مجلس علم يحضره، ليس بالضرورة هذا ولا ذاك، فأنت تتحدث مع أخيك في مجلس أو في سيارة أو حتى في الهاتف أو هنا وهناك- أيا كان هذا المجلس-هل يسمع أحدكم من أخيه وصية أو تذكيراً بالله عز وجل فيزداد بعضنا إيماناً من ذلك؟


وإذا كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا جلسوا تواصوا وزاد إيمانهم وهم منهم في الإيمان والصلاح والتقوى فغيرهم من باب أولى.





السادس: الإيمان هو الزاد في مواجهة الشهوات

ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وذكر منهم: رجل دعته امرأة إلى نفسها فقال: إني أخاف الله عز وجل، فالذي منعه من مواقعة ما حرم الله تبارك وتعالى خوفه من الله عز وجل وإيمانه بالله تبارك وتعالى.
وقال تعالى (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب) فيخبر تبارك وتعالى أن الشهوات قد زينت للناس وهذا، في أصل الفطرة بلا مثيرات، فما بالكم بهذا العصر الذي نعيشه وقد فتحت فيه الأبواب على مصراعيها، وصارت الشهوات تلاحق الشاب، وتلاحق الفتاة، وتلاحق الصغير والكبير في السوق والشارع بل حتى في المنزل،
وصار الناس يشتكون من جحيم هذه الشهوات وآثارها وكيف أنها تصرف الكثير عن طاعة الله عز وجل وتجرف الكثير وربما كانت سبباً في الانحراف والغواية عافانا الله عز وجل وإياكم من ذلك، ولو تأملت حال الكثير ممن ضلوا وتنكبوا الطريق لوجدت أنهم إنما أتوا من قبل هذا الباب ومن هذا المدخل . ويتساءل ما العلاج وما الحل الآن أمام هذا السيل الجارف من الشهوات، التي صار الإنسان لا يكاد يستطيع أن يمنع أبناءه عنها ولا يستطيع المصلحون في المجتمع أن يمنعوا الناس من مقارفتها ولا من رؤيتها، سواء مايعرض على الشاشة أو في المجلات أو في الصحف؟حتى لو عوفي الإنسان من هذا كله ولم تتهيأ له في منزله، فإن الشاب قد لا يعدم أن يحدثه زميله في الفصل عن شيء من ذلك أو يدله عليه.


فالمقصود أن هذه الشهوات أصبحت مشكلة الجميع، سواء أكان الشاب نفسه الذي يخاف على نفسه هذه الشهوات وآثارها، أم الأب الذي يخاف على أبنائه، أم الأم التي تخاف على أولادها، أم الأستاذ والمربي الذي يخاف على هذا النشء الذي تعاهده في التربية والإصلاح، يخاف أن تجرفه هذه السيول فتفسد في لحظات ما بناه هو في دهور وسنوات، صارت مشكلة فعلاً يعاني منها الكثير ويتساءلون ما الحل ؟


الحل في الإيمان، الحل في تربية التقوى في النفوس، الإيمان الذي يجعل الشاب ويجعل الفتاة يعرضان عن أبواب هذه الشهوات وطرقها، الذي يجعله يغض بصره ابتداءً، الذي يجعله يشعر أن لديه قضية أكبر من قضية الشهوة، فبدل أن يفكر في الشهوة، وبدل أن تسيطر عليه صار مشغولاً بالله والدار الآخرة، صار مشغولاً بالسعي لزيادة الإيمان وتحقيق تقوى الله عز وجل ، مشغولاً بعيوب نفسه ومعاصيها وكيف يصلح نفسه، همه الشوق إلى لقاء الله عز وجل، وأنسه بذكر الله تبارك وتعالى وتلاوة كتابه وعبادته تبارك وتعالى، فصار لسان حاله يقول للناس –وهو يراهم صرعى الشهوات -: يا قوم أنتم في وادٍ وأنا في واد، لكم هم ولي هم آخر.


فحين يقوى الإيمان في النفس تصبح هذه حالة الشاب وهذا لسان حاله، فيكون هذا بإذن الله عاصماً له وحامياً له حتى لو أتته الشهوات تسعى إليه فإنه يعرض عنها ويصبح ويقول كما حكى صلى الله عليه وسلم عن الذي تعرضت له الفتنة : إني أخاف الله عز وجل، وكما قال تبارك وتعالى عن يوسف عليه السلام :(معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي).



إننا نعيش اليوم مرحلة عمت فيها فتن الشهوات، وأصبحت تؤرق كثيراً من الصالحين ويخشون من أثرها، وهذا مدعاة لأن نراجع برامجنا التربوية، وأن يتساءل المربون علام يربى الناس وعلام تربى الأمة الآن؟

الملايين من المسلمين يرون أبواب الشهوات مفتوحة أمامهم، ويرون أبواب الفتن والضلال بكل ألوانه مشرعةً أمامهم فماذا يتلقون من الزاد في مواجهتها؟ ماذا يتلقى الطلاب في مدارسهم ؟ وماذا تتلقى الطالبات في مدارسهن ؟ هل يتلقون ويتعلمون ما يربي الإيمان في النفوس، وما يقوي الإيمان، ويصل بالله عز وجل؟


ماذا يسمع هؤلاء في وسائل الإعلام ؟ وماذا يقرؤون في الصحف التي يرونها صباح مساء ؟ ما مدى اعتناء وسائل التوجيه التي تخاطب الناس وتحدث الملايين بتربية الإيمان والتقوى في النفوس؟

فإذا كانت الأمة جادة في الإصلاح، وإذا كان شأن الدين والعقيدة قضية يعني الأمة فعلاً فيجب أن توجه وسائل التربية والتوجيه في الأمة إلى غرس الإيمان في النفوس، وإلى توجه وسائل التربية والتوجيه كلها في المجتمع لتحقيق هذه القضية، وماذا تريد الأمة من إنسان متعلم مثقف لكن قلبه خواء من الإيمان بالله عز وجل وتقواه ؟ وماذا تريد الأمة من فتاة متعلمة لكنها لا تخشى الله عز وجل طرفة عين ؟


وهذا يدعو الأب أيضاً إلى أن يعيد النظر في وسائل تربيته لأبنائه، وأن يدرك أن القضية لا تنتهي عند حد أمر أبنائه بالصلاة، ونهيهم عن مصاحبة جلساء السوء، لا تقف عند أمرهم بالطاعة ونهيهم عن المعصية، بل هو يحتاج إلى أن يجعل جو البيت جو إيمان، يجعل البيت يُربَّى على الإيمان والصلاح والتقوى، إذا كان ابنه يخرج في الشارع فيرى مظاهر الإغراء والإثارة وما يدعو للفساد، ثم يأتي للبيت فلا يرى إلا المجلة أو ما تعرضه الشاشة، أو هو على أحسن الأحوال لا يجد في البيت ما يزيده إيماناً وتقوى، وإذا كان والده صالحاً وكانت أمه صالحة فإنه لن يجد منهم إلا مجرد الأمر والنهي فقط.


والمربون الذين يتولون تربية الشباب هم الآخرون بحاجة إلى مزيد مراجعة، وأن ينظروا أين تقف التربية الإيمانية في سلم الأولويات التربوية لديهم؟ هل هي مهمة وأساسية أم لا ؟


إن العناية بهذا الجانب وإعطاءه الأولوية يختصر عليهم مراحل طويلة، ويحمي هذا النشء من مؤثرات كثيرة.
وهذا يدعو الشاب نفسه إلى أن يتعاهد نفسه وهو يشعر بالخطر الداهم الذي يحاصره ويهدده، يدعوه إلى أن يرى أن من مسؤوليته تجاه نفسه أن يتعاهد الإيمان في نفسه وأن يحرص على زيادة الإيمان وتربيته في نفسه، وأن يشعر أنه إن خسر ووقع في براثن الشهوات أو الشبهات خسر إيمانه وخسر دنياه وآخرته وهي قضية لا تحتمل المخاطرة أبداً .




السابع : الإيمان هو المعين على التوبة:


قد تُوقِع الإنسانَ نفسُه في المعصية في حالة ضعف أو غفلة واستيلاء الشيطان عليه، فإذا كان قد تربى على الإيمان وعلى التقوى لله عز وجل فإنه سرعان ما يستفيق ويبادر بالتوبة (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين* الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين* والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم) إذاً هذه حال المتقين، إذا وقعوا في معصية أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله عز وجل فتجاوزا هذه المعصية.


وفي آية أخرى يقول تبارك وتعالى :(إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون *وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون) فالمتقون قد يصيبهم طائف من الشيطان، وقد يسول لهم الشيطان فيوقعهم في أمر محرم أو تقصير في واجب شرعي، لكن هذا الإيمان والتقوى في نفوسهم سرعان ما يدعوهم إلى التوبة والرجوع إلى الله عز وجل والازدياد من الحسنات؛ فيزدادوا إيماناً بعد إيمانهم ويعملوا من الطاعات أضعاف ما عملوا من السيئات حتى يكون ذلك مدعاة لتطهير أنفسهم من السيئات ورجسها وزيادة إيمانهم بعد ذلك.


إذاً فصاحب الإيمان حتى لو واقع المعصية فإنه أقرب الناس وأدعاهم إلى المبادرة بالتوبة والإقلاع والاستغفار منها.
الثامن : الإيمان هو المعين على الثبات عند الابتلاء

أخبر الله تعالى أن من لوازم الإيمان أن يُبتلى الإنسان :(أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين) ،(ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله) وتأمل كيف جاء التعبير في الآية (من يقول آمنا) فلم يقل من يؤمن بالله لأنه لو آمن بالله حق الإيمان لما حصل له هذا الأمر، كما قال هرقل لأبي سفيان - رضي الله عنه - حين سأله عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: هل يرتد أحد من أصحابه سخطة لدينه؟ قال : لا، قال : كذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب لا تفارقه أبداً.



والذي يعين الإنسان على الثبات بإذن الله عند الابتلاء وعند الإغراء إنما هو الإيمان بالله عز وجل، وأولئك الذين يعبدون الله على حرف هم أسرع الناس استجابة لداعي الفتنة والإغراء (ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين) .




التاسع : الإيمان هو زاد الداعية:

إن الداعية إلى الله عز وجل وطالب العلم هم أحوج الناس إلى التربية الإيمانية، ولماذا الداعية وطالب العلم بالذات؟
أولاً: لأن الإيمان بالله هو المعين على أمور الدعوة، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يأتيه الوحي يتحنث في غار حراء ويتعبد الليالي ذات العدد، فكان يحتاج إلى الصلة بالله عز وجل والإيمان به تبارك وتعالى حتى يكون ذلك خير معين له على القيام بأعباء هذه الدعوة.



وحين أتاه الوحي شرع الله له الاجتهاد في العبادة والطاعة (يا أيها المزمل * قم الليل إلا قليلاً * نصفه أو انقص منه قليلاً * أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلاً * إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً) هذا الأمر بقيام الليل والاجتهاد بالطاعة لأنه سيُلْقَى عليه قولاً ثقيلاً ، (إن ناشئة الليل هي أشد وطئاً وأقوم قيلاً).



ثانياً :لأن الداعي إلى الله عز وجل وطالب العلم عرضة للآفات، عرضة للإعجاب بالنفس، عرضة للرياء، وعرضة لأن يسير وراء بريق الشهوة، والذي يعينه ويحميه من ذلك هو الإيمان بالله عز وجل، فالإيمان يشعره بأن كل ما يقدمه إنما هو لله عز وجل ، والذي يجعله يشعر بذنوبه وتقصيره في جنب الله سبحانه، والذي يجعله يشعر بأن ما قدم لن ينجيه إلا برحمة الله تبارك وتعالى.


ثالثاً: أن الداعية يدعو الناس للإيمان بالله عز وجل، وإذا كان المرء فاقداً لشيء كيف يستطيع أن يعطيه، وإذا كان يحتاج أن يربي الناس على الإيمان بالله عز وجل وتقواه وهو فاقد للإيمان والتقوى، وإذا كان يريد أن ينهى الناس عن معاصي الله عز وجل ، ويأمرهم بتقواه وهو يعاني من الجفاء في قلبه، يعاني من الضعف في إيمانه، يعاني من الخور في هذا الجانب فكيف يستطيع أن يحقق هذا الأمر ؟ (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب) ،(يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون * كبر مقتاً عند الله أن تقولوا مالا تفعلون) .



رابعاً: أن الذي يدعو إلى الله عز وجل هو أكثر الناس عرضة للبلاء والامتحان، والذي يعينه على الثبات هو الإيمان بالله عز وجل ، ولهذا تأتي الوصية بالتسبيح أو الصلاة والتوجه إلى الله عز وجل في كتاب الله عقب ذكر مايكيده الكفار بالنبي r ، ولا تكاد تجد أمراً للنبي صلى الله عليه وسلم بالصبر على ما يواجهه من أذى ومن ابتلاء إلا ويعقب بالأمر بالتسبيح والأمر بالصلاة والأمر بالطاعة لله عز وجل، لماذا ؟ لأنه هو الزاد المعين على الصبر (فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب * ومن الليل فسبحه وأدبار السجود) ويقول (فاصبر على ما يقولون واهجرهم هجراً جميلاًً) ويقول: (واذكر اسم ربك بكرة وأصيلاً * ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلاً طويلاًً) .


وقد تكرر ذلك كثيراً في السور المكية: في سورة هود ،والإسراء , وطه، والإنسان، والمزمل.




العاشر: الإيمان هو الحل الأمثل لكثير من المشكلات التربوية:



كثيراً ما نشتكي من قسوة القلب والفتور والجرأة على المعاصي، كثيراً ما نشتكي ونتساءل عن الانحراف بعد الهدى وهي ظاهرة بدأت تكثر في هذا العصر وبالذات في هذه السنوات الأخيرة فما الحل لذلك؟


لا شك أن أعظم علاج لمثل هذه المشكلة إنما هو الإيمان بالله تبارك وتعالى، والاعتناء بالتربية الإيمانية، أن نربي أنفسنا على الإيمان بالله عز وجل ، وأن يربى الجيل ويربى الشباب على الإيمان بالله تبارك وتعالى ، ويغرس الإيمان في النفوس حينها سنجد أن هذه الظواهر تقل وتتلاشى كما قال هرقل لأبي سفيان لما سأله قال : هل يرتد أحداً من أصحابه سخطاً لدينه ؟ قال : لا، قال :كذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب لا تفارقه أبداً.



لما مات النبي صلى الله عليه وسلم وارتد من ارتد كان عامة الذين ارتدوا من الذين قال الله عنهم : (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم) ، أما السابقون الأولون: أهل بدر وأهل بيعة الرضوان الذين جاهدوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، والذين دخل الإيمان في قلوبهم فلم يرتد أحد منهم.


ومن المشكلات التي يعاني منها كثير من الشباب أنه إذا ابتعد عن إخوانه ضعف وربما تجرأ على المعاصي، وربما تغيرت حاله وتبدلت.
ومن المشكلات التي نشتكي منها العلاقات العاطفية التي تكون بين الشباب أو بين الفتيات، والتي بدأت تنتشر في المجتمع حتى بدأت العدوى تسير إلى مجتمعات الصالحين والناس الأخيار.


المقصود أننا نعاني من مشكلات تربوية كثيرة، ويتردد السؤال ويتكرر ما الحل لهذه المشكلة ؟ وما العلاج لتلك ؟ لا شك أن الحل لهذه المشكلات هو في تعميق التربية الإيمانية هو تعميق الإيمان في النفوس، والصلة بالله عز وجل وحين نجعل الهم همًّا واحداً نختصر الطريق على أنفسنا بدلاً من أن نذهب نعالج كل مشكلة على حدة.


بل إن هذه المشكلات لو عالجناها بعلاج بعيدٍ عن التربية الإيمانية فسيبقى علاجاً مؤقتاً، سيبقى علاجاً لا يتوجه إلى مصدر الداء.



#9 غير متصل   ashlpi

ashlpi

    إسماعيلاوي قبل أن أولد

  • Members
  • 1042 مشاركة

تاريخ المشاركة 12 January 2008 - 05:48 PM

الدرس التاسع : الأبتلاء طريق الأنبياء


الابتلاء طريق الأنبياء:

هذه المحاضرة وقفات حول قول الله عز وجل ]كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون أتواصوا به بل هم قوم طاغون[.

ففي هذه الآية أخبر تعالى أن الأقوام الذين أرسل الله عز وجل إليهم الرسل قد اتفقوا كلهم جميعاً على اتهام المرسلين بالسحر، وأنى أن يكون ذلك وبينهم عصور وقرون متطاولة .

وهي أيضاً قضية نلحظها حينما نتعرض لقصص الأنبياء فنقرأ ما قال قوم نوح لنبيهم نوح، وما قال قوم عاد لهود، وما قالت ثمود لصالح، وما قاله سائر الأقوام المكذبين لأنبيائهم المصلحين، نجد أنها كلمة واحدة، حتى كأنهم قد تواصوا واتفقوا على هذا.
وسيكون حديثنا في ذكر بعض النماذج من اتهام المصلحين والطعن فيهم في أمر دينهم.


إن قضية الإصلاح تستوجب صراعاً مع أهل الباطل؛ ذلك أن المصلحين يرون واقعاً لا يرضي الله ورسوله فيسعون إلى تغيره، والمصلح لا يكون مصلحا ًإلا حين يرد إحقاق حق أو تغيير باطل، ولا شك أن مصالح أهل الباطل سوف تصطدم مع ما يدعو إليه هؤلاء المصلحون، فيسعى هؤلاء إلى تعويق إصلاحهم ودعوتهم من خلال تشويه سيرتهم، ويعلم هؤلاء أن الدين هو القضية التي يدعو إليها هؤلاء، ومن ثم فالطعن في معتقدهم وتشويهه خير وسيلة لتنفير الناس من دعوتهم.


إنها صورة واحدة من صور الابتلاء التي يتعرض لها المؤمنون، والابتلاء سنة ماضية سنة لمن آمن بالله عز وجل ] أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون. ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين [.
ولذا كان الابتلاء سنة في حق المؤمنين؛ فكل من يؤمن فلابد أن يبتلى فما بالك بالمصلحين الذين يسعون إلى تغيير الواقع الذي يخالف شرع الله عز وجل؟ لاشك أنهم أكثر عرضة للابتلاء والامتحان .


وهذا الأمر نقرأه في سير الأنبياء وفي سير المصلحين، فكم عانى الأنبياء من أعدائهم المكذبين وهي صور شتى من التكذيب والتعويق والابتلاء، يسعى إليه المفسدون من أقوامهم ويتواصون به جيلاً بعد جيل وقرناً بعد قرن.
ومن بعد الأنبياء كانت السنة كذلك نفسها للمصلحين، ويشعر المصلح الداعي إلى الله عز وجل أنه حين يختار لنفسه هذا الطريق فإنه يضع نفسه مع هذه القائمة ويسير مع هذا الركب، فلابد أن يصيبه ما أصابهم ويواجه بما ووجهوا به.
من ثمرات دراسة هذا الموضوع:


إن الحديث عن هذا الأمر له ثمرات عدة، منها:

أولاً: أن فيه تسلية لمن يتصدى للدعوة إلى الله عز وجل فيصيبه ما يصيبه من الفتنة والابتلاء، وربما تعرض إلى الطعن في شخصه ودينه، فقد كان أصدق الناس لهجة وأصفاهم سريره واتقاهم لله تعالى، وهم أنبياء الله يتهمون في دينهم وربما اتهموا في أعراضهم، فغيرهم من باب أولى.

ثانياً: حين يسمع الإنسان اتهاماً لأحد من المصلحين، سواء أكان ممن يعيش بين ظهرانيه، أو ممن مضى وسلف فلن يتسرع في تصديق ذلك وتلقيه.
ولنبدأ الحديث حول هذه النماذج من الابتلاء مقتصرين على اتهام المصلحين في دينهم، وحين نتحدث عن المصلحين فإن أول من يتصدر هذه القائمة هم رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم، وقد واجهوا ما واجهوا من الطعن في دينهم واعتقادهم غير ما واجهوه من الابتلاء في أمور أخرى.




نماذج من سير الأنبياء:
موسى عليه السلام:

لقد تعزى نبينا عليه الصلاة السلام بما أصابه فقال:"رحم الله أخي موسى فقد أوذي بأكثر مما أوذيت فصبر".
لقد جاء موسى عليه السلام والناس يؤلهون فرعون من دون الله، ويعتقدون أنه ربهم الأعلى فأرسله الله عز وجل ليخرج الناس من العبودية والذل لفرعون إلى العبودية والذل لله تبارك وتعالى . فشرق أولئك بهذه الدعوة، وشعر فرعون أن في هذا تحطيماً لألوهيته وجبروته وسلطانه على الناس، فلم يجد مبرراً أمام الناس إلا أن يتهم موسى في دينه، كما قال تعالى ]وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد [ .


وحين صار ما صار من المناظرة بين موسى والسحرة فحشر فرعون سحرته وجمع جبروته وسلطانه، وكان موعدهم يوم الزينة فاجتمعوا في هذا اليوم فألقى موسى عصاه، فأدرك السحرة الحق فآمنوا بالله وخروا سجداً، حينها اتهمهم بعدم الصدق في إيمانهم، وأن هذا الإيمان جزء من مؤامرة يُستهدف فيها فرعون ومجده ]قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون[.



واتهم موسى بأنه ساحر، وأنه هو الذي علم السحرة السحر ]قال آمنتم له قبل أن آذن اكم إنه لكبيركم الذي علمك السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذاباً وأبقى[


ويحذر الله عباده المؤمنين مما فعله بنو اسرائيل مع موسى عليه السلام ]ياأيها الذين آمنوا لاتكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيهاً[ وقد بين النبي r ما اتهمه به بنو إسرائيل في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله r:"إن موسى كان رجلاً حيياً ستيراً لايرى من جلده شيء استحياء منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، فقالوا: مايستتر هذا التستر إلا من عيب بجلده: إما برص وإما أدْرَة، وإما آفة. وإن الله أراد أن يبرأه مما قالوا لموسى، فخلا يوماً وحده فوضع ثيابه على الحجر ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها وإن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر. فجعل يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر، حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل فرأوه عرياناً أحسن ما خلق الله وأبرأه مما يقولون، وقام الحجر فأخذ ثوبه فلبسه، وطفق بالحجر ضرباً بعصاه، فوالله إن بالحجر لندباً من أثر ضربه ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً، فذلك قوله ]ياأيها الذين آمنوا لاتكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها["




محمد صلى الله عليه وسلم:


وهاهو محمد صلى الله عليه وسلم صاحب الرسالة الخاتمة الذي اصطفاه تعالى على البشر، هاهو أيضاً يتهم في إخلاصه وفي دينه؛ فحين قسم صلى الله عليه وسلم قسمة لم ترق لبعض ضعاف الإيمان قال أحدهم:"إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله"- قال ابن مسعود - فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فغضب حتى رأيت الغضب في وجهه، ثم قال:"يرحم الله موسى، فقد أوذي بأكثر من هذا فصبر" .



مريم عليها السلام:


وهاهي مريم ابنة عمران تتهم في عرضها؛إذ قذفها ال**** عليهم لعنة الله بالزنا والبهتان، حين أكرمها الله ونفخ فيها من روحه ]فأتت به قومها تحمله قالوا يامريم لقد جئت شيئاً فرياً. ياأخت هارون ماكان أبوك امرء سوء وماكانت أمك بغيا[ فأنطقه الله ]إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً[ ومع هذه الآية الواضحة الخارقة حين نطق هذا الغلام وهو في المهد، مع ذلك كله لا يزال أولئك يصرون على هذه الجريمة البشعة؛ فيتهمون هذه المرأة الطاهرة التي يقول تبارك وتعالى عنها ]إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين[






مع أصحاب النبي r

عائشة رضي الله عنها:


وكأنما تواصى هؤلاء مع أوليائهم فتقذف عائشة رضي الله عنها بما قذفت به مريم، ويسير المنافقون وراء أولئك ال**** فيشيعون الفرية ضد عائشة، فتسمع عائشة ما يقال عنها وما تتهم به، ثم ترى من النبي r ما ترى فتبقى حبيسة الألم وحبيسة هذه الفرية شهراً، والاتهام لعائشة لم يكن اتهاماً لعائشة وحدها بل كان اتهاماً قبل ذلك كله للنبي r وطعناً في فراشه وفي أحب الناس إليه.




عثمان بن عفان رضي الله عنه:


عن عثمان بن عبدالله بن موهب رحمه الله قال: جاء رجل من أهل مصر يريد حج البيت، فرأى قوماً جلوساً، فقال من هؤلاء القوم؟ قالوا: هؤلاء قريش، قال: فمن الشيخ منهم؟ قالوا: عبدالله بن عمر، قال: يابن عمر، إني سائلك عن شيء فحدثني: هل تعلم أن عثمان فر يوم أحد؟ قال: نعم، قال: هل تعلم أنه تغيب عن بدر ولم يشهد؟ قال: نعم، قال: هل تعلم أنه تغيب عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم، قال: الله أكبر، وكأنما فرح هذا الرجل لأن يجد هذه النقيصة وهذه التهمة في خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كانت تستحي منه الملائكة، فلما قال ذلك قال ابن عمر: تعال أبين لك، أما فراره يوم أحد، فأشهد أن الله عفا عنه وغفر له، وأما تغيبه عن بدر، فإنه كانت تحته بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت مريضة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لك أجر رجل ممن شهد بدراً وسهمه، وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان، وكانت بيعة الرضوان بعدما ذهب عثمان إلى مكة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده اليمنى: هذه يد عثمان، فضربها على يده،كانت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم لعثمان خير من يد عثمان لعثمان وقال: هذه لعثمان، ولهذا قال بعضهم ثم قال ابن عمر: اذهب بها الآن معك" . والقصة في صحيح البخاري .



وعن سعد بن عبيدة قال: جاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن عثمان، فذكر عن محاسن عمله، قال: فلعل ذلك يسوءك؟ قال: نعم، قال: فأرغم الله بأنفك. ثم سأله عن علي، فذكر محاسن عمله قال: هو ذاك، بيته أوسط بيوت النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: لعل ذلك يسوءك؟ قال: أجل، قال: فأرغم الله بأنفك، انطلق فاجهد علي جهدك" .


نعم إن هؤلاء يسوؤهم أن تذاع مناقب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا كبر هذا الرجل حين أقر له ابن عمر رضي الله عنه بتلك التهم التي اتهم بها عثمان في دينه، وساءه حين برأه منها وذكر محاسنه.




سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه:

وممن اتهم في دينه أحد السابقين إلى الإسلام، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال : شكا أهل الكوفة سعداً إلى عمر، فقالوا: إنه لايحسن أن يصلي، فقال سعد: أما أنا، فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاتي العشي لا أخرم منها، أركد في الأوليين، وأحذف في الأخريين، فقال عمر: ذاك الظن بك ياأبا إسحاق. أهل الكوفة يعلمون صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة؟ أهل الكوفة يتهمون صاحب رسول الله الذي فداه الرسول بأبيه وأمه، يتهمونه أنه لا يحسن أن يصلي؟ فبعث عمر رضي الله عنه رجالاً يسألون عنه بالكوفة، فكانوا لايأتون مسجداً من مساجد الكوفة إلا قالوا خيراً، حتى أتوا مسجداً لبني عبس، فقال رجل يقال له أبو سعده: أما إذ نشدتمونا بالله (انظر إلى منطق هؤلاء حين نُشِد بالله فقد تعينت عليه كلمة حق يجب أن يقولها، وهؤلاء كما أخبر تعالى ]ويشهد الله على ما قلبه وهو ألد الخصام[ ) فإنه كان لا يعدل في القضية، ولا يقسم بالسوية، ولا يسير بالسرية، فقال سعد: اللهم إن كان كاذباً، فأعم بصره، وأطل عمره، وعرضه للفتن، قال عبدالملك فأنا رأيته بعد يتعرض للإماء في السكك، فإذا سئل كيف أنت؟ يقول: كبير مفتون أصابتني دعوة سعد .والقصة في البخاري.
وعن قبيصة بن جابر قال: قال ابن عم لنا يوم القادسية:

ألم تر أن الله أنزل نصره .........وسعد بباب القادسية معصم
فأبنا وقد أمت نساء كثيرة...........ونسوة سعد ليس فيهن أيم



فبلغ سعداً قوله، فقال: عيى لسانه ويده، فجاءت نشابة فأصابت فاه فخرس، ثم قطعت يده في القتال، فقال -أي سعد-: احملوني على باب، فخرج به محمولاً، ثم كشف عن ظهره وفيه قروح فأخبر الناس بعذره فعذروه، وكان سعد لا يجبن، وفي رواية يقاتل حتى ينزل الله نصره، وقال: وقطعت يده وقتل وهذا الخبر رواه الطبراني كما في المجمع وقال باسنادين رجاله أحدهما ثقات.





مع سائر السلف:

ونتجاوز ما قيل عن أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم وهو كثير إلى ما قيل عن الأئمة بعدهم:




الإمام البخاري:


ها هو الإمام البخاري رحمه الله صاحب الصحيح أصح كتاب بعد كتاب الله، هاهو يتهم في عقيدته ودينه؛ فقد اتهم بأنه يقول بخلق القرآن في مسألة اللفظ المشهورة وممن اتهمه محمد بن يحيى
قال محمد بن يحيى: قد أظهر هذا البخاري قول اللفظية، واللفظية عندي شر من الجهمية.


وحين قدم بخارى استقبله الناس، فكتب بعد ذلك محمد بن يحيى الذهلي إلى خالد بن أحمد أمير بخارى: إن هذا الرجل يعني البخاري قد أظهر خلاف السنة، فقرأ كتابه على أهل بخارى فقالوا: لانفارقه، فأمره الأمير بالخروج من البلد فأخرج رحمه الله .
وروى الحاكم عن محمد بن العباس الضبي قال: سمعت أبابكر بن أبي عمرو الحافظ البخاري يقول:

كان سبب منافرة أبي عبدالله أن خالد بن أحمد الذهلي الأمير خليفة الطاهرية ببخارى سأل أن يحضر منزله فيقرأ الجامع والتاريخ على أولاده، فامتنع عن الحضور عنده فراسله بأن يعقد مجلساً لأولاده، لايحضره غيرهم، فامتنع وقال: لاأخص أحداً، فاستعان الأمير بحريث بن أبي الورقاء وغيره، حتى تكلموا في مذهبه، ونفاه عن البلد، فدعا عليهم، فلم يأت إلا شهر حتى ورد أمر الطاهرية، بأن ينادى على خالد في البلد، فنودي عليه على أتان، وأما حريث فإنه ابتلي بأهله، فرأى فيهم مايجل عن الوصف، وأما فلان فابتلي بأولاده وأراه الله فيهم البلايا. وبقي الإمام البخاري بعد ذلك إماماً عالماًَ يترحم الناس عليه.



الإمام الشافعي

والإمام المجدد الشافعي رحمه الله اتهم بالتشيع لذا قال هذه الأبيات المشهورة التي حكاها عنه الربيع بن سليمان، قال: حججنا مع الشافعي، فما ارتقى شرفاً، ولاهبط وادياً، إلا وهو يبكي وينشد:-




ياراكبا قف بالمحصب من منــــى ........... واهتف بقاعد خيفنا والناهــــض
سحرا إذا فاض الحجيج إلى منــى .............فيضاً كملتطم الفرات الفائـــــض
إن كان رفضاً حب آل محمــــــد ...............فليشهد الثقلان أني رافضـــــــي



قال الذهبي: لو كان شيعياً وحاشاه من ذلك لما قال: الخلفاء الراشدون خمسة، بدأ بالصديق، وختم بعمر بن عبدالعزيز.
وقال أحمد عن ذلك: اعلموا رحمكم الله أن الرجل من أهل العلم إذا منحه الله شيئاً من العلم، وحرمه قرناؤه وأشكاله، حسدوه فرموه بما ليس فيه، وبئست الخصلة في أهل العلم.


ولما دخل مصر أتاه جلة أصحاب مالك، وأقبلوا عليه، فلما رأوه يخالف مالكاً، وينقض عليه جفوه وتنكروا له، حتى حدث أبو عبدالله بن منده قال حدثت عن الربيع أنه قال: رأيت أشهب بن عبدالعزيز ساجداً يقول في سجوده: اللهم أمت الشافعي لايذهب علم مالك، فبلغ الشافعي فأنشأ يقول:-



تمنى رجال أن أموت وإن أمــــــــت ............ فتلك سبيل لست فيها بأوحـــــد
فقل للذي يبغي خلاف الذي مضـــى...........تهيأ لأخرى مثلها فكأن قـــــــــد


ولهذا كان يقول الشافعي رحمه الله:رضى الناس غاية لاتدرك، وليس إلى السلامة منهم سبيل.




الإمام أحمد بن حنبل:

والإمام أحمد رحمه الله محنته مشهورة، ابتلي واتهم بأنه قد ابتدع في دين الله ما ليس فيه، وضرب وأوذي، وكانت تهمته في دينه وأنه يفتري على الله تبارك وتعالى، ويبتدع ويتجرأ على الله عز وجل وقضيته مشهورة نتجاوزها.





ابن أبي عاصم

وممن اتهم في دينه الإمام أبي عاصم رحمه الله، قال عنه الذهبي: حافظ كبير، إمام بارع، مطيع للآثار، كثير التصانيف .
اتهم بالنصب، وأرسل له ليلى الديلمي غلاماً له ومخلاة وسيفاً، وأمره أن يأتيه برأسه فأتاه وهو في مسجده يحدث، فقال أن الأمير قد أمرني أن آتي برأسك، فوضع الكتاب الذي كان يقرأ فيه على رأسه ثم أتاه آت فقال: إن الأمير ينهاك عن ذلك.
والشاهد أن الإمام أبي عاصم إمام من أئمة أهل السنة يتهم بأنه ناصبي يبغض آل البيت.




بقي بن مخلد

قال عنه الذهبي: الإمام القدوة، شيخ الإسلام، أبو عبدالرحمن الأندلسي القرطبي، الحافظ صاحب التفسير والمسند اللذين لانظير لهما .


وكان إماماً مجتهداً صالحاً، ربانياً صادقاً مخلصاً، رأساً في العلم والعمل، عديم المثل، منقطع القرين، يفتي بالأثر، ولايقلد أحداً، قدم إلى الأندلس فأحيا فيها مذهب أهل الحديث، فشرق به أولئك.


قال ابن حزم: وكان حمد بن عبدالرحمن الأموي صاحب الأندلس محباً للعلوم عارفاً، فلما دخل بقي الأندلس بمصنف أبي بكر بن أبي شيبة، وقريء عليه أنكر جماعة من أهل الرأي مافيه من الخلاف واستبشعوه، ونشطوا العامة عليه، ومنعوا من قراءته، فاستحضره صاحب الأندلس محمد وإياهم، وتصفح الكتاب كله جزءاً جزءاً، حتى أتى على آخره، ثم قال لخازن الكتب: هذا كتاب لاتستغني خزانتنا عنه، فانظر في نسخه لنا، ثم قال لبقي: انشر علمك، وارو ما عندك، ونهاهم أن يتعرضوا له.




ابن قتيبه

اتهمه سبط ابن الجوزي بأنه يميل إلى التشبيه، وأن كلامه يدل عليه، وأنه يرى رأي الكرامية.
قال عنه شيخ الإسلام:"ابن قتيبة من أهل السنة... وهو من المنتسبين إلى أحمد وإسحاق والمنتصرين لمذاهب السنة المشهورة، وله في ذلك مصنفات متعددة. قال فيه صاحب التحديث بمناقب أهل الحديث: هو أحد أعلام الأئمة والعلماء الفضلاء، أجودهم تصنيفاً وأحسنهم ترصيفاً... وكان أهل المغرب يعظمونه ويقولون: من استجاز الوقيعة في ابن قتيبة يتهم بالزندقة، ويقولون: كل بيت ليس فيه شيء من تصنيفه فلا خير فيه، قلت -أي شيخ الإسلام-: ويقال هو لأهل السنة مثل الجاحظ للمعتزلة، فإنه خطيب السنة، كما أن الجاحظ خطيب المعتزلة" .


هذه هي حال ابن قتيبة كما حكى شيخ الإسلام ومع ذلك يتهمه سبط ابن الجوزي في عقيدته بالتشبيه وبأنه يرى رأي الكرامية.




محمد بن الفضل

قال السلمي في محن الصوفية: لما تكلم محمد بن الفضل ببلخ في فهم القرآن وأحوال الأئمة، أنكر عليه فقهاء بلخ، وقالوا: مبتدع، وإنما ذاك بسبب اعتقاده مذهب أهل الحديث.



الإمام البربهاري:

قال أبو الحسين الفراء: كان للبربهاري مجاهدات ومقامات في الدين، وكان المخالفون يغلظون قلب السلطان عليه، ففي سنة إحدى وعشرين (وثلاث مائة) أرادوا حبسه فاختفى، وأخذ كبار أصحابه، وحملوا إلى البصرة، فعاقب الله الوزير ابن مقلة، وأعاد الله البربهاري إلى حشمته وزادت، وكثر أصحابه، فبلغنا أنه اجتاز الجانب الغربي، فعطس فشمته أصحابه، فارتفعت ضجتهم، حتى سمعها الخليفة، فأخبر بالحال فاستهولها، ثم لم تزل المبتدعة توحش قلب الراضي حتى نودي في بغداد: لا يجتمع اثنان من أصحاب البربهاري؛ فاختفى وتوفي مستتراً في رجب سنة ثمان وعشرين وثلاث مائة.




أبو عثمان المغربي


ومنهم أيضاً أبو عثمان المغربي قال عنه الذهبي :الإمام القدوة شيخ الصوفية أبو عثمان سعيد بن سلاَّم المغربي القيرواني نزيل نيسابور.
قال السلمي: كان أوحد المشايخ في طريقته، لم نر مثل في علو الحال وصون الوقت، امتحن بسبب زور نسب إليه، حتى ضرب وشهر على جمل ففارق الحرم .




الخطيب البغدادي

قال محمد بن طاهر: حدثنا مكي بن عبدالسلام الرميلي، قال: كان سبب خروج الخطيب من دمشق إلى صور، أنه كان يختلف إليه صبي مليح، فتكلم الناس في ذلك، وكان أمير البلاد رافضياً متعصباً، فبلغته القصة، فجعل ذلك سبباً إلى الفتك به، فأمر صاحب شرطته أن يأخذ الخطيب بالليل فيقتله، وكان صاحب الشرطة سنياً، فقصده تلك الليلة في جماعة ولم يمكنه أن يخالف الأمير، فأخذه وقال: قد أمرت فيك بكذا وكذا، ولا أجد لك حيلة إلا أني أعبر بك عند دار الشريف ابن أبي الجن، فإذا حاذيت الدار اقفز وادخل فإني لا أطلبك، وأرجع إلى الأمير فأخبره بالقصة، ففعل ذلك، ودخل دار الشريف ابن أبي الحسن، فأرسل الأمير إلى الشريف أن يبعث به، فقال: أيها الأمير، أنت تعرف اعتقادي فيه وفي أمثاله، وليس في قتله مصلحة، هذا مشهور بالعراق، إن قتلته قتل به جماعة من الشيعة وخربت المشاهد، قال: فما ترى؟ قال: أرى أن ينزح من بلدك، فأمر بإخراجه، فراح إلى صور وبقي فيها مدة .
وقال أبو القاسم بن عساكر: سعى بالخطيب حسين بن علي الدمنشي إلى أمير الجيوش، فقال: هو ناصبي يروي فضائل الصحابة وفضائل العباس في الجامع.


وليست هذه التهمة نهاية ما تعرض له الخطيب من التهم فمن عجائب ذلك ما اتهمه به النخشبي فقال في معجم شيوخه ومنهم أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب... حافظ فهم ولكنه كان يتهم بشرب الخمر، كنت كلما لقيته بدأني بالسلام، فلقيته في بعض الأيام فلم يسلم علي، ولقيته شبه المتغير، فلما جاز عني لحقني بعض أصحابنا، وقال لي: لقيت أبابكر الخطيب سكران! فقلت له قد لقيته متغيراً واستنكرت حاله، ولم أعلم أنه سكران.



قال ابن السمعاني: ولم يذكر من الخطيب رحمه الله هذا إلا النخشبي مع أني لحقت جماعة كثيرة من أصحابه.
الشاطبي
يقول عن نفسه مصوراً ما اتهم به: فتارة نسبت إلى القول بأن الدعاء لا ينفع ولا فائدة فيه؛ كما يعزي إلى بعض الناس؛ بسبب أني لم ألتزم الدعاء بهيئة الاجتماع في أدبار الصلاة حالة الإمامة، وسيأتي ما في ذلك من المخالفة للسنة وللسلف الصالح والعلماء -وذلك أن هذه البدعة قد انتشرت عند الناس كانوا يلتزمون أن يدعو الناس بعد الصلاة بصوت عالٍ فأنكر الإمام الشاطبي هذه البدعة لأنها لم تكن واردة عن سلف الأمة فاتهموه بأنه يرى أن الدعاء أي أن دعاء الله عز وجل لا ينفع- ثم قال :وتارة نسبت إلى الرفض وبغض الصحابة -رضي الله عنهم - بسبب أني لم ألتزم ذكر الخلفاء الراشدين منهم في الخطبة على الخصوص، إذ لم يكن ذلك من شأن السلف في خطبهم، ولاذكره أحد من العلماء المعتبرين في أجزاء الخطب. وتارة أضيف إلي القول بجواز القيام على الأئمة، وما أضافوه إلىًّ إلا من عدم ذكرهم في الخطبة، وذكرهم فيها محدث لم يكن عليه من تقدم.ثم ذكر جوانب أخرى اتهم فيها رحمه الله.




ابن الجوزي

قال الذهبي: وقد نالته محنة في أواخر عمره، وشوا به إلى الخليفة الناصر عنه بأمر اختلف في حقيقته.



شيخ الإسلام ابن تيمية:

فقد امتحن وابتلي في عقيدته فاتهم بأنه ينتقص النبي صلى الله عليه وسلم والصالحين حين أفتى بتحريم شد الرجال إلى زيارة القبور وأصابه في ذلك ما أصابه .
واتهم أيضاً -حين أفتى في مسألة الطلاق- بخروجه عن إجماع الأئمة الأربعة وشذوذه، واتهم في عقيدته حين صنف العقيدة الواسطية وعقدوا له مجالس للمناظرة حكى أجزاء منها وهي موجودة في كتابه الفتاوى.




محمد بن عبد الوهاب:

اتهم بتهم كثيرة، منها أنه ينطبق عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم حين قال : " اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا قالوا يارسول الله وفي نجدنا قال : اللهم بارك لنا في شامنا، ثم قال الرسول صلى الله عليه وسلم : "نجد يطلع منها قرن الشيطان" قالوا : أن المقصود نجد التي خرج فيها محمد بن عبد الوهاب.


والمقصود ينجد هذه بلاد العراق حيث أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى المشرق، وقال حيث يطلع قرن الشيطان وذلك أن العراق في جهة المشرق وفعلاً منها الفتن والزلازل فالكثير من الفتن التي مرت بالأمة إنما جاءت من هناك .
واتهم ببغض النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه كان ينهى عن الصلاة عليه، واتهم بأنه صاحب مذهب خامس.




الخلاصة
:

الحديث حول هذه القضية حديث يطول لكن هذه هي صورة من صور الابتلاء التي يتعرض لها المصلحون وذلك لأسباب وعوامل منها :


1- أن هؤلاء المصلحين لابد أن يأتوا الناس بأمر لم يعهدوه، وإلا ما معنى الإصلاح؟ معنى الإصلاح أن يقول المصلح للناس إنكم تفعلون أمراً محرماً، أو تتركون واجباً؛ فيصعب على الناس ويشق عليهم أن يتركوا ما ألفوه وما اعتادوه؛ فيلجؤون إلى اتهامه في دينه ليبرروا موقفهم.


2 – قد يدفع لذلك الحسد حين يكتب للمصلح شهرة حسنة وقبول لدى الناس، وأكثر ما يقع ذلك من الأقران، وكما قيل: حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه.

وحينئذ يتلقف الشبة والاتهام من كان في قلبه هوى، ومن كان يحمل الاستعداد من الداخل لأن يسئ الظن بإخوانه المسلمين .
أما الذين تربوا بتربية القرآن فيحكمهم قول الله عز وجل ]لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً[ . ]فلولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم[.


ومما يلحظ في هذه المواقف أن هؤلاء المبطلين لا بد أن يزينوا باطلهم، ولا بد أن يلبسوه لباساً يقبله الناس؛ لهذا فهم يخرجون القضية كما يقال إخراجاً مقبولا؛ ذلك أنهم يستغلون موقفاً وقع فيه أولئك يمكن أن يصدقهم فيه الناس حين يتهمونهم، فموسى اتهم بالعيب في بدنه حين اغتسل بعيداً عن قومه، ومريم اتهمت بالسوء لما جاءت تحمل معها الغلام.
ولما جاءت عائشة رضي الله عنها مع صفوان قال ذاك الرجل الفاجر كلمة واحدة سارت بعد ذلك : امرأة نبيكم باتت مع رجل جاء بها يقودها فو الله لا نجت منه ولا نجا منها ? فسارت هذه الفرية .


والمقصود أنها سنة الله تبارك وتعالى سنة الله أن يكون الصراع بين أهل الحق وأهل الباطل، وسنة الله أن يبتلي المصلحون؛ ولهذا فينبغي للمسلم أن لا يستجيب لما يسمع خاصة عن أهل العلم والمصلحين.
أسأل الله عز وجل أن يقيض لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ناصراً ومعينا؛ إنه سميع مجيب هذا والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد، وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك



#10 غير متصل   ashlpi

ashlpi

    إسماعيلاوي قبل أن أولد

  • Members
  • 1042 مشاركة

تاريخ المشاركة 12 January 2008 - 05:50 PM

الدرس العاشر: الأخطــــاء


الحديث عن الأخطاء ليس حديثاً غريباً، سواءً أكان الحديث من خلال منهج منضبط أم غير ذلك، ومن يتحدث عن الأخطاء لابد أن يجد أمامه رصيداً ضخماً؛ لأن البشر أياً كان إيمانهم وتقواهم وعلمهم لابد أن يقعوا في الخطأ والذنب والتقصير، فضلاً عن الخطأ الآخر الذي هو ليس إثماً ولا ذنباً، إنما هو خطأ من قبيل الاجتهاد الذي يؤجر عليه صاحبه أجراً واحداً؛ لأن المجتهد إذا أخطأ فله أجر.


إذاً فما دام الخطأ صفةً ملازمةً للبشر باعتبار كونهم بشراً ابتداءً، فإننا بحاجة إلى الحديث عن منهج علاج الأخطاء، خاصة ونحن نرى الأخطاء أمام ناظرينا، ونحتاج أن نضبط هذا المنهج الذي نعالج به الأخطاء حتى لا نشتط ونقع في الخطأ ونحن نعالج الخطأ، إننا بحاجة إلى أن نحذر من الوقوع في الأخطاء حين نعالج أخطاءنا، سواءً كانت أخطاء تجاه أنفسنا - فالمرء يدرك الخطأ والتقصير على نفسه ويسعى إلى تصحيحه وعلاجه- أو كانت أخطاؤنا في الميادين التربوية من خلال الأسرة أو المدرسة أو أي مؤسسة تربوية .


ونحن أيضاً بحاجةٍ إلى انضباط المنهج في التعامل مع الأخطاء في أخطائنا العامة التي تقع في مجتمعاتنا والتي نسعى إلى علاجها، وبحاجة إلى رسم المنهج في علاج أخطاء المجتمعات الإسلامية، وفي علاج أخطاء الناس، وفي علاج أخطاء الصحوة الإسلامية .
ونحن نقول هذا لأننا نرى جميعاً أننا نرتكب أخطاءً باسم علاج الخطأ وباسم التصحيح وربما كان هذا الخطأ أكثر شناعةً وأكثر خطأً من الخطأ الأول وذلك راجع إلى افتقاد المنهج.



إن من يسعى إلى تصحيح الخطأ قد يتصور أن حسن مقصده، وسلامة نيته كاف في انضباط منهجه فيرى أنه مادام يريد الإصلاح و النصح والعلاج فهذا وحده كاف في أن يرفع عنه اللوم والمحاسبة ويؤهله أن يقول ما يشاء وأن يفعل ما يريد وأن يرتكب ما يحلو له باسم تصحيح الخطأ، لأنه ناصح ويريد الإصلاح ويريد الخير، ولئن كانت النية الحسنة وحدها ليست كافية في سلامة أي عمل وأي قول فهي أيضاً كذلك في تصحيح الخطأ . والنصيحة ليست مناط السلامة ولا النية وحدها ومن ثمّ كنا بحاجة إلى الحديث عن منهج تصحيح الأخطاء والوقوف عند بعض أخطائنا التي نقع فيها ونحن نعالج الأخطاء وربما كانت أكثر خطأً وأشد نتاجاً من الخطأ نفسه الذي حاولنا علاجه وإزالته، وسنطوف وإياكم في هذه القضايا أمام ميدان واسع رحب.


فسنتحدث تارة عن أخطاء أنفسنا، وتارة عن علاج الأخطاء التي تقع في المؤسسة التربوية الأولى - الأسرة -، وتارة في الأخطاء التي تقع في المؤسسات التربوية الأخرى ـ المدرسة وغيرها ـ، وتارة نتحدث عن المجتمعات وعن الصحوة، ولا جامع لهذا الحديث إلا أنه حديث عن الأخطاء في معالجة الأخطاء.




ومن هذه الأخطاء التي نرتكبها في التعامل مع الأخطاء :


الخطأ الأول: إهمال علاج الخطأ والتهرب من التصحيح.


وهو أسلوب قد يسلكه المرء مع نفسه، فيمارس حيلاً لا شعورية يتهرب فيها من المسؤولية ومن تحميل النفس بالخطأ، ويرفض أن يواجه بخطئه أو أن يقال له أخطأت، فهو يرفض النقد جملةً وتفصيلاً تصريحاً وتلميحاً، إشارةً أو عبارةً .
إننا لابد أن نقع في الخطأ في ذوات أنفسنا أو في أعمالنا في مؤسساتنا التربوية، أو على مستوى مجتمعاتنا ككل أياً كانت أعمالنا وجهودنا.



وحينئذٍ لابد من المصارحة والوضوح والاعتراف بالخطأ. ورفض الحديث عن الأخطاء أوالنقد إنما هو استسلام للخطأ وإصرار عليه، إنه لا يليق بالمرء أن يرفض المصارحة مع نفسه ومناقشة أخطائه ونقدها، أو يتّهم النقد الموجه له من الآخرين، وكذلك لا يسوغ لنا داخل مؤسساتنا التربوية أن نرفض المراجعة والتصحيح.


إن من حقنا بل من واجبنا أن نتحدث عن الأخطاء - ولابد أن تقع أخطاء - التي يقع فيها الأب تجاه تربيته لأبنائه حديثاً واضحاً صريحاً، وعن الأخطاء التي تقع فيها الأم في تربيتها لأبنائها وبناتـها.


ومن حقنا بل ومن واجبنا أن نطلب المراجعة لمناهجنا التربوية، سواءً كانت في المؤسسات التعليمية أوالتربوية. ومن حق أي ناقد مخلص أن يطالب بالتصحيح وأن ينتقد وأن يبدي وجهة نظره في مناهج التربية وبرامجها داخل المؤسسات التربوية الرسمية أو غيرها.ومن حقنا داخل قطاع الصحوة أيضاً أن نرفع أصواتنا وأن نطالب بإعادة النظر والتصحيح ومراجعة البرامج التربوية تارة بعد أخرى.
والتهرب من النقد ومن المراجعة، واتـهام من ينتقد إنما يعني الإصرار على الخطأ واعتقاد العصمة للنفس . فلابد أن نتربى ونربي غيرنا، وأن تتربى مجتمعاتنا على أن تكون لغة النقد البناء لغة سائدةً بين الجميع، وعلى أن يكون الحديث عن الأخطاء حديثاً لا تقف دونه الحواجز ولا العوائق، مادام ذلك داخل إطار النصيحة وداخل إطار النقد البناء.





الخطأ الثاني : ردة الفعل وعلاج الخطأ بخطأ آخر:

وهذا غالباً ما ينشأ عند زيادة الحماس لمواجهة هذا الخطأ ولنضرب على ذلك أمثلة في الواقع الشخصي:
أولاً: في واقع الإنسان نفسه فقد يكتشف الإنسان خطأً في نفسه وحينئذٍ يدعوه الحماس إلى تصحيح هذا الخطأ؛ فيتعامل مع نفسه بردة فعل، ويتعامل مع هذا الخطأ بخطأ آخر ربما كلف نفسه مالا يطيق، وربما وقع في خطأ آخر مقابل لهذا الخطأ فعلى


سبيل المثال :

حين يكتشف المرء مثلاً أنه مقصر في طلب العلم الشرعي ويرى أن أقرانه قد فاقوه وسبقوه، فيسعى إلى تصحيح هذا الخطأ، ويرسم لنفسه برنامجاً طموحاً برنامجاً لا يطيق أن يصبر على بعضه فضلاً عن أن يطيقه كله، وحين يبدأ التنفيذ ويخوض الميدان يصطدم بالواقع، ويرى أن ثمة مسافة هائلة بين المثال والواقع، بين تلك الصورة التي رسمها لنفسه والتي كان يتطلع إليها، وبين ما كان يمكن أن يصل إليه من قدر من التصحيح، وحين يصل إلى هذه الحال فإنه في الأغلب لا يعود إلى التوازن مرة أخرى حتى وهو يصحح هذا الخطأ . إذاً فيجب أن نحذر الحذر الشديد حين نحاول تصحيح أخطاء أنفسنا من الوقوع في ردة الفعل التي قد توقعنا في الغلو والمبالغة، أو قد توقعنا في خطأ آخر في الطرف المقابل كإهمال واجبات وحقوق أخرى، وما أكثر ما نقع في ذلك وكل هذا ناشئ عن ردة الفعل، وربما يكون هذا الخطأ الذي وقعنا فيه أشد من خطئنا الأول وقد يكون أيضاً تجاه أعمال الآخرين.
ويدل لذلك حديث الأعرابي المعروف الذي بال في المسجد فهو هنا قد وقع في خطأ، فأراد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن يعالجوا هذا الخطأ لكن النبي صلى الله عليه وسلم نهاهم أن يعالجوا الخطأ بخطأ آخر .


بل القضية تتعدى ذلك حين تكون ردة الفعل مسؤولة عن رسم المناهج أصلاً فكم نرى من مناهج للتغيير يراهن أصحابها عليها ويرون أنه لا منهج لتغيير الأمة إلا هذا ولا طريق إلا هذا الطريق وأي امرئ يسلك غير هذا الطريق بل أي امرئ لا يتطرف هذا التطرف الذي يتطرف به أصحابه فهو ضال منحرف زائغ لا يملك التأهل لإنقاذ الأمة والتغيير.


وحين تتأمل في هذا المنهج كله تراه لا يعدو أن يكون ردة فعل تجاه خطأ آخر ولا نريد أن نضرب الأمثلة فهي واضحة، لأن ضرب الأمثلة قد يثير بعض الحساسية خاصة في الحديث عن مناهج التغيير والمناهج الدعوية لكن أنت لو تأملت الواقع ووضعت أمامك قائمة من مناهج التغيير المطروحة في الساحة لرأيت أن عدداً منها لا يعدو أن يكون ردة فعل لعلاج خطأ في مناهج أخرى.
وحينئذٍ فالموقف الذي تتحكم فيه ردة الفعل بشكل واضح الغالب أن يقع في خطأ آخر مقابل الخطأ الأول وربما كان أشد خطأً منه.





الخطأ الثالث :رفض التصحيح العلني للأخطاء جملةً:

هناك أخطاء ينبغي أن تصحح من خلال قنوات خاصة وطرق شخصية وسرية، لكن ثمة أخطاء ومنكرات وقضايا لابد أن يُتحدث عنها وتعالج تحت ضوء الشمس وبوضوح.

ومناط الأمر في ذلك كله إنما يعود أولاً وأخيراً إلى المصلحة الشرعية، فحيث تقتضي المصلحة الشرعية علاج هذا الخطأ سراً وبطريقة شخصية فإنه ينبغي أن يعالج كذلك.

وحيث تقتضي المصلحة الشرعية علاج هذا الخطأ بصوره علنية واضحة فحينئذٍ الطريقة المثلى هي هذه الطريقة، والأمر يدور مع المصلحة الشرعية ولاشك أننا قد نجد داخل هذه الدائرة مجال اجتهاد في بعض الجوانب لكن أن نرفض التصحيح العلني للأخطاء جملة فهذا منهج مرفوض، وهو ناشئ أصلاً من عقدة رفض النقد ابتداءً .حيث قد تربينا على رفض النقد، وتربينا على اعتبار أن النقد والحديث عن الأخطاء يعني في الضرورة الضلال والتأثيم والفشل والعداوة إلى غير ذلك من اللوازم التي نربطها بتصحيح الخطأ.
لكن لو كنا تربينا على أنه يمكن أن ننتقد وأن نتحدث عن الخطأ بوضوح، وأن هذا لا يعني الفشل ولا يعني الإثم ولا يعني أن تكون لنا مقاصد مغرضة، و أنه يمكن أن يكون هناك حديث ونقد بناء عن الخطأ مع حسن النية وسلامة المقصد؛ لاستطعنا أن نبني منهجاً سليماً للنقد يمكن أن يستفيد منه الجميع.



ونحن نرى ونقرأ مثلاً في الصحف كثيراً من المقترحات ونقد بعض الأوضاع في المجتمع والمطالبة في التصحيح، فنرى من يطالب بزيادة اليوم الدراسي، ونرى من يطالب بإضافة مادة من المواد أو بتقليص أخرى، والجميع يتحدثون ولا أحد يرى أن في مثل هذا الحديث طعناً في المناهج التربوية واتهاماً لها بالفشل والقصور وعدم الوفاء بمتطلبات العصر، بل الجميع يرون أنه يمكن أن نتحدث ونقترح وليس بالضرورة أن يكون حديث كل امرئ حديثاً صواباً صحيحاً، ثم ليس بالضرورة أن يكون كل حديث عن الخطأ إنما هو حديث مقرون بسوء النية والمقصد، لكن حين يتحدث المصلحون عن المطالبة بالتصحيح يواجهون بألوان من الإرهاب الفكري، والمحاصرة للكلمة، من الصادقين ابتداءً قبل غيرهم فيقال : إن في هذا الكلام طعناً واتهاماً وإثارةً للبلبلة إلى غير ذلك من تلك الأوصاف التي يوصف بها الناصحون.


إن مجتمعات المسلمين تعاني من أزمات ومشكلات أياً كانت هذه الأزمات وهذه المشكلات، ولنأخذ مثلاً مشكلة ( المخدرات ) مشكلة تعاني منها مجتمعات المسلمين أجمع، والدليل على هذا أنك لا ترى دولة من دول المسلمين إلا وفيها جهاز أمني متكامل لمكافحة المخدرات، وهذا يعني بالضرورة أن هناك مشكلة اسمها (مشكلة المخدرات ) ويتحدث عنها في الصحف، ووسائل الإعلام، ويكتب عنها تحذيراً من الوقوع فيها، ومحاولات حثيثة لعلاج من وقع فيها إلى آخر المقاصد التي تدفع للحديث عن هذه المشكلة، ونرى أن باقي مشكلات مجتمعات المسلمين هي الأخرى شأنها شأن هذه المشكلة، ينبغي أن نتحدث عنها بوضوح وأن نتحدث عن حجم هذه الظواهر وعن انتشارها في المجتمعات فلماذا تكون عندنا حساسية مفرطة عندما نتحدث عن انتشار بعض المشكلات في مجتمعات ما ؟


قد يقال : إن في هذا تشكيكاً في المجتمع، وإثارة للبلبلة، وطعناً في المجتمع إلى غير ذلك، ولم يقل أحد من الناس إن تخصيص أجهزة خاصة في مكافحة المخدرات ومواجهتها أن هذا يعني اتهام المجتمع في أنه غارق في ظاهرة المخدرات.
وحين نعود إلى تاريخ الأمة نرى أنها بنت منهجاً واضحاً للنقد الواضح العلني، ولم تر أن ذلك يعني الطعن ولا التشكيك، خذ مثالاً رائعاً من تاريخنا عندما قام أحد الرعية لعمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو يخطب الناس على المنبرـ وقد كان خليفة ـ فيواجهه في الحديث عن الخطأ علانية، و عمر رضي الله عنه يناقشه حتى يقتنع الجميع وتحصل الحادثة نفسها مع معاوية رضي الله عنه ـ وهو خليفة ـ ونرى تلك الاختيارات الفقهية التي اختارها ـ مثلا ـً عمر رضي الله عنه أو اختارها عثمان، أو علي، أو غيرهم حول جمع المصاحف أو حول متعة الحج، أو حول الإتمام في الحج، أن كل هذه الاختيارات واجهت انتقاداً وواجهت حديثاً علنياً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم يرون أنهم لا يزالون إخوة، والجميع - المنتقِد والمنتقَد، المتحدث عن ما يرى أنه خطأ، والآخر الذي يقع فيما يرى أنه خطأ - يرون أنهم لم يتجاوزوا سياج الأخوة .



ونرى مثلاً أبا سعيد الخدري رضي الله عنه ينكر على مروان ؛ حين كان والياً على المدينة وقد قدّم خطبة العيد على الصلاة فيقول له ـ في محضر من الناس ـ : ( خالفت السنة يا مروان ).

ونرى من ينكر على بشر بن مروان، حين حرك يديه في الخطبة، ويخبر أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا يزيد على أن يشير بالسبابة ).



وحين ندعو إلى إهمال هذا التصحيح، وإهمال الحديث عن التصحيح العلني، والحديث عن الأخطاء؛ فإن هذه دعوة إلى إلغاء كل التراث الذي حفظ لنا، التراث الذي يتحدث عن انتقاد المبتدعة، وأسمائهم، وأخطائهم، وانتقاد مناهجهم، وهذا يدعو إلى أن نصادر كل حدث، أو رواية أو موقف قام فيه أحد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أو قام به سلف الأمة، أو من تلاهم بعد ذلك من الناصحين، أن نصادر هذه الروايات، وأن نغض طرفاً عنها، وأن لا نخرجها للناس؛ لأن هذه تربي الناس على الحديث العلني عن الخطأ ؛ بل لعل هذا المنهج أن يدعونا إلى التعسف في تأويل نصوص صحت عنه صلى الله عليه وسلم واضحةً وضوح الشمس، فقد بايع صلى الله عليه وسلم أصحابه على السمع، والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أن يقولوا بالحق حيث كانوا لا تأخذهم في الله لومة لائم.




وأخبر صلى الله عليه وسلم أنه واجب على كل مسلم أن يقول بالحق حيث رآه، أو علمه، وأن ينكر المنكر حيث رآه، ونهى ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن تمنع هيبة الناس آمراً أن يقول بحق رآه، أو علمه.


إذاً فنحن حين نكون واقعيين ومنطقيين، فإنه خير لنا أن نبني منهجاً سليماً للنقد يتحدث عن الأخطاء تحت ضوء الشمس، ويتحدث عن الأخطاء علانيةً لكن يكون هذا محاطاً بسياج المصلحة والحكمة بعيداً عن مقصد الإثارة والتشكيك واتهام النوايا.
الخطأ الرابع:المثالية.



وذلك أن نكون مثاليين؛ فنطلب من أنفسنا، أومن أبنائنا، أو بناتنا أو حتى من مجتمعاتنا أو من جيل الصحوة صورة مثالية.
ونحن حين نرسم هذه الصورة نحاسبهم عليها، فالأم ـ مثلاً ـ كثيراً ما تعاتب أطفالها وربما تعاقبهم على أخطاء لابد أن يقع فيها الطفل مادام طفلاً، فحين يأتي الطفل ويعبث ببعض أثاث المنزل، أو يعمد إلى آنية فيكسرها، أو يسيء إلى أحد إخوانه الصغار، تعاتبه الأم وتعاقبه وربما كانت العقوبة شديدة وهي تطلب منه أن يكون منضبطاً مثالياً فلا يسيء إلى إخوانه الصغار ولا يعبث بالتراب ولا يعبث بالأثاث، ولا يرفع صوتاً ولا يبكي ولا، ولا… إلى آخر هذه القائمة ولو راجعنا بحق تعاملنا مع أبنائنا وبخاصة الصغار لرأينا أننا مثاليون كثيراً فنطلب منهم صورة مثالية لا يمكن أن يصلوا إليها، وبناءً على هذه الصورة التي نرسمها نحاسبهم عليها .



وقل مثل ذلك في الدعاة إلى الله عز وجل وطلبة العلم والشباب الأخيار، فالمجتمع ينظر إليهم ويطلب منهم صورة مثالية، بل إننا كثيراً ما نطلب منهم أن يكونوا معصومين، فنطلب منهم التجرد عن ذواتهم، والارتفاع عن كل ما يقع فيه بشر، وحين نرسم في أذهاننا صورة للعامي وأخرى لطالب العلم، وأنه ينبغي أن يكون على هذه المواصفات، وصورة ثالثة للشاب المسلم وهي صورة مثالية، صورة نظرية أخذناها بعيداً عن الواقع الذي نعيشه، وبعيداً عن الواقع البشري، حين نرسم هذه الصور فإننا سنحاسبهم عليه، ويترتب على هذا أن نعتبر من الأخطاء ما ليس كذلك، وأن نرى أن الأخطاء التي هي طبيعية أصلاً، أو نرى أن التصرفات الطبيعية التي لابد أن تصدر من البشر نراها أخطاءً، وقل مثل ذلك في الطالب، فالأستاذ قد يرسم صورة مثالية للطالب فيرى أنه ذاك الطالب الذي يلتزم بالأدب التام فلا يسيء الأدب مع أستاذه، في استئذانه، وحديثه، ولا يسيء الأدب مع زملائه، ولا يمكن أن يتأخر عن أداء الواجب يوماً من الأيام ولابد أن يفهم ما يلقى عليه فهماً سليماً، ولا يسوغ له أن ينشغل عن الدرس، ولا أن يلهو، أو يتأخر عن الحضور إلى الفصل، أو يغيب، أو تصيبه عوارض، إلى آخر تلك المثاليات...



ثم يرسم هذه الصورة ويحاسب تلميذه بناءً عليها ويطلب من التلميذ أن يعيش في جوٍ مثالي ، والأستاذ نفسه ربما وقت الطلب لم يصل إلى جزء مما يطالب تلامذته أن يصلوا إليه، وحين يكون الأستاذ والمربي واقعياً في التعامل مع من يربيه فهو حينئذٍ لابد أن يأخذ في الذهن أنه يتعامل مع بشر تعتريهم عوارض النقص والغفلة والنسيان والهوى، عندئذٍ سيضع الأخطاء في إطارها الطبيعي وحجمها المعقول .



الخطأ الخامس : التعذر بالبشرية:

وهذا أمر صحيح، فإن البشر لابد أن يقعوا في الخطأ لكن ليس هذا عذراً نضرب به في وجه كل من يطالب بالتصحيح، وحين نقول هذا العذر فإننا ينبغي أن نقوله ونحن أولاً :نحمل العزيمة والإرادة الجادة والاستعداد للتصحيح ، ثم ثانياً : نحن على استعداد لأن نتحمل تبعة هذا الخطأ .



ولو أن إنساناً يسير في الطريق فسنطالبه بأنظمة المرور وأن يكون منتبهاً، وأن يترك مسافة بينه وبين السيارة التي أمامه، لكن الإنسان بشر قد ينشغل مثلاً فتقف السيارة أمامه فجأةً فيصطدم بها، وحين يطالبه ذلك الشخص بأن يتحمل مسؤولية الخطأ الذي وقع فيه وأن يقوم بإصلاح سيارته فإنه لا يقبل منه بحال أن يعتذر عنه بأنه بشر والبشر قد ينسى وقد يسهو وقد يغفل…
نعم قد يفعل ذلك كله لكن عليه أن يتحمل تبعة الخطأ الذي وقع فيه؛ فيقوم بإصلاح ما أفسد ولهذا فإن الخطأ الذي يقع من الإنسان ويترتب عليه تلف في أموال الآخرين أو أبدانهم لا يعذر فيه أبداً بالخطأ، فقتل الخطأ مثلاً يطالب الإنسان فيه أن يدفع الدية، وقل مثل ذلك في الإتلاف لو أتلف مال غيره خطأ فهو مطالب بالضمان مع أنه بشر، وقيمة الخطأ هنا أنه رفع عنه الإثم لكن بقي أن يتحمل تبعة الخطأ .



المقصود أننا يجب أن نتوازن فلا نطلب من الناس المثالية، ولا ندافع عن أخطائهم ونسوغ أخطاءهم بحجة أنهم بشر، فقد نرى –على سبيل المثال- الأب كثيراً ما يعتذر عن ابنه بأنه مراهق وأن هذا شأن الشباب، وقد نرى مثلا أيضاً أستاذاً يعتذر عن حال طلابه بأنهم مراهقون، وهكذا نعتذر عن الخطأ، وربما نعتذر عن الكبائر بحجة أن من يفعلها بشر وبحجة أنهم يعيشون في عصر مليء بالفتن والمغريات إلى غير ذلك.




الخطـأ السـادس : الإسقاط والتبرير وغيرها:


قد نعترف بالخطأ؛ لكننا لا نحمل أنفسنا مسؤولية الخطأ فنحاول مثلاً أن نحمل غيرنا الخطأ أو نحاول أن نبحث عن أسباب وعوامل وهمية نعلق عليها مسؤولية الخطأ وقد تحدثنا عن هذه القضية في درس بعنوان ( دعوة للمصارحة) فلا نريد أن نطيل فيها.




الخطأ السابع : الخطأ في مقاييس تحديد الخطأ


عندما نقول إن هذا الأمر خطأ فعلى أي أساس اعتبرنا أن هذا الأمر خطأ ؟ فمثلاً قد نعتبر الخروج عن المألوف خطأ، فمن يأتي بشيء جديد مخطئ لا لشيء إلا لأنه جاء بأمر جديد لم نألفه وأظن أن هذا المنطق منطق مرفوض من الجميع، وهذا منطق عقلية الذين يرفضون التجديد، والمنطق نفسه هو الذي قاد قوماً من الناس إلى أن قالوا (إنا وجدنا آباءنا على أمة).
أيضاً أن يكون المقياس مثلاً قول فلان من الناس ؛ فنعتبر أن من خالف قول فلان من الناس أياً كان شأنه ومكانته فهذا خطأ، ونعتبر أن فلاناً هذا هو الحاكم على أقوال الناس، وعلى أعمال الناس، فإذا قال أحد قولاً يخالف قوله فهذا يعني أنه خطأ، وحين يقول قولاً فمن أقرّ به صوبناه، ومن خالفه خطأناه بل وحاسبناه على ذلك، وهذا منهج مرفوض تحدث عنه أئمة الإسلام، وممن تحدث عن ذلك شيخ الإسلام في مواضع كثيرة ومما قاله في ذلك :


" وإذا قيل لهذا المستهدي المسترشد أنت أعلم أم الإمام الفلاني ؟ كانت هذه معارضةً فاسدةً؛ لأن الإمام الفلاني قد خالفه في هذه المسألة من هو نظيره من الأئمة، ولست أعلم من هذا ولا من هذا ولكن نسبة هؤلاء إلى الأئمة كنسبة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأُبي ومعاذ ونحوهم إلى الأئمة وغيرهم..." إلى آخر كلامه.



يعني أنه عندما يقول فلان من الناس قولاً يخالف قول هذا الرجل الذي جعلته حكماً فإنه وإن خالف قول هذا الرجل الذي هو أعلم منه وأتقى منه، إلا أنه قد وافق غيره ممن هو أعلم من هذا العالم الذي نصبته حاكماً على أقوال الناس وعلى آرائهم.
وقال أيضاً : " قال الله تعالى: ( وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله)، وقال: ( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله و الرسول) فالأمور المشتركة بين الأمة لا يحكم فيها إلا الكتاب والسنة، ليس لأحد أن يلزم الناس بقول عالم، ولا أمير، ولا شيخ، ولا ملك، فالحكم فيها للكتاب والسنة" .



وهذا منطق المقلد ومنطق الإرهاب الفكري، حين نحتج على الناس بأن هذا القول يخالف قول فلان أو يخالف ما قرره فلان ؛ فليس من أحد كائناً من كان حجةٌ على هذه الأمة ؛ إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي يجادل ويحاج ويخطِّئ الناس ينبغي أن يجادل ويحاج بالمنطق والدليل والبرهان الشرعي.





الخطأ الثامن : الخطأ في التعامل مع مسائل الاجتهاد

وذلك أن هناك مسائل هي مسائل اجتهاد، الأمر فيها سائغ وقد اختلفت الأمة فيها ولا يزال الخلاف فيها إلى أن تقوم الساعة، وحين نعمد إلى تخطئة الناس في هذه المسائل، وربما التشنيع و الإغلاظ عليهم فإن هذا منهج مرفوض وقد تحدث الأئمة عن ذلك في باب الإنكار.


قال ابن قدامة : "لا ينبغي لأحد أن ينكر على غيره العملَ بغير مذهبه فإنه لا إنكار في المجتهدات ".
وقال الإمام النووي :" ثم العلماء لا ينكرون إلا ما اجتمعت عليه الأمة، وأما المختلف فيه فلا إنكار فيه " .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : " بل المجتهد المخطئ لا يجوز ذمه بإجماع المسلمين " فما بالكم بما هو أعلى من الذم كالاتهام بالضلال والانحراف والخلل في المنهج إلى غير ذلك بحجة أنه خالف في مسألة من مسائل الاجتهاد ـ


وقال أيضاً : " مسائل الاجتهاد من عمل فيها بقول بعض العلماء لم ينكر عليه ولم يهجر، ومن عمل بأحد القولين لم ينكر عليه " .
والأقوال عند الأئمة في ذلك محفوظة مشهورة مدونة . إن مسائل الاجتهاد -وهي التي ليس فيها دليل صريح من كتاب الله ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم -لا يسوغ أن ينكر على الناس فيها ونخطئهم ونؤثمهم، خاصةً إذا انطلقوا من خلال اجتهادهم أياً كان هذا الاجتهاد، بل إننا نرى مثلاً أن هناك من يحول بعض مسائل الاجتهاد إلى أصول وإلى منهج، فيقيم الناس من خلاله ويضللهم ويخطئهم ويؤثمهم عليه.



ولنضرب على ذلك مثالاً حتى تكون الصورة واضحة : بعض الأخوة العاملين في المراكز الصيفية يقوم ببعض الأنشطة المستحدثة المعاصرة والتي اختلف أهل العلم في حلها وحرمتها، أو مشروعيتها أو عدم مشروعيتها وعل سبيل المثال ( قضية التمثيل وغيرها.. ).


ولا نريد أن نخوض في هذه المسائل، لكن أياً كان الرأي الذي نصل إليه فهي مسائل اجتهاد ليس فيها نصٌ صريح، واضح، يقطع بحرمتها، وعدم مشروعيتها، أو يقطع بالعكس.


ولئن كان الأمركذلك وتوصلت أنت إلى قناعة تامة أدت بك أن تتيقن في أن قولك حق، فيجب أن تضع في ذهنك وتتصور أن هناك من أهل العلم الذين لا يقلون عنك علماً وورعاً قد قالوا بخلاف ذلك، وهذا لا يعني بالضرورة أن قولهم أصوب منك، لكنه يعني أن القضية دائرة في مجال الاجتهاد، فلماذا تقام معارك حول هذه القضية ونجعلها قضية منهج؟ بل إنك ترى وتجد بعض الناس يجعل أن من منهج الدعوة تحريم التمثيل، أو يقول إن بعض الناس عندهم خلل في منهج الدعوة، ذلك أنهم يقعون في التمثيل إلى غير ذلك، وبناءً على ذلك فلا يمكن لهؤلاء أن يصلحوا الأمة أو يفعلوا خيراً وأنهم آثمون .
والحق أنه لا يأثم ما دام قد استند إلى اجتهاد أو فتوى للمعتبرين من العلماء، وغاية ما يقال فيهم أنهم اجتهدوا فأخطأوا وهكذا يكون تحديد مقياس الخطأ .



بل هناك من يشن حرباً مثلاً على بعض هذه الأنشطة، ولو ناقشته وجدت أن السبب هو هذه القضية، وقل مثل ذلك في قضايا أخرى، وكلها ناشئة عن ضيق العطن حول مسائل الاجتهاد، وحول التعامل معها.
وقد يبحث البعض مسألة من مسائل الاجتهاد ويستقصي أدلتها ؛ فيتضح له أن الأدلة الشرعية تدل على هذا القول، فمن حقه أن يصل إلى هذه القناعة، أو يتبنى هذا الرأي أو يعلنه للناس، لكن ليس من حقه أن يصادر اجتهادات الآخرين ويسفه قناعتهم بحجة أن هذا هو مقتضى الكتاب والسنة، وهذا هو ما تؤيده الأدلة الشرعية فالمعرض عنه معرض عن الكتاب والسنة، والرافض له رافض لسنة النبي صلى الله عليه وسلم وهو إما مقلد أو صاحب هوى.



وكم تقذف لنا المطابع ودور النشر من كتاب يبحث مسألة من مسائل الاجتهاد اختلف السلف فيها ولكلِ قولٍ مرجحٌ من الأئمة المعتبرين، فتقرأ في مقدمة الكتاب أو البحث الذي استقصى فيه صاحبه أن هذا البحث جاء ليضع النقاط على الحروف في هذه المسألة المعضلة التي كثر الجدل حولها وطال، ويبحث صاحبنا فيجيّر كل القواعد الحديثية، والفقهية، والأصولية لصالح ما توصل إليه.
ونحن لا نعترض أبداً على بحث هذه المسائل والاستقصاء فيها ونقاشها، لكن أن يصور الباحث للناس أن هذا البحث جاء ليقطع في هذه المسألة ويضع النقاط على الحروف، فأظن أن هذا منهج مرفوض.


من حقك أن تقضي ساعات طويلة لتقرير قولك؛ بل تؤلف وتناظر عليه، لكن ينبغي أن تحترم اجتهادات الآخرين، وينبغي أن ترى أنه مع ذلك لا تزال هذه المسألة مسألة اجتهاد.


وقد نرى الصورة تتكرر في مجال آخر فقد يأتي ـ مثلاً ـ بعض الناس إلى تحقيق كتاب لأحد الأئمة ويرجح مثلاً هذا الإمام ـ كابن القيم ـ قولاً في مسألة اجتهادية تخالف ما يراه الأخ المحقق فيضع حاشية صفحات طويلة يسرد فيها الأدلة ويقرر فيها أن المؤلف وهم رحمه الله باختيار هذا القول، وأنه خالف الصواب، والقضية قضية اجتهاد.


وليس من حق المحقق أبداً الاعتراض على هذا الإمام في ترجيحه، والقارئ إنما اشترى هذا الكتاب لأنه من تأليف ابن القيم لا أنه من تأليف فلان من الناس، واقرؤوا الكتب المحققة لتروا مثلاً الكثير ممن يحقق يملأ لك صفحات هائلة في الحواشي في مناقشة المؤلف والإمام في مسألة اجتهادية ربما كان الحق فيها مع المؤلف.

وأظن أنه ليس من التوازن العلمي ولا الترشيد في التأليف والكتابة أن تجد في المكتبات الإسلامية عشرات الكتب حول مسألة اجتهادية وربما كانت سنة من السنن، في حين أن هناك قضايا أهم منها تستحق التأليف والجدل والمناظرة ولكنها تهمل وتطوى.
الخطأ التاسع : افتراض التلازم بين الخطأ والإثم والضلال
وذلك أننا قد نتصور أن الخطأ يعني في الضرورة الإثم، وأننا حينما نقول أخطأ فلان فذلك يعني أنه آثم، وحينما نقول أخطأ فلان فهذا يعني أنه غير مؤهل.. إلى غير ذلك.



وهذه من أكبر العقد في مواجهة النقد، وأظن أننا لو قضينا على هذه الإشكالية لاستطعنا أن نبني منهجاً سليماً للنقد ؛ حين نستوعب هذه القضية وتكون واضحة عندنا يهون عندنا النقد ونتقبله؛ لكن المشكلة أننا نتصور أنه عندما نقول إن فلاناً أخطأ فهذا يعني اتهامه بالجهل والحطّ من شأنه وعلمه ومكانته، ولهذا عندما تتحدث مثلاً عن قضية وتخالف اجتهاد غيرك يشغّب عليك في الحديث عن مكانة العالم أو مكانة فلان .. إلى غير ذلك.



يقول شيخ الإسلام رحمه الله : "فأما الصديقون والشهداء والصالحون فليسوا بمعصومين، وهذا في الذنوب المحققة ـ يعني في القضايا التي يعلم أنها ذنب حقاً ـ وأما ما اجتهدوا فيه: فتارة يصيبون وتارة يخطئون، فإذا ما اجتهدوا فأصابوا فلهم أجران، وإذا اجتهدوا فأخطؤوا فلهم أجرٌ على اجتهادهم وخطؤهم مغفورٌ لهم، وأهل الضلال يجعلون الخطأ والإثم متلازمين، فتارة يغلون فيهم ويقولون إنهم معصومون، وتارة يجحفون فيهم ويقولون إنهم باغون في الخطأ، وأهل العلم والإيمان لا يعصمون ولا يؤثمون، ومن هذا الباب تولد كثير من فرق أهل البدع والضلالة ".


وقال أيضاً : " وإذا ثبت في الكتاب المفسر بالسنة أن الله قد غفر لهذه الأمة الخطأ والنسيان فهذا عام عموماً محفوظاً، وليس في الأدلة الشرعية ما يوجب أن الله يعذب من هذه الأمة مخطئاً على خطئه ".



وهذا الخطأ ينشأ عنه خطآن :

الخطأ الأول :

رفض التصحيح ورفض النقد لأنه بالضرورة يعني التأثيم والضلال.
وينشأ عنه أيضاً : الطعن في الشخص الذي يقع في الخطأ واعتقاد زيغه .




الخطأ العاشر: إهمال البعد الزمني في تصحيح الخطأ.

حين نكتشف الخطأ فإننا ينبغي أن نكون واقعيين، وأن نرى أن هذا الخطأ كان نتيجة تراكم عوامل عدة، وحين نسعى إلى تصحيحه فإن هذا يعني بالضرورة أن نعطيه المدى الزمني الكافي في تصحيحه حتى يمكن أن نصححه، فلو أن إنساناً اكتشف بنفسه أنه حادّ وسريع الغضب وأراد أن يصحح هذا الجانب في نفسه، فإنه ينبغي أن يعلم أنه لا يمكن أن يتحول من إنسان سريع الغضب سريع الانفعال إلى إنسان حليم بين يوم وليلة، بل لابد أن يتدرج في ذلك و عندما تكتشف عند ابنك أو عند من تربيه خطأ أياً كان ذلك الخطأ فمن الظلم أن تطالبه بتصحيح الخطأ في وقت يسير.



وقل مثل ذلك في الصحوة، إن عمر الصحوة لا يزال قصيراً، وهذا الجيل المتوافد على الخير والهداية جيل نتاج تربية المجتمع، ولا يسوغ أبداً بحال بل ومن الظلم أن نحمّل جيل الصحوة الأخطاء التربوية، لأن هذا جيل نتاج تربية آباء وأمهات ومؤسسات تربوية عامة، وهذا جيل من إفراز مجتمع يعيشه وليس بالضرورة أن يكون مسؤولاً عنه من يربيه ولا أن تكون مسؤولة عنه الصحوة ذاتها، وحين نسعى إلى تصحيح الأخطاء في هذا الجيل ( جيل الصحوة ) ونسعى إلى منهج من النضج فإننا ينبغي أن نعطيه المدى الزمني الذي يمكن أن يؤهله لحل هذه المشكلة إذا أردنا أن نكون واقعيين.




الخطأ الحادي عشر :إحراج الواقع في الخطأ :

حين نريد أن نصحح الخطأ عند إنسان يقع في الخطأ فلا يسوغ أ ن نحرجه، ومن ذلك مثلاً أن لا نعطيه فرصة للتفكير، حتى يفكر في خطئه ويراجع نفسه؛ فمن طبيعة النفس أنه يصعب عليها الاعتراف بالخطأ، فحين تحاصر صاحبك في زاوية ضيقة وترى أنه لابد أن يعترف لك ويقول إنني أخطأت، فهذا منطق غير معقول، لكن لو أعطيته فرصة للتراجع، وبحثت له عن المسوغات والمبررات التي أوقعته في هذا الخطأ، كأن تقول له إنني أعرف أنك قد وقعت في هذا الخطأ بسبب كذا وكذا، وأن هناك عوامل أدت بك إلى الوقوع فيه، ولسنا نريد اتهامك ولكن نريد أن تصحح هذا الخطأ، فعندما تسلك معه هذا المنهج فإنك يمكن أن تعينه على الاعتراف فعلاً بالخطأ.



كذلك فان اختيار الوقت والمكان المناسبين لعلاج الخطأ أمر مهم، عندما يأتي الأب أو الأم مثلاً فيلوم الطفل أمام إخوته فهذا بلا شك إحراج له، ومدعاة لرفضه ما يقال له.


وعندما تأتي لإنسان وذهنه مشغول أو في طور الحماس لرأيه والحديث عنه وتبريره، فهو في موقف غير مناسب أن تفاجئه بالحديث عن الخطأ، لكن عندما تنتظر إلى أن يهدأ حماسه وتناقشه في الخطأ فإنك حينئذٍ تعطيه فرصة مناسبة ولا تحرجه.
إننا حين نسلك هذا المنهج فإننا سنفشل كثيراً في تصحيح كان من الممكن أن ننجح فيها لو سلكنا منهجاً أكثر اعتدالاً وتوازناً.




الخطأ الثاني عشر : أن نفترض المخطئ خصماً :


وهذا كثير ما ينشأ في الردود، فتفترض أنه خصم وتكشف عن عواره وتظهر خطأه وتحسسه بمخالفة قوله أو فعله للإجماع والقياس والاستحسان و … . هذا الأسلوب قطعاً سيولد لديه ردة فعل فيبدأ في البحث عن مسوغات وقد يتعصب لرأيه ويبحث عمّا يبرره .
حين تكون جاداً في تصحيح الخطأ فلا تجعل المخطئ خصماً لك، وأما إن عاملته بالخصومة فاعرف حينئذٍ أنك لم تزد على أن أثرت الحماس عنده وعند أتباعه لخطئه الذي وقع فيه.




الخطـــأ الثالث عشر :المبالغة في تصوير الخطأ:

قد يقع الإنسان في خطأ عن اجتهاد أو هوى فنضخم الخطأ، ونعطيه أكبر من حجمه، ومنطق الحق والاعتدال أن نضع الخطأ في إطاره الطبيعي وحجمه المعقول، وقل مثل ذلك مثلاً في أسلوب الإنسان مع نفسه حين يضخم الأخطاء التي يقع فيها ويعطيها أكبر من حجمها فيتولد عنده شعور بأنه فاشل، وأنه غير مؤهل للنجاح، فيجب أن نضع الخطأ في إطاره الطبيعي ولا نضخمه .




الخطأ الرابع عشر :الحديث عن طرف واحد من المخطئين:

قد يأتي أحد المسلمين الغيورين ويسلك أسلوباً في إنكار منكرٍ من المنكرات التي ابتليت بها مجتمعات المسلمين، أسلوباً نرى أنه خاطئٌ، وحينئذٍ يعامل بعنجهية وقسوة وظلم، فيعتقل ويقتل و.. ما الذي يحصل ؟ الذي يحصل للأسف أننا كثيراً ما نتحدث عن خطأ هذا الشخص ونقول إنه جر على نفسه وجر على الصحوة وفعل وفعل، وأما الشخص الآخر فكأنه أقل إساءة أو غير مسيء أصلاً، وكم يدركك الأسف حينما ترى بعض الناصحين يتحدثون عن صراعٍ يدور بين بعض الدعاة -ولنفترض أنهم مخطئون فعلاً-، فهل هذا يسُوِّغ للأخيار من طلاب العلم أن يتحدثوا عن خطأ هؤلاء وأنهم تعجلوا وجروا وفعلوا وفعلوا ..



فلماذا لا نكون واقعيين ومنطقيين ونضع كل خطأ في حجمه الطبيعي . ولنفترض أن الداعية أخطأ في منهجه نعم من الممكن أن نتحدث عن الخطأ الحاصل لكن الآخر الظالم المجرم لماذا لا نتحدث عن خطئه ؟ !



وإذا ادعينا مثلاً أن ظروفاً معينة قد لا تمكننا من الحديث عن خطأ هذا الظالم المتجبر، ومن المتوقع أن نصل إلى هذه النتيجة فلنترك القضية كلها جملةً وتفصيلاً ؛لأننا حين نتحدث عن طرف واحد ضعيف فإننا نصور للناس أن هذا الشخص بريء، وأنه حين أراق الدماء وحين فعل وفعل فهو غير مسؤول، والمسؤول الأول والأخير هو ذاك الذي وقع في الخطأ، وكثيراً ما نقع في هذا الخطأ في التعامل خاصة مع القضايا التي تحصل في العالم الإسلامي من الدعاة إلى الله عز وجل والعاملين للإسلام.




الخطــأ الخامس عشر :البحث عن الخطأ والفرح به:


حينما يقرأ الإنسان ويسمع ويفتش عن الخطأ وإذا وقع على خطأ فرح به وكأنه حصل على كنز ثمين، وصار يخبر الناس ويدلهم على هذا الخطأ فهذا خطأ فادح في معالجة الخطأ، وإذا عرفت هذا في نفسك أو عرفته في غيرك فاعلم أن هذا غير جادٍ في النصيحة وأن هذا غير جاد في تصحيح الخطأ وأنه رجل إنما يفتش عن الأخطاء.




الخطأ السادس عشر : التمحل في إثبات الخطأ :

وهذا قد يكون من خلال القول باللازم فيقول يلزم من كلامك كذا وكذا، ولعلك تقصد كذا، أوتريد كذا، ويبدأ الحديث عن النوايا . إنك حينما قلت كذا تريد فلاناً وحينما قلت كذا تريد كذا، وإلى غير ذلك وهذا كله ناشئ عن التمحّل والسعي إلى إثبات الخطأ، ولو كنا نجري الناس على ظاهرهم لسلمنا من كثير من مثل هذه المواقف، وغالباً ما يظهر هذا في الردود .
ولنضرب على ذلك مثلاً : فهذا أحد علماء أهل السنة المعاصرين الذين يشهدٌ لهم بالخير والتجديد قال كلمة حول القرآن بغض النظر أهي صحيحة أو غير صحيحة فماذا قال الذي يرد عليه؟


قال عنه: هذا دليل على أنه يرى خلق القرآن، وهو يعرف أن الشيخ لا يقول بخلق القرآن، لكن تمحل وحرَّف، ومثال آخر ما قيل عن بعض الدعاة من أنه يرى وحدة الوجود، مع أن ذلك الداعية صرح في مواطن من كتبه بالرد الصريح على دعاة وحدة الوجود وأولئك يعرفون هذا القول فلماذا ننسبه إلى هذه العقيدة الكفرية لأجل عبارة موهمة ؟
قد نقول إن هذه العبارة غير منضبطة ينبغي إبدالها ؛ لكن أن نتهمه بأنه يقول بوحدة الوجود هذا منطق خالٍ من العدل والإنصاف والمصلحة.



لخطــأ السابع عشر:إهمال محاسن الرجل:

نحن حين نتحدث عن خطأ إنسان فينبغي أن لا نهمل محاسنه وأن ننظر باعتدال.
قال سعيد بن المسيب ( رحمه الله ) :" ليس بشريف ولا عالم ولا ذي فضل إلا وفيه عيب ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبهم فمن كان فضله أكثر من نقصه ؛ وهب نقصه لفضله".


وقال محمد بن سيرين :"ظلم لأخيك أن تذكر منه أسوأ ما تعلم وتكتم خيره".
وقال شيخ الإسلام :"ومما يتعلق بهذا الباب أن يعلم أن الرجل العظيم في العلم والدين من الصحابة و التابعين ومن بعدهم إلى يوم القيامة، وأهل البيت وغيرهم قد يحصل منه نوع من الاجتهاد مقروناً بالظن ونوع من الهوى الخفي فيحصل بسبب ذلك مالا ينبغي اتباعه فيه وإن كان من أولياء الله المتقين ومثل هذا إذا وقع يصير فتنة لطائفتين طائفة تعظمه فتريد تصويب ذلك الفعل واتباعه عليه، وطائفة تذمه وتجعل ذلك قدحاً في ولايته وتقواه بل في بره وكونه من أهل الجنة بل في إيمانه بل حتى تخرجه من الإيمان وكلا هذين الطرفين فاسد والخوارج والروافض وغيرهم من أهل الأهواء دخل عليهم الداخل من هذا، ومن سلك طريق الاعتدال عظم من يستحق التعظيم وأحبه ووالاه، وأعطى الحق حقه، فيعظم الحق ويرحم الخلق، ويعلم أن الرجل الواحد تكون له حسنات وسيئات فيحمد ويذم ويثاب ويعاقب ويحب من وجه ويبغض من آخَر، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة خلافاً للخوارج والمعتزلة ومن وافقهم".



وقال ابن القيم رحمه الله :"فلو أن كل من أخطأ أو غلط تُرِكَ جملة وأُهدِرت محاسنه لفسدت العلوم والصناعات والحكم وتعطلت معالمها".

وهذا لا يعني بالضرورة عدم الحديث عن الأخطاء، لكن حين نتحدث عن الأخطاء فينبغي أن لا نهمل المحاسن، وينبغي أن نتحدث بتوازن .
الخطأ الثامن عشر : الحديث عن الخطأ ومظاهره دون الحديث عن الأسباب والعلاج:
قد نتحدث عن خطأ من الأخطاء أومشكلة من المشكلات ونفصل فيها، ثم لا نتحدث عن الأسباب والعلاج ، وكثيراً ما يقع هذا من خطباء الجمعة، إلا إذا كان في حالة ظاهرة ومقصد المتحدث هو التنبيه عليها فحينئذٍ قد نكتفي بمثل هذا العرض، لكن ينبغي حينما نتحدث عن الأخطاء بصفة عامه نحاول أن نتلمس الأسباب ومكمن الداء وأن نبحث عن بعض الخطوات التي يمكن أن نوصي بها لعلاج مثل هذا الخطأ.




الخطــأ التاسع عشر :اعتبار تصحيح الأخطاء وحده هو منهج التربية:

ذلك أن البعض من الآباء أو المربين قد يعتبر أن التربية ورفع مستوى هذا الشخص إنما يتم فقط من خلال إيقافه على أخطائه، ومن خلال الحديث عن أخطائه وحدها، وهذا منهج غير صحيح فحين لا نتحدث إلا عن الأخطاء فغاية ما نحققه إذا نجحنا أن نحافظ على الإنسان على موقف معين، لكننا ينبغي أن نتبنى منهج البناء والرفع من المستوى مع الحديث عن الخطأ وفق المنهج المنضبط، وحين لا نتحدث مثلاً عن الصحوة وعن الشباب إلا من خلال أخطائهم وما يقعون فيها فإننا لن نراوح مكاننا ونصور للناس من حولنا أنهم أهل فشل وتأخر وأن الخطأ أصبح صفة ملازمةً لهم.
أكتفي بهذا القدر من الحديث عن الأخطاء في علاج الأخطاء، وأرجو أن لا أكون قد وقعت في أخطاء وأنا أعالج مثل هذه الأخطاء.
والله تعالى أعلم.



#11 غير متصل   ashlpi

ashlpi

    إسماعيلاوي قبل أن أولد

  • Members
  • 1042 مشاركة

تاريخ المشاركة 12 January 2008 - 05:51 PM

الدرس الحادي عشر : التربية الذاتية


بسم الله الرحمن الرحيم
التربية الذاتية

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبدالله ورسوله، أما بعد:
فأول مسؤوليات الإنسان هي مسؤوليته عن نفسه، ومن ثم فحري به أن يعنى بتربيتها وإصلاحها، لذا كان لابد من الحديث عن التربية الذاتية، وهو موضوع حديثنا هذه الليلة.


ماذا نعني بالتربية الذاتية:


عندما نتحدث عن التربية الذاتية أو عن دور الشاب في تربية نفسه فإننا نقصد بها ذلك الجهد الذي يبذله الشاب من خلال أعماله الفردية، أو من خلال تفاعله مع برامج عامة وجماعية لتربية نفسه؛ فهي تتمثل في شقين: الأول : جهد فردي بحت يبذله الشاب لنفسه، الثاني :جهد فردي يبذله من خلال تفاعله مع برامج عامة، وسيأتي مزيد توضيح لهذا الجانب.
لماذا التربية الذاتية؟


عندما نطالب الشاب بأن يدرك مسؤوليته عن تربية نفسه، ونطالب الشاب بأن يقوم بجهد في تربية نفسه، فلماذا هذه المطالبة؟ وما المبررات والمسوغات للحديث عن هذه التربية الذاتية؟
إننا نقول لكل شاب، بل نقول لكل مسلم صغيراً كان أم كبيراً، ذكراً كان أم أنثى: لابد أن تتحمل مسؤوليتك في تربية نفسك، فالذي يدفعنا لذلك مبررات عدة، منها:




أولاً: مبدأ المسؤولية الفردية:



إن المسلم بل كل إنسان في هذه الحياة مسؤول مسؤولية فردية يقول - جل وعلا - ]ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى[ ، ويقول سبحانه ]كل نفسٍ بما كسبت رهينة[ . إنك حين تقرأ في نصوص القرآن الكريم أو في نصوص السنة النبوية تجد التأكيد الواضح على أن كل فرد مسؤول مسؤولية خاصة عن نفسه، حتى ذاك الفرد يتعرض إلى الإضلال والغواية من خلال الضغط الذي يمارسه عليه غيره، سواء أكان ضغطاً نفسياً أم ضغطاً اجتماعيّاً -أيّاً كان مصدر هذا الضغط- لا يعفيه ذلك من المسؤولية، ونقرأ في القرآن الكريم في آيات عدة نماذج من الحوار الذي يدور يوم القيامة بين الذين اتَّبَعوا وبين الذين اتُّبِعوا، أو بين الذين استضعفوا والذين استكبروا، فيأتي المستضعفون يطالبون أولئك المستكبرين الذين كانوا سبباً في إضلالهم وغوايتهم أن يتحملوا عنهم جزءاً من العذاب ] وقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعاً فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء قالوا لو هدانا الله لهديناكم سواءٌ علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص[ ،]ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذاباً ضعفاً من النار[.

وقال r :"من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان له من الوزر مثل أوزار من تبعه غير أنه لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً". وفي الحديث الآخر: "ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً".



فهذا فلان من الناس اتبع زميله أو صديقه أو أباه، وسار وراءه وأصبح ظلاًّ له، حتى قاده إلى طريق الضلالة والانحراف سيأتي يوم القيامة هذا الذي أضله يحمل وزر نفسه ووزر هذا الذي أضله ] ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون[ ولكن هذا المستضعف لن يعفيه ذلك من المسؤولية أمام الله سبحانه وتعالى، ولن يغنيه أن يتلفت يمنة ويسرة، تارة يطالب صاحبه الذي أضله ، وتارة يرجو منه أن يتحمل عنه جزءاً من العذاب ]إنا كنا لكم تبعاً فهل أنتم مغنون عنا نصيباً من النار[ ومع ذلك لا يعفيه من العذاب، أليس هذا وحده دال على المسؤولية الفردية للإنسان، في أي بيئة وفي أي مجتمع وجد، وحتى لو سار وراء صاحبه وهو يظن أنه يحسن صنعاً فإن ذلك لا يعفيه أمام الله عز وجل، أرأيتم هذا القطيع الهائل الذي يسير وراء مشايخ أهل الضلال والخرافة، أو وراء غيرهم من أصحاب البدع والانحراف والضلال، كم يظن أولئك أنهم يحسنون صنعاً؟ وكم يظن هؤلاء أن أسيادهم وعلماءهم وأئمتهم يقودونهم إلى الطريق المستقيم الذي لا طريق سواه، إنهم ممن قال الله تعالى فيهم ]قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً * الذي ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً[.


لنأخذ مثالاً من السيرة يجلي لنا هذه الصورة تجلية واضحة، فحين نقض بنو قريظة العهد في غزوة الأحزاب، سار إليهم الرسول r بأمر الله سبحانه وتعالى حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ - رضي الله عنه - فحكم عليهم سعد رضي الله عنه أن تقتل مقاتلتهم وأن تسبى ذراريهم، فكانوا يكشفون عن عوراتهم فمن وجدوه قد أنبت قتلوه، فهل قتل ذاك الشاب الذي لايزال في العقد الثاني من عمره ظلماً؟ كلا لم يقتل ظلماً وقد شهد عليه الصلاة والسلام على هذا الحكم بأنه حكم الله من فوق سبع سماوات، إن هذا الشاب ولد في بيئة تربيه على الكفر والضلال، أبوه ****ي وأمه ****ية، وسائر أقاربه وجيرانه كذلك، ومع ذلك فهو يتحمل المسؤولية عن نفسه، كان عليه أن يبحث عن طريق الهداية والنجاة، وعن طريق الحق والخير، وما كان ربك ليظلم أحداً سبحانه وتعالى وهو أحكم الحاكمين، فإذا كان هذا الشاب الذي عاش في هذا المجتمع الغارق في الانحراف والغواية تمارس تجاهه كل وسائل التضليل، وتطمس عليه الحقائق وتصور له بغير صورها، ومع ذلك لم يكن معذوراً فغيره من باب أولى.



ثانياً: الحساب الفردي يوم القيامة:


إن من لوازم المسؤولية الفردية أن كل إنسان سوف يحاسب يوم القيامة حساباً فرديّاً، قال عز وجل ]واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون[ وفي آية أخرى يقول عز وجل : ]إن كل من في السموات والأرض إلا ءاتي الرحمن عبداً * لقد أحصاهم وعدهم عداً * وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً[ , فكل إنسان سيقدم على الله فرداً وحيداً، وسيحاسب محاسبة فردية؛ فلابد أن يتحمل مسؤولية نفسه في تربية نفسه وتزكيتها وقيادتها إلى طريق الخير والاستقامة.


وقال r :"ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان؛ فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم من عمله، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم من عمله، وينظر تلقاء وجهه فيرى النار تلقاء وجهه؛ فاتقوا النار ولو بشق تمرة" . فلابد أن يصير المسلم إلى هذا الموقف وهو إما إلى إحدىحالين: إما أن يكون كما قال r في حديث النجوى:"أما المؤمن فيدنيه ربه فيضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه، فيقول: أتذكر ذنب كذا وكذا؟ حتى إذا ظن أنه قد هلك قال: أنا سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، وأما الفاجر فينادى بذنوبه على رؤوس الخلائق" .




ثالثاً: الإنسان أعلم بنفسه:

إن الإنسان أعلم بمداخل النفس، وأعلم بجوانب الضعف والقصور فها، ومن هنا فهو الأقدر على التعامل مع نفسه، إنه يتصنع أمام الناس ويتظاهر أمامهم بالخير، أو يدعوه لذلك الحياء والمجاملة، أما مافي نفسه فهو أعلم به من سائر البشر، حينئذ فهو أقدر من غيره على علاج جوانب القصور في نفسه.




رابعاً: البرامج الجماعية تفتقر إلى تفاعل الفرد معها:

تتاح للإنسان مناسبات وفرص جماعية تحقق له قدراً كبيراً من الاستفادة، لكنه لا يمكن أن يستفيد منها ما لم يتفاعل معها، قال عز وجل :]أنزل من السماء ماءً فسالت أودية بقدرها[ فالماء النازل من السماء واحد، لكن الأدوية تتفاوت فيما تحمله منه؛ فكل واد يحمل على قدر سعته، وهكذا القلوب تتفاوت بما تتلقاه من وحي الله جل وعلا، وتتفاوت في أثر هذا الوحي عليها كما تتفاوت هذه الوديان.


وشبه النبي r الوحي الذي أتى به وتلقي الناس منه تشبيهاً قريباً من ذلك، فقال:"مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا، فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به". متفق عليه من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.



ويحدثنا القرآن الكريم عن نماذج من نتاج تخلف التربية الذاتية ]وضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئاً وقيل ادخلا النار مع الداخلين[. لقد كانت هاتان المرأتان زوجتين لنبيين من أنبياء الله، ولابد أن نوحاً ولوطاً عليهما السلام بذلا معهما جهداً في دعوتهما إلى الد^%$ في دين الله تعالى، ولكن حين لم يكن منهما مبادرة ذاتية لم ينتفعا بذلك الجهد وتلك الدعوة.



ويبذل الرسول r جهده مع عمه أبي طالب حتى عند مرض الموت، وحين لم يكن من أبي طالب مبادرة ذاتية لم يستفد من الجهد الذي بُذل له.


وفي عصر النبي r كان هناك فئة من المنافقين يصلون مع النبي r الجمعة، ويشهدون معه مجالس الخير، ويذهبون معه في السفر والإقامة، ويشهدون معه بعض الغزوات؛ فيعيشون مع النبي r كما يعيش معه سائر أصحابه، يتلقون من نفس القنوات التربوية التي يتلقى منها أصحاب النبي r ، بل لعل بعض المنافقين كانوا أكثر حضوراً لمجالسه r من بعض أصحابه، ومع ذلك لم ينتفعوا بشيء من ذلك أبداً.



فهب اليوم أن شابّاً وجد في مجتمع تربوي في القمة، فهو في بيت محافظ وعند أستاذ وشيخ يعتني به، لكنه لم يتفاعل ولم توجد منه مبادرة ذاتية، فلن يستفيد من هذه البيئة، بل ربما أصبحت وبالاً عليه.




خامساً: تجاوز سلبيات المربي:


إن البشر أيّاً كانوا لا يخلون من سلبيات وجوانب من القصور، فهذا أستاذ لي أثق فيه وألازمه وأصاحبه وأحضر مجلسه وربما أصاحبه في سفر وذهاب وإياب وأرى فيه قدوة ظاهرة أمامي وأتمنى أن أكون مثله أو أن أسير على خطاه ….أيعني ذلك أن يسلم من القصور والضعف؟ فقد يكون لديه نوع من قسوة القلب، وقد يكون عنده نوع من سوء الخلق وعدم حسن التعامل مع الآخرين، قد يكون إنساناً متعجلاً ، لابد أن تكون فيه صفة سلبية وجوانب قصور.


وحينما يكون الشاب مجرد ظل لغيره، فإنه سيحمل سلبيات من يربيه، بالإضافة إلى سلبياته هو، فحين يكون الشاب يعاني من صفة سلبية كالكسل مثلاً، ووجد وتربى في بيئة يكثر فيها الهزل، فسيجمع بين الصفتين، وهكذا في سائر الأمراض جوانب القصور.
وحين يعتني بتربية نفسه تربية ذاتية، فإنه سيتجاوز كثيراً من سلبيات من يربونه، لتبقى لديه سلبياته وجوانب قصوره الشخصية.
ولا نزال نسمع شكوى كثير من الشباب اليوم، وتبريرهم لجوانب من القصور لديهم بأنهم نشأوا في أوساط تعاني من الضعف التربوي، أو تربوا على أيدي مربين قصروا في تربيتهم، ولذلك كان لبعض تلك الشكاوى نصيب من الصحة، فكثير منها إنما هي أسلوب إسقاط، وهروب من تحميل النفس المسؤولية.




وأيا كان الأمر هذا أو ذاك، فالشاب يتحمل مسئوولية نفسه، ولو كان جاداً لاعتنى بها منذ البداية، ولتجاوز سلبيات الآخرين ومشكلاتهم.



إن هذه المسوغات تؤكد على أهمية الاعتناء بالتربية الذاتية، وحين نعود إلى واقعنا اليوم نجد الوقوع في الإفراط والتفريط في هذه القضية، فتجد بعض الشباب يؤدي جهداً للآخرين، من خلال درس يلقيه، أو خطبة في المسجد، أو من خلال المشاركة في المركز الصيفي، تجد هذا الشاب ينشغل بالأمور الدعوية –ونعم ما انشغل به- لكنه يهمل نفسه وينساها، فيجد بعد فترة أن زملاءه وأقرانه قد فاقوه وأنه قد قصر في حق نفسه، هذه صورة.



والصورة المقابلة هي صورة ذاك الشاب الذي يرفض أن يقدم، ويرفض أن يعمل، ويرفض أن يعطي الآخرين من وقته بحجة أنه يريد أن يربي نفسه، وهذا هو الآخر قد جانب الصواب، فلابد من التوازن، لابد أن يقوم الشاب بمسؤوليته فيخصص جزءاً نفيساً من وقته يعلم غيره ويربي غيره ويفيد غيره ويسهم في حفظ وقت غيره، ومع ذلك لا ينسى حظ نفسه، فيعتني بتربية نفسه وتعليمها وإصلاحها.





جوانب التربية الذاتية:

اتضح لنا فيما سبق أهمية التربية الذاتية، وحاجتنا للاعتناء بها، ولكن ما الجوانب التي ينبغي أن يعنى الشخص بتربية نفسه عليها؟ وسنشير هنا إشارة موجزة إلى أهم هذه الجوانب؛ إذ التفصيل يتطلب حديثاً موسعاً عن التربية لا يتسع له هذا الوقت المحدود:
الجانب الأول: الصلة بالله عز وجل: وهذا أهم الجوانب وآكدها، فكل مابعده إنما هو ثمرة ونتيجة له، ومن وسائل تحقيق ذلك: عناية الإنسان بالفرائض واجتناب المعاصي، ومحاسبة النفس على ذلك ومبادرتها بالعلاج حين التقصير، وبعد ذلك استزادته من النوافل كنوافل الصلاة، ونوافل الصدقة والصيام والتلاوة والذكر.


الجانب الثاني : العلم الشرعي: ووسائل تحصيله لا تخفى علينا إما من خلال الدراسة النظامية، أو من خلال مجالس العلم وحلقاته المقامة في المساجد، أو من خلال الأنشطة الشبابية حيث تقام فيها دروس علمية وحلقات علمية، أو من جانب البحث الفردي الذي يبذله صاحبه، من خلال القراءة والإطلاع، أو من خلال الاستماع للأشرطة العلمية والدروس العلمية .
الجانب الثالث : التربية على العمل: إن الإنسان في حياته الخاصة حين يريد إتقان نشاط أو حرفة معينة، كالسباحة، أو قيادة السيارة - على سبيل المثال- حين يريد ذلك فإنه لايقتصر على الجانب النظري، وعلى سؤال من يجيدونها، بل يعتني بالتدريب والممارسة، والمهارات الدعوية كذلك فهي تُتقن من خلال التدريب والممارسة



وسائل التربية الذاتية:


الوسيلة الأولى: الصلة بالله عز وجل: كما أن الصلة بالله عز وجل من الجوانب التي ينبغي أن يعنى بها المرء في تربيته لنفسه، فهي وسيلة من وسائل تربية النفس.


وبالإضافة إلى ماذكرنا من الاعتناء بالفرائض والبعد عن المعاصي، والاجتهاد بالنوافل لابد من من السعي لتطهير القلب من التعلق بغير الله عز وجل؛ فصلاح القلب مناط تربية الصلة بالله عز وجل، بل هو مناط النجاة يوم القيامة ، قال الله عز وجل على لسان إبراهيم عليه السلام :]ولا تخزني يوم يبعثون. يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون. إلا من أتى الله بقلبٍ سليم[ في هذه الآيات يدعو إبراهيم عليه السلام ربه أن يأتي يوم القيام بقلب سليم، وفي الآية الأخرى وصفه تبارك وتعالى بأنه جاء ربه بقلب سليم ]وإن من شيعته لإبراهيم * إذ جاء ربه بقلب سليم[ .

وأخبر r عن منزلة القلب وأن الجسد كله يصلح بصلاحه، ويفسد بفساده "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب".

وحين تصلح حال الإنسان مع الله، وتقوى صلته بربه تستقيم سائر أموره.





الوسيلة الثانية: القراءة والمطالعة :

وهذا أيضاً عنصر مهم من عناصر التربية الذاتية، فأنت تقرأ في كتب الرقائق ما يرقق قلبك ويزيل قسوته، وتقرأ في كتب الأخلاق والآداب ما يصلح سلوكك، وتقرأ في كتب أهل العلم مايزيدك علماً، وتقرأ في تراجم العلماء مايزيدك حماسة للعلم والدعوة والبذل لدين الله عز وجل.


والقراءة تنمي أفق الإنسان، وتفكيره، وتزيد من قدرته على حل المشكلات، فالقراءة تنمي كافة الجوانب وإن كان يتبادر إلى الذهن أنها قاصرة على الجانب العلمي وحده.




الوسيلة الثالثة: حفظ الوقت والاعتناء به:


ويتأكد هذا الأمر في حق من اشتغلوا بدعوة غيرهم وتربيتهم؛ فهذا العمل يأخذ عليهم زبدة أوقاتهم، لكن الاعتناء بتنظيم الوقت والحزم مع النفس في ذلك مما يعينهم على أن يوفروا لأنفسهم قدرا من الوقت كان يضيع سدى؛ فيستثمروه في تربية أنفسهم والرقي بها، إن استغلال الوقت مهارة وقدرة يحتاج الشاب أن يربي نفسه عليها، وليست مجرد اقتناع من الإنسان بأهمية الوقت.




الوسيلة الرابعة: التفاعل مع البرامج العامة:

إن هناك برامج عامة يتلقاها الشاب مع إخوانه، كالدرس العلمي والمحاضرة وخطبة الجمعة واللقاءات الجماعية …إلى غير ذلك، وهذه البرامج تحتاج منه إلى أن يتفاعل معها، من خلال التركيز والاستيعاب، ومن خلال أخذ النفس بالعمل والتطبيق بعد ذلك، وقد سبقت الإشارة إلى طوائف ممن كانوا يحضرون أعلى المجالس وأشرفها: مجالس النبي r وكانوا لا يستفيدون من ذلك، بل كانت وبالاً عليهم.




الوسيلة الخامسة: الجماعية :

لابد من الجماعية في التربية الذاتية، وكيف يكون ذلك؟ ذكر الأستاذ محمد قطب حديثاً جميلاً في كتابه منهج التربية الإسلامية حيث يقول :"وينبغي أن نذكر بصفة عامة أن التنمية النفسية الصحيحة لا تتم في كيان فرد يعيش بمفرده في عزلة عن الآخرين وفي هذه الفترة بالذات – وهو يتحدث عن فترة الشباب الباكر – كيف يتدرب الإنسان على الأخوة إذا لم يمارس الأخوة بمشاعرها؟ مع الإخوة الذين يربطهم به هذا الرباط؟ كيف يتدرب على التعاون إذا لم يقم بهذا الفعل مع أفراد آخرين؟ كيف يتعود أن يؤثر على نفسه إذا لم يكن هناك إلا نفسه؟ إن الوجود في الجماعة هو الذي ينمي هذه المشاعر وهذه الألوان من السلوك، والشاب الذي يعيش في عزلة عن الآخرين وإن حاول أن يستقيم على المنهج السليم تنمو بعض جوانب نفسه وتظل جوانب أخرى ضامرة؛ لأنها لا تعمل".



إن بعض الشباب يقول: علي أن أنعزل لوحدي لأهتم بتربية نفسي ، وهذا غير صحيح فالجماعية مهمة للتربية الذاتية لأمور:


أولاً: هناك أمور جماعية لا يمكن أن تؤديها إلا من خلال الجماعة، كمشاعر الأخوة والتعاون والإيثار والصبر على جفاء الآخرين.


ثانياً: من خلال الجماعة تجد القدوة الصالحة وهي مهمة للتربية .


ثالثاً: من خلال الجماعة تجد القدوة السيئة وهي أيضاً مهمة للتربية؛ فحين ترى فرداً سيء الخلق تدرك كيف يخسر الآخرين، ومن ثم تدرك شؤم سوء الخلق، وترى إنساناً كسولاً فتدرك أثر الكسل والتفريط، إذاً أنت تحتاج إلى القدوة السيئة لا تلازمها وتعاشرها لكن عندما ترى هذا النموذج تجتنبه.


رابعاً: اكتشاف أخطاء النفس، وترويضها؛ فالإنسان الذي يعيش في عزلة يكون في الأغلب إنساناً حاداً في تعامله مع الآخرين، مثاليّاً في أحكامه وفي المشروعات التي يطرحها وعندما ينتقد الآخرين وعندما يوجههم، فهو مهما امتلك من القدرات تبقى لديه جوانب قصور واضحة، من خلال العزلة والسياج الذي فرضه على نفسه، ومن هنا نقول لابد من الجماعة في التربية الذاتية.





الوسيلة السادسة: الثقة بالنفس :


وذلك بأن يشعر الشاب أنه قادر على أن يرقى بنفسه إلى درجات الكمال البشري، أما الكمال المطلق فلا يمكن أن يصل إليه البشر إطلاقاً، فالذي لايثق بنفسه لا يمكن أن يصنع شيئاً، ولا يمكن أن يرتفع بها أو يرتقي بها.
ولابد مع الثقة بالنفس من مقت النفس بجانب الله عز وجل حتى تتجنب طرفي الإفراط والتفريط، فالثقة بالنفس تعني أن يعلم الإنسان أنه قادر على أن يفعل هذا الشيء، وأن يتحمل المسؤولية حين تقع عليه، لكن ذلك لا يعني أن يصاب بغرور وإعجاب، بل ينبغي أن يعلم أنه مقصر وأنه مذنب وأنه مخطئ.


وحين أجمع بين الأمرين سيدفعني ذلك إلى بذل الجهد والمشاركة الدعوية ليكون في ذلك تكفيراً لذنبي، ورفعة لدرجاتي عند الله عز وجل.

افترض أني إنسان أعطاني الله عز وجل فصاحة وبلاغة أيمنعني هذا من أن أخطب الناس وأذكرهم بكتاب الله وسنة النبي r ، وإن كنت أشعر بأنني أرتكب المعاصي والذنوب، وهب أن أعطاني الله موهبة في التأثير على الآخرين وقدرة في التعامل مع الناس وكسبهم، هل يمنعني شعوري بالتقصير من استثمار هذه الموهبة دعوة الناس والتأثير عليهم، وهكذا أيًّا كانت هذه الموهبة ألا يدعوني ذلك إلى أن أستغلها في طاعة الله على كل حال؟



الوسيلة السابعة: محاسبة النفس :

وذلك بأن يحاسب الإنسان نفسه قبل العمل وأثناء ه وبعده، وأن يداوم على محاسبة نفسه في كافة جوانب حياته؛ فالمحاسبة هي التي تُعرِّف الإنسان بعيوب نفسه وجوانب ضعفها، وهي التي تعينه على علاجها.




الوسيلة الثامنة: العزلة الشرعية :


ونعني بالعزلة الشرعية أن يكون للشاب حظ من الوقت يخلو فيه بنفسه، ويقبل فيه على الله عز وجل يقول ابن القيم - رحمه الله - في مدارج السالكين تعليقاً في قوله صاحب المنازل في درجات الإيثار قال: ألا يقطع عليك طريق السير والطلب إلى الله جل وعلا مثل أن تؤثر جليسك على ذكرك وتوجهك وجمعيتك على الله؛ فتكون قد آثرته على الله وآثرت بنصيبك من الله ما لا يستحق الإيثار؛ فيكون مثلك كمثل رجل سائرٍ على الطريق لقيه رجل فاستوقفه وأخذ يحدثه ويلهيه حتى فاته الرفاق، وهذا حال أكثر الخلق مع الصادق الساعي إلى الله جل وعلا . فإيثارهم عليه عين الغبن وما أكثر المؤثرين على الله غيره، وما أقل المؤثرين الله على غيره، وكذلك الإيثار ما يفسد على المسلم وقته قبيحٌ أيضاً مثل أن يؤثر في وقته ويفرق قلبه في طلب خلقه، أو يؤثر بأمر قد جمع همه وأمره إلى الله؛ ليفرق عليه قلبه بعد جمعيته ويشتت خاطره، وهذا أيضاً إيثارٌ غير مشروع، وكذلك الإيثار باشتغال القلب والفكر في مهمات الخلق ومصالحهم التي لا تتعين عليك، على الفكر النافع واشتغال القلب بالله ونظائر ذلك لا تخفى، بل هو حال الخلق والغالب عليهم ، وكل سبب يعود عليك بصلاح قلبك ومحاسبة نفسك مع الله فلا تؤثر به إنما تؤثر الشيطان على الله وأنت لا تعلم" .
إذاً فمهما كنت في ميدان من ميادين الخير: ميدان أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، أو ميدان تعليم علم ، أو ميدان جهاد في سبيل الله، فلابد أن يكون لك نصيب -ولو كان يسيراً - تخلو فيه مع الله عز وجل، فتتلو فيه كتاب الله عز وجل وتتدبره، وتقوم الليل أو تصوم، فهذا زاد لك يعينك على هذا العمل الذي تفرغت له.



التربية الذاتية ومفاهيم خاطئة:

لاشك أن الإنسان حينما يفكر في موضوع معين ويعتني به ويتفاعل معه، قد يكون لديه خلل أو فهم خاطئ نتيجة مبالغته في النظرة إلى هذا الموضوع، ومن هنا كان لابد أن نشير إلى بعض المفاهيم الخاطئة التي قد تتبادر للذهن من خلال سماع هذا الموضوع، أو من خلال تفكيرنا بحاجتنا إلى التربية الذاتية.


أولاً: استقلال النفس:


فقد يشعر بعض الشباب أننا الآن حشدنا الأدلة والمؤيدات في إقناعه بتربية نفسه، فيقول:ما دمت أدرك عيوبي أكثر من غيري، وما دمت مسؤولاً مسؤولية فردية، فأنا لست بحاجة إلى الآخرين، لست بحاجة إلى أن أحضر إلى مجالس العلم فبإمكاني أن أحصله بنفسي، ولست بحاجة إلى مشاركة الشباب الصالحين في برامجهم، إلى غير ذلك وهذا خطأ فالناس بحاجة إلى التعليم، وبحاجة إلى التربية وقديماً قيل:

من كان أستاذه كتابه فخطؤه أكثر من صوابه، فمن أراد أن يتعلم العلم من خلال الكتب وحدها لا يمكن أن يبلغ الغاية، ومن أراد أن يربي نفسه في هذا العصر وهذا المجتمع وسط هذا الزخم الهائل من المغريات والشهوات والفتن التي قد تتحدث عن شيء منها في محاضرة الغد (عناية الشريعة بسد ذرائع الفاحشة) إن شاء الله في هذا الوسط الذي يظن أنه يستطيع أن يستقل بنفسه فهذا وهم كاذب، فلابد له من رفقة صالحة يعينونه على طاعة الله ، وكان r كما يقول ابن عباس : "أجود الناس بالخير وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل" فإذا كان الرسول r يستفيد من لقائه بجبريل وهو رسول الله r أفضل الخلق فغيره من باب أولى.

إذاً فحديثنا عن التربية الذاتية وأهميتها لا يعني إطلاقاً استقلال الشاب، فمع تأكيدنا على التربية الذاتية وأهميتها فنحن نؤكد أيضاً على الجماعية، كما ذكرنا أن من وسائل التربية الذاتية الجماعية، وذكرنا أن الإنسان الذي يعيش في وسط فردي بحت يعيش في نشاز إنسان شاذ في سلوكه ونشاطه وأخلاقه ومن جلوسك معه تعلم بأنه إنسان لا يعيش ولا يخالط الآخرين.




ثانياً: التفريط في الدعوة:

ومن المفاهيم الخاطئة للتربية الذاتية: التفريط في الأعمال الهامة بحجة تربية النفس، فبعض الناس يقول أريد أن أتفرغ لكي أربي نفسي وأتعلم وأستزيد من العلم، ثم بعد ذلك يمكنني أن أقوم بالدعوة إلى الله عز وجل .
إن الواقع الذي تعيشه الأمة الإسلامية اليوم لا يسمح لنا بهذا التباطؤ والتأخر، وأهل الشر يبذلون جهوداً جبارة في سبيل نشر باطلهم، وهب أننا قلنا للشباب جميعاً يجب أن تتفرغوا للعلم وحفظ القرآن وللإبداع فيه ثم تنزلون إلى الميدان، فمن سيتولى تربية هؤلاء الشباب، ومن سيقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن سينفق على المحتاجين والضعفاء، ومن سيقوم بالجهاد في سبيل الله .


إن الشاب الذي تفرغ حينما يتخرج بعد ذلك سيحتاج إلى طريقة للتعامل مع وقته، وإلى تضحية لم يكن اعتاد عليها فيكون من الصعب عليه أن يعمل هذه الأعمال، لا يعرف كيف يتحدث مع الآخرين، لا يعرف المشكلات لم يعرف ولا كيف يواجهها.
وهذا نبي من أنبياء الله قد تفرغ لعبادته وترك الحكم بين الناس فعاتبه الله ألا وهو داود ]وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب * إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط … الآية[

وكم تصدى النبي r للناس حتى أثر على عبادته r فكان في آخر حياته يصلي جالساً كما تقول عائشة حين حطمه الناس، وهكذا المصلحون والعلماء وغيرهم من الناس الذين تصدوا لدعوة الناس.
والأمر يحتاج إلى اعتدال، فلايسوغ أن نهمل الدعوة والإصلاح بحجة تربية أنفسنا، وفي المقابل لا يسوغ أن نهمل أنفسنا، فلنؤت كل ذي حق حقه والله أعلم .



#12 غير متصل   ashlpi

ashlpi

    إسماعيلاوي قبل أن أولد

  • Members
  • 1042 مشاركة

تاريخ المشاركة 12 January 2008 - 05:52 PM

الدرس الثاني عشر : التكامل و التوازن في التربية


التكامل والتوازن في التَّربية

إن الحديث عن إنقاذ الأمة وعن ضرورة رسم المنهج ذي المعالم الواضحة في إحياء الأمة وإنقاذها حديثٌ أحسب أننا قد تجاوزناه، وأصبح من البديهات لدى كل مسلم يشعر بواقع الأمة، ويدرك دوره في إنقاذها.

إنما مدار النقاش والحديث حول المناهج ووسائل التغير، وأحسب أن الأغلب من قطاع الصحوة يوافقنا أن التربية ضرورة ملحّة لغرس المعاني والتوجيهات في صفوف الناشئة وعلى صعيد الأمة أجمع، وضرورة ملحّة لغسل أوضار الماضي وآثاره السيئة، ولإعداد الأمة لأن تكون أهلاً لأن تحمل هذا الدِّين، و هذه الرسالة لا لهذه الأمة وحدها بل للعالم أجمع.


وهي حينما تسعى للقيام بهذا الدَّور وأداء هذا الواجب فلا بد أن تكون مؤهّلة لهذه المنـزلة، ولا أظن أننا نملك بديلاً غير التربية؛ لذا فهي تستحقّ منا الحديث الكثير عن ضرورتها والمطالبة بها، والحديث عن المناهج التربوية، والحديث عن الأخطاء التربوية، والحديث عن أساليب التربية.


إنه جانب ينبغي أن نعنى به جميعاً لا على مستوى رجال الصحوة فحسب، بل على كافة الطبقات والمستويات، ونحن حين نتحدَّث حول هذا الموضوع وهو موضوعٌ شموليّ يتحدَّث عن جوانب كثيرة سواء أكانت جوانب فردية أم جوانب على مستوى الأمة، وسواء أكانت جوانب تخص الفرد بحد ذاته، أم كانت تخصّ الأسرة ودور الأب والأم، أم كانت تتعلَّق بالمؤسسات التربوية، إننا حين نتحدَّث هذا الحديث فإننا لا نعدو أن نذكر خواطر مجرَّدة فالحديث عن هذه القضية أظن أوسع من أن نأتي عليه في هذه الأمسية.

ثانياً : حين نتحدث عن القضايا التربوية فنحن نطرح منهجاً نظريّاً وربما يكون قابلاً للصواب وللخطأ لكن هذا شيء، وتطبيقه على آحاد الأفراد شيء آخر، فنحن نتحدّث عن أسلوب ومنهج، أو عن برنامج، وهذا لا يعني أن زيداً من الناس أو عمراً من الناس ينطبق عليه هذا الكلام أو ذاك، ذلك أن كثيراً من الأخوة الأساتذة والمربِّين يطبق ما يسمع حرفاً بحرف، وما يقول قد يكون حالة من الحالات يعيشها المربي مع من يربِّيه مع تلميذه، أو مع ابنه، وقد تكون حالة فريدة، حالة لها اعتبارات خاصة.

ثالثاً : التربية ليست مسؤولة عن مشكلات لم تكن هي السبب في إحداثها ووقوعها، إنك مثلاً قد تجد البعض من الآباء يعرض مشكلة ابن من أبنائه أو بنت من بناته قد بلغ سن التكليف، واستعصى على التوجيه وشب عوده؛ فلم يعد قادراً على تربيته، فيعرض عليك مشكلته ويطلب منك حلاًّ لها، قد تجد حلاًّ وقد تنجح؛ لكن ينبغي أن نعلم أن هذه المشكلة من أسبابـها سوء التربية ابتداءً؛ فنحن حين نتحدث عن التربية نرى أنـها كفيلة – بإذن الله – لحل كثير من المشكلات والعقبات، وهي ليست مسؤولة عن حل مشكلات لم تكن هي السبب في حدوثها.

إن المفترض أن تبدأ تربية الشاب من صغره وطفولته، بل أن يتربى وهو حمل في بطن أمه؛ فضلاً عن طفولته ومراهقته وشبابه، وحين يسار به وفق المنهج الشرعي والتربوي السليم فالأغلب حينئذ – بإذن الله – أن يستقيم وفق المنهج القويم وحين يفلت فلان أو فلان فالقلوب بيد الله - عز وجل-.

رابعاً : حين نتكلم عن هذه القضايا التربوية التي تخص فئة وقطاعاً عاماً من الناس فهي تعني الأستاذ، وتعني الأب، وتعني الأم، تعني الكثير من الناس، حينئذ فنحن لسنا نتحدث حديثاً أكاديميا، ولسنا نتحدث للمختصين؛ فلا بد حينئذ أن يكون حديثاً عامًّا يأخذ طابع العمومية وحينئذ أرجو أن لا يؤاخذني أهل الاختصاص والاصطلاح حين أسطو على مصطلح من مصطلحاتـهم فأستخدمه أوسع أو أضيق مما يريدون هم أو يستخدمونه هم في قضية من قضاياهم.


هذه مقدمات حول هذه القضايا التربوية التي سوف نطرحها في هذا الدرس أو غيره .. وبعد ذلك ندلف في الحديث عن هذا الموضوع.


مسوغات المطالبة بالتربية المتكاملة المتوازنة:


إننا نطالب أن تكون التربية متكاملة، وأن تكون متوازنة في الوقت نفسه، سواء على مستوى الأفراد أو على المجتمع ككل. وحين نطالب بذلك فإن الذي يدعونا إلى هذا الأمر مسوغات عدة :


الأول طبيعة الإنسان:

فالله سبحانه وتعالى خلق الإنسان بجوانب كثيرة متنوعة (جسم، وعقل، ومشاعر…) وحينئذ فالمنهج التربوي الذي يريد أن يرقى بهذا الإنسان ينبغي أن يكون متوافقاً مع فطرة هذا المرء، ولهذا صار أي تشريع للبشر من غير المصدر الشرعي محكوماً عليه بالفشل والبوار؛ لأنه تشريع صادر من البشر والله – سبحانه وتعالى – هو الذي خلقهم ] ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير [ وغالباً ما ترى تشريعات البشر وآراءهم تأخذ جانباً على حساب جانب آخر، وغالباً ما تخل بـهذا التكامل أو هذا التوازن في شخصية المرء، إذن فالتكامل والتوازن هو الذي يتوافق أصلاً مع خلق الإنسان ومع فطرته التي فطره الله عليها.

ولأضرب على ذلك مثلاً .. إننا حين نربي الناس على الخضوع وعلى التسليم لكل الآراء التي تطرح عليهم أيا كان مصدرها، ونطلب من الناس أن يعطلوا عقولهم، وألاّ يفكروا مطلقاً فيما يُقال لهم، إننا حينئذ نعطل هذا العقل الذي خلقه الله – عز وجل – له، وما خلقه الله – سبحانه وتعالى – إلا لحكمة، ولو كانت أمور الناس تستقيم على التقليد والتبعية لخلق الله – عز وجل – لنخبة من الناس عقولاً دون عقول سائر الناس حتى يخضع بعضهم لبعض ويكونوا تابعين لغيرهم.

أما وقد خلق الله العقول للناس جميعاً فهذا يعني أن تربى العقول، وهذا يعني أن يربى الناس على أن يستخدموا عقولهم ويحكّموا عقولهم داخل الدائرة الشرعية التي لا تخرجهم عن حدودها. وأي تربية تسعى إلى تكتيم حريات الناس وعقولهم وتفكيرهم فإنـها تعارض الفطرة، وأي منهج يخالف الفطرة فإنه يحمل بين طياته الهلاك والبوار.

وحين نأخذ منهجاً تربويًّا يتعامل مع جانب العقل والمعرفة وحدها ويغفل عن جانب الوجدان في نفس الإنسان، يعيش في تناقض يحكم عليه بالفشل والبوار، كما هو الحال في المجتمعات الغربية المعاصرة، وقل مثل ذلك في أي منهج يتعامل مع جانب واحد من جوانب الإنسان.

التوازن والتكامل سنة الله في الحياة:

فالجنون مثلاً نتيجة لعدم توازن القدرات العقلية والحسية ولهذا يقال عن المجنون : " إنسان غير موزون "، " والصرع العضوي من أسباب زيادة الكهرباء في دماغ الإنسان "، " وفقر الدم أو ضعفه يحصل عن عدم توازن كريات الدم الحمراء والبيضاء في الدم "، " ثم إن زيادة سائل الأذن قد يتسبب في حالة إغماء لدى الإنسان "، " كما يتسبب ضغط العين أو القلب على انعكاسات صعبة خطيرة ". هذه بعض النتائج التي يخلّفها عدم التوازن في الكائن البشري، وهناك عشرات الأمثلة الأخرى على ذلك.


أما عدم التوازن في الكون والحياة فهي أكثر من أن تحصى .. " إن تغير نسبة الأكسجين في الهواء تجعله ملوثاً وقد تجعله سمًّا قاتلاً "، " وتغير المعادلة المتوازنة في دوران الأرض والشمس والأفلاك ينتج عنه كثيرٌ من الأمور أقلها اختلال نظام الليل والنهار، وتعاقب الفصول وما يؤدي ذلك من أضرار على الإنسان والحيوان والنبات وعلى الحياة بكاملها ".
وما يصنعه الإنسان من آلات وما يشترون من بنايات فجميعه محكومٌ بقاعدة التوازن وأي خلل في المقادير والمعايير يتسبب بنتائج خطيرة ومأساوية.


وجوانب الشخص نفسها حين لا تكون متوازنة ولا متناسقة فإنها تخرج إنساناً غير متناسق، فجمال الوجه – مثلاً – به توازن نسبي بين حجم الأنف والعينين والفم والرأس؛ بحيث لو اضطربت هذه النسب لكانت صورة مشوهة هزيلة أو ناقصة، وقيمة الطعام تكمن في مختلف عناصره الرئيسة بحيث تتحقق النسبة المتوازنة لسلامة الجسم من مختلف الدهون والسكريات والفيتامينات والأملاح والمعادن .. إلى غير ذلك، والحديث في هذا يطول.


والإخلال بالتوازن حتى في المظهر الجمالي أمر يدعو الناس إلى النفور؛ فحين يسعى الإنسان لتجميل منـزله فيبالغ فيه أو يجعله بصورة غير متوازنة يصبح أمراً مرفوضاً.


وتقرأ في كتاب الله – عز وجل – الحديث عن هذا الكون وأنه محكوم بهذه السنة، قال تعالى : ]وخلق كل شيء فقدَّره تقديراً [، ويقول : ] إنا كل شيء خلقناه بقدر [، ] ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه [، ] لاالشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون [، ]الذي خلق سبع سماوات طباقاً ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور* ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسير [ .



الشرع قائم على الوسطية والتكامل:


إن شرْع الله – عز وجل – قائم على الوسطية في كل الأمور: الوسط في الاعتقاد، الوسط في العبادة، الوسط في السلوك، فشرْع الله – عز وجل – قائم على هذه القاعدة .

وهو كذلك تبدو فيه ظاهرة التكامل معلماً بارزاً فما من مجال من مجالات الحياة إلا وللشرع فيه حُكم، فإنك ترى للشرع حُكماً في معتقد الإنسان، وترى للشرع حُكماً في تعامل الإنسان مع غيره، وترى للشرع حُكماً في عبادة الإنسان، ترى له حُكماً في سلوكه، وترى له حُكماً في أخلاقه، وفي الاقتصاد والسياسة وحياة الناس الاجتماعية وعلاقاتـهم…. إنك لا تجد باباً من أبواب الحياة إلاّ وفيه حُكم واضح للشرع، وهذا يعني أننا أمام شرع متكامل.


إذاً حينما نريد أن نربي الناس على هذا الشرع ينبغي أن نربيهم تربية متكاملة ومتوازنة؛ ولهذا أنكر الله على بني إسرائيل الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض : ] أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا [، ] إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً * أولئك هم الكافرون حقاً [ .


ومن إعجاز القرآن أن حذَّر الله – سبحانه وتعالى – نبيه من صورة نراها في واقعنا فحين أمر الله نبيه أن يحكم بشرع الله قال بعد ذلك :] واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك [ وكأن هذه الآية تنطق بواقع القرون المتأخرة، وأن هناك من يساوم على بعض شرع الله فيأخذ بعض شرع الله ويرفض بعضه، فينادي بالاحتكام إلى شرع الله – عز وجل – في باب من أبواب الحياة، ويرفض بعد ذلك سائر الأبواب.


إن هذا دليل على أن هذا الشرع جاء للحياة كلها، وهذا يعني أن أي منهج تربوي يريد تربية الناس على خلاف هذا المنهج فهو منهج غير متكامل وغير متوازن، ومعارض لهذه القاعدة الشرعية التي لا تنخرم وتراها في كل حكم شرعي في سائر أبواب الحياة .



كثرة التحديات التي تواجه الأمة:

خامساً : الأمة الإسلامية تواجه تحدياً تربويًّا من أبواب شتى؛ فالشباب يعانون من تخطيط ماكر وغزو مدبر، وكذلك الرجال والنساء، والصغير والكبير بل حتى الطفل المسلم تُعد له أفلامٌ وتُكتب له قصصٌ ومجلاّت يقصد منها تربيته تربية تحرفه عن المنهج الشرعي.
وحياة الناس في عقيدتـهم، وحياتـهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية فيها تحديات؛ فنحن نواجه تحدياً شاملاً، تحدياً متكاملاً في جوانب الحياة كلها؛ لخلع الأمة عن دينها ثم تربيتها على غير شرع الله - عز وجل –؛ فالتربية التي تـهدف إلى إنقاذ جيل الأمة، والوقوف في وجه هذا التيار الوافد ما لم تكن آخذةً بالتكامل والتوازن فإنـها حينئذٍ لن تكون مؤهلة للمواجهة، ولن تكون مؤهلة لصدّ هذا السيل الجارف من الغزو الذي تواجَه به الأمة .



من صور التكامل والتوازن في المجال الفردي:

إننا لا نستطيع أن نأتي على جميع ما نريد فلعلنا نقتصر على بعض النماذج على المستوى الفردي وعلى مستوى المجتمع كله .


أولاً : في التعامل مع نصوص الشرع وأحكامه:

إن من التكامل والتوازن في التربية هو أن يُربَّى الفرد على التوازن في التعامل مع نصوص الشرع وأحكامه؛ فالغلو صفة ممقوتة مرذولة بالعقل ويأباها ويرفضها الشرع، والإهمال والتجاوب مع رغبات النفس وشهواتـها لا يسوغ أن تكون بديلاً للغلو ] ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً [، ] وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا [ .
إننا حين نربي أبناءنا على الفوضى والتساهل في الأحكام الشرعية والتفلّت منها، فإننا نربيهم تربية غير متوازنة تربية متطرفة إلى جانب دون جانب، وإننا حين نربيهم على الغلو والمبالغة فإنها هي أيضاً تربية غير متوازنة.


إننا كثيراً ما نسمع الشكوى من أن الابن يواجه - مثلاً – التعويق من أبيه وهو يدعوه إلى التجاوب مع شهواته، يدعوه إلى التجاوب مع التقصير والإهمال بل نرى الأب وللأسف يحض ابنه على التقصير في الصلاة، والتهاون فيها، فيما نرى الأب أحياناً يدعو ابنته إلى الزهد في الحجاب والعفاف والفضيلة. إنها تربية غير متوازنة، تربية متطرفة، تربية تخل بهذا المبدأ، تخل بهذه الوسطية التي جاء عليها شرع الله - عز وجل - .


ثانياً :التكامل والتوازن في تربية ومحتوى الشخصية:


إن التربية التي نطالب بها الأبوين لابنهما ليست أمرُه بالصلاة فقط، ونـهيه عن سائر الأخلاق السيئة فقط، وإن كـان هذا أساساً ومبدأً هاماً من مبادئ التـربية، فالتربية السليمة لابد أن ترعى صحة الابن، إنه لا يسوغ أبداً أن تهمل الأم ابنها أو طفلها الصغير أو طفلتها تجاوباً مع داعي النوم الذي يدعوها للراحة، ولا يسوغ أبداً أن تكون المكالمات الهاتفية والحديث مع بنات جنسها مدعاةً لانشغالها عن صبيتها ورعايتهم، والأب كذلك هو الآخر.


لهذا يوصي النبي e في حديث جابر في الصحيحين، أن نحرص على رعاية الأبناء وحمايتهم مما قد يضرهم. يقول e: "إذا كان جنح الليل فكفوا صبيانكم فإن الشياطين تنتشر حينئذٍ" فهو يأمرنا r أن نحرص على صحتهم وأن نحرص على إبعادهم عما قد يضر بها، ودخل r فسمع صوت صبي يبكي فقال: "ما بال صبيكم هذا؟ فهلاّ استرقيتم له من العين" رواه الإمام أحمد. ولهذا يوصي ابن القيم – رحمه الله – برعاية هذا الجانب، فيقول:"ومما يحتاج إليه الطفل غاية الاحتياج الاعتناء بأمر خُلُقه فإنه ينشأ على ما تعود في صغره من غضب ولجاج وعجل وخفة مع هوى وطيش وحدّة وجشع، فيصعب عليه تلافي ذلك".


ثالثاً :مراعاة جوانب الشخصية المختلفة:

إن المرء له جوانبه العقلية وجوانبه المعرفية وجوانبه الوجدانية؛ فالتربية السليمة ينبغي أن ترعى هذه الجوانب كلها ولنقرأ – على سبيل المثال – قراءة سريعة عاجلة في التربية والتعليم الذي نراه على مستوى الأمة الإسلامية، هل التربية المدرسية الآن ترعى هذه الجوانب كلها أم أنها تتعامل مع جانبٍ واحدٍ فقط من هذه الجوانب؟ ماذا يتلقى الطالب في المدرسة؟ إن الذي يتلقاه لا يزيد على أن يكون معلومات معرفية مجردة جافة، وحتى هذه المعلومات تعطى إليه تلقيناً يطلب منه أن يعتاد أن يخضع ويسلم، وأن يعتاد على مبدأ التسول الفكري، يعتاد على أن يلغي عقله ويلغي تفكيره، فكل ما يقوله له والده صواب لا يحتمل الخطأ، وكل ما يقوله له حق لا يقبل الخطأ ولا النقاش.


إن هذه تربية غير متكاملة تربية لا متوازنة، إننا بحاجة إلى أن نعيد إلى النظر في مناهجنا التربوية، هل هي تغطي هذه الجوانب التربوية أم لا؟


ولك أن تتساءل كم هم من الشباب والفتيات الذين يعيشون في سن المراهقة ويعانون من مشكلات معيّنة تثور مع هذه المرحلة؟ وهل مناهج التعليم في العالم الإسلامي تتعامل مع هذه المشكلات في هذه المرحلة بما يليق؟ كم نرى في العالم الإسلامي بأسره من الشباب والفتيات من رواد الجامعات ورواد المدارس، ممن يكونون ضحية للمخدرات أو للانحراف الجنسي أو للخلل هنا وهناك، فأين أثر التربية ؟ أظن أن جزءاً كبيراً من المشكلة يكمن في أن التربية هنا تربية غير متكاملة فهي لا ترعى إلا جانباً واحداً فقط هو الجانب المعرفي فحسب .



رابعاً :التكامل والتوازن في الجانب الواحد:


وفي الجانب الواحد في الرفد ذاته نحتاج إلى تكامل وتوازن؛ فالتربية العلمية –على سبيل المثال- بحاجة إلى أن تكون تربية متكاملة متوازنة، وهذا يعني أن تتنوع التخصصات، وأن يتربى الشاب، على أن يحمل رصيداً متكاملاً وخلفية علمية متكاملة مما يحتاج إليه في مرحلته وسنّه، ويعني ثانياً – أيضاً – أن يتعلم أدوات البحث ووسائله ومراجعه، ويتعلم المنهج العلمي الصحيح؛ فلا يكون التعليم قاصراً على شحن ذهنه بالمعلومات فحسب، وحين نمعن في مراجعة التربية المعرفية وحدها نجد أن هناك شرخاً واضحاً في هذا الجانب وخللاً واضحاً في رعاية التكامل والتوازن فيه، فما بالكم بسائر الجوانب الأخرى.


وأختم الحديث عن الجانب الفردي بعبارة للحسن - رضي الله عنه – وكأنه يخاطب بها جيل الصحوة، يقول: " العامل على غير علم كالسالك على غير طريق، والعامل على غير علم ما يفسد أكثر مما يصلح؛ فاطلبوا العلم طلباً لا تضروا بالعبادة، واطلبوا العبادة طلباً لا تضروا بالعلم، فإن قوماً طلبوا العبادة وتركوا العلم، فخرجوا بأسيافهم على أمة محمد e " – يقصد بذلك الخوارج – ولو طلبوا العلم لم يدلهم على ما فعلوا من الخروج عن منهج محمد e.


فحري بجيل الصحوة أن يتربى تربية متكاملة، تربية تعنى بالعبادة الحقة والصلة بالله – عزوجل– والعناية بالجانب العلمي والمعرفي، والعناية بالجانب العملي والدعوي والتطبيقي وأن تكون تربية متكاملة ترعى هذه الجوانب كلها .


التكامل والتوازن على مستوى المجتمع:

فالتكامل والتوازن مطلوب على مستوى المجتمع ككل، وهذا يشمل:


أولاً: رعاية كافة فئات المجتمع:

وذلك يعني ألا تكون التربية خاصة بفئة دون فئة، فمن المهم أن نعنى بتربية النشء، وتربية الشباب، وتربية طلاب العلم، وأن تصرف جهود كبيرة في ذلك؛ لكن حين نغفل عن تربية قطاع مهم من قطاعات المجتمع، عن تربية المرأة والفتاة، وعن تربية الطفل فإن هناك إخلالاً بالتكامل.


إنك تُسرُّ وأنت ترى الجهود المبذولة في تربية الشباب وتربية الجيل، لكنك يدركك الأسى حين تتأمل في الجهود المبذولة في تربية الفتاة وتربية المرأة –على سبيل المثال- فما الجهود التي تبذل لتربية هذا القطاع المهم من قطاعات المجتمع ؟ وما حجم الكتابات والأعمال والجهود والمدارس التربوية التي تقدم للطفل المسلم الذي يرى وهو في منزله الأفلام التي تحكي له الشرك بالله – عز وجل – عافانا الله وإياكم؟ وللطفل الذي يتربى على الشهوات من صغره؟ وقل مثل ذلك في سائر الطبقات.


ثانياً : التكامل بين المؤسسات التربوية:

وذلك بأن تتكامل الجهود وتتضافر في كامل المؤسسات التربوية من المنـزل والمدرسة والإعلام والمسجد؛ فلا يليق أن تربي المدرسة الشاب تربية يسمع نقيضها بعد ذلك في الشارع، ويراها في وسائل الإعلام؟ إننا نعيش ازدواجية تربوية فيسمع من خلال المنبر في خطبة الجمعة حديثاً يرى نقيضه في الشارع، ونقيضه في النادي، ونقيضه في وسائل الإعلام، ونقيضه في المنـزل، يسمع حديثاً في المدرسة ثم يرى نقيضه بعد ذلك في سائر المؤسسات! إن مثل هذا السلوك لا يعدو أن يُخرج لنا جيلاً يعيش في حلقات مُفرغة.


وحين نكون جادين في تربية الجيل، فلتتكامل مؤسسات التربية كلها في المجتمع لتسير في خط واضح واحد يتفق مع عقيدتنا الإسلامية، ومع منهجنا، ومع هوية الأمة، وحينئذٍ نرى الثمرة اليانعة بإذن الله.


ثالثاً : التكامل داخل المؤسسة التربوية الواحدة:


إننا نرى على - سبيل المثال - في المنـزل –وهو الدائرة الأولى من دوائر التنشئة الاجتماعية- تناقضاً تربويًّا بين قطبي الأسرة، بين الأب والأم؛ فالأب له كلمة تخالف كلمة الأم، والأم لها منهج يخالف منهج الأب، وكيف نتصور شابًّا صغيراً أو فتاةً صغيرةً ترى التناقض وازدواجية التوجيه داخل البيت من الأم والأب؟


وقد يكون هناك خلاف بين الأب والأم حول بعض الوسائل أو الأساليب التربوية، وقد يكون بينهم خلاف حول بعض الحلول لبعض المشكلات، وهذا أمر طبعي بل ينبغي أن تختلف وجهات النظر؛ لكن هذا شيءٌ، وبروز هذا الخلاف على السطح شيءٌ آخر، هذا شيء، والتعامل مع الطفل من خلال الاختلاف شيءٌ آخر.


رابعاً : التكامل بين الوسائل التربوية :


إننا وللأسف في مجالات كثيرة لا نحسن إلا أسلوباً واحداً : أسلوب التوجيه المباشر أسلوب الأمر والنهي، أسلوب الترهيب والوعيد والعقوبة، من الأب الذي يكافئ ابنه ويثني عليه حين يحسن؟ ومن الأستاذ الذي يكافئ تلميذه حين يبدو منه موقفاً يستحق المكافأة والثناء؟

وحين نستخدم العقوبة فإننا ينبغي أن نستخدم بالقدر نفسه - أيضاً – الثناء والثواب؛ وحين نستخدم الترهيب فإننا ينبغي أن نستخدم بالقدر نفسه الترغيب؛ وحين نستخدم التوجيه المباشر فإننا ينبغي - أيضاً – أن نستخدم بالقدر نفسه التوجيه غير المباشر؛ إننا نفتقر كثيراً في مؤسساتنا التربوية في المدرسة والمنـزل-بل ربما في الدرس التربوي في المسجد- نفتقر إلى التكامل بين الوسائل والأساليب التربوية؛ فلا نكاد نجيد إلاّ أساليب محدودة، والأساليب المحدودة ربما تصب في قالب واحد ولا شك أن هذا سوف ينتج لنا تربية نشازاً .


وحين نقرأ القرآن الكريم نجد أن القرآن ينوع بين الترغيب والترهيب، والقصة والموعظة، وبين الثناء وبين العتاب على الخطأ. وسنة النبي r هكذا؛ فهو r تارة يثني على أصحابه، وتارة يعاتب أحدهم، وتارة يغضب عليه، وتارة يوجه توجيهه مباشراً، وتارة غير مباشر، وهكذا نرى هديه r التكامل بين الأساليب والوسائل التربوية.



وسائل تعين على تحقيق التكامل والتوازن:


كان الحديث فيما سبق عن شيء من مضمون التوازن والتكامل، وأرى أن ما ذكرته لا يعدو أن يكون أمثلة تدل على ما سواها، ومعالم تقود إلى غيرها بعد ذلك ننتقل إلى أمور وخطوات أظن أنها قد تكون معينة لنا على أن تتكامل تربيتنا وأن تكون متوازنة .


أولاً : التخطيط والإعداد:

مَنْ مِنَ الأمهات والآباء يجلس مع نفسه ويفكر تفكيراً هادئاً في واقعه مع ابنه وابنته؟، وكيف يمكنه التعرف على مشكلاتهما وكيف سيتعامل مع هذه المشكلة وتلك؟ وكيف سيوفق في هذا الهدف أو ذاك؟
والأستاذ والمربي أيًّا كان موقعه كم يأخذ منه التفكير والتخطيط والترتيب للعملية التربوية؟
حينئذٍ ندرك سر الخلل؛ وأنه صادر عن تصرفات مرتجلة لم يسبقها تخطيط وتقعيد من قبل .



ثانياً : وضوح الأهداف واتفاقها مع الأهداف الشرعية :


فينبغي أن نرسم أهدافاً نريد أن نصل إليها، وهذه الأهداف يجب أن تكون أهدافاً منضبطة مع الضوابط الشرعية؛ فالتربية التي تدعو إلى تكوين المواطن الصالح تربية تخالف المنطلقات الشرعية؛ لأن الأمة الإسلامية أمة واحدة لا تعرف الحدود ولا تعرف الحواجز، وحين نربي أبناءنا وبناتنا على الإقليمية وعلى العنصرية، على أن يوالي ويعادي على المعايير القبلية والإقليمية والوطنية، فإن ذلك هدف غير شرعي.


وأخطر من ذلك حين تتطور القضية على المستوى الفكري وعلى مستوى ما يطرح في الساحة، فيربى الناس على التعلق بالقومية، وبالشعارات الوطنية، إن هذا يخرج لنا أمة متناقضة أمة متناحرة.
وحين نربي بناتنا وأولادنا على أن يكون همهمّ الأول هو تحصيل المادة، وحين نربيهم على أن يكون هم التعليم هو تحصيل الشهادة فهذه أهداف مرفوضة، وأهداف لا تتوافق مع أهداف الشريعة التي يريدها الله - عز وجل – أن تخرج المسلم العابد المتجرد لله - عز وجل - .


ثالثاً : المراجعة المستمرة:

إنما ينبغي أن نراجع كثيراً من مناهجنا التربوية، وأن نراجع الأساليب والوسائل التي نستخدمها في بيوتنا وفي مدارسنا ومؤسساتنا التربوية، وكل عمل تربوي نرسمه فهو جهد بشري لا يستغني عن المراجعة والتصحيح، وحين نرفض المراجعة فإن هذا يعني أن نبقى على ما نحن عليه من أخطاء ونبقى على ما نحن عليه من زلاّت وهفوات .



رابعاً :عدم الاستجابة لردود الأفعال :

إن غالب حالات الخلل الذي ينشأ في رعاية هذا الجانب إنما هي ردة فعل واستجابة لأفعال تولد الانحراف.
ففي المعتقد: المرجئة الذين قالوا لا يضر مع الإيمان ذنب , إنما قالوا قولهم هذا ردة فعل لأولئك الخوارج الذين غلوا فكفّروا مرتكب الكبيرة، فجاء أولئك وغلوا في هذا الجانب، وأولئك النواصب الذين ناصبوا آل بيت النبي r العداء إنما جاء موقفهم ردة فعل لانحراف الرافضة الذين يسبون أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، والذين شبهوا الله - سبحانه وتعالى – بخلقه، إنما انطلقوا من ردة فعل لأولئك الذين نفوا صفات الله - عز وجل -.


وقل مثل ذلك في المدارس الفقهية والتربوية.

وحينما يكتشف الإنسان في تربيته لنفسه أنه قد وقع في خطأ فركّز في جانب على حساب آخر، فإنه غالباً ما يجنح إلى ردة الفعل فيغلو الطرف المقابل؛ إنه قد يرى غيره ممن يعتني بالعبادة على حساب طلب العلم الشرعي وعلى حساب الدعوة، فيرى أن هذا خطأ، فيعالج هذا الخطأ بخطأٍ آخر؛ فيهمل جانب العبادة ويهمل التقرب إلى الله تعالى، ويعيش قاسي القلب ليس له حظ من عبادة الله - سبحانه وتعالى –.


وقل مثل ذلك في سائر الجوانب، فينبغي أن نحذر ونحن نعالج أخطاءنا من ردود الأفعال، وأن نحذر أيضا ونحن نعالج أخطاء الآخرين من ردود الأفعال، وأن تكون مواقفنا متـزنة.



تنبيهات أخيرة


الأول :
إننا حين ندعو إلى التوازن في التربية، فندعو الشاب إلى أن تكون له صلة بالله - عز وجل – والعبادة ونصيب من العلم الشرعي، ونصيب من الدعوة إلى الله تعالى، وإنكار المنكرات ونصيب من أبواب الخير، فإن التوازن ليس مرادفاً للتساوي والتعادل، فهذا لا يعني أن يحمل من كل شيء قدراً متساوياً، فإن الناس طاقات ومواهب وقدرات، ثم إن الأمة الإسلامية تحتاج أبواباً كثيرة قد تؤدي إلى أن يربى بعض الناس على جانب، وأن يعنى بعض الناس بجانب ويتأخرون في جانب آخر.
وحين ندعو إلى التوازن فإننا لا ندعو بالضرورة أن تكون النسب متساوية ومتعادلة، إنما التوازن يعني على سبيل المثال أن لا تكون عبادة الإنسان على حساب عنايته بالعلم الشرعي، وأن لا يكون طلبه للعلم على حساب عنايته لصلاح قلبه، أوعلى حساب دعوته، وقل مثل ذلك في باقي الجوانب


الثاني :
الدعوة إلى التكامل والتوازن لا تعني إهمال التخصص؛ فالناس خلقهم الله – عز وجل – متفاوتين في عقولهم وقدراتهم، كما قال الإمام مالك – رحمه الله - : "رب رجل فتح له في الصيام ولم يفتح له في الذكر، ورب رجل فُتح له في العلم ولم يفتح له في الجهاد، وما أظن أن ما أنا عليه دون ما أنت عليه وأرجو أن يكون كلانا على خير وبر " قال هذا – رحمه الله – لذاك الرجل الذي أنكر عليه العناية بالعلم وقلة التفرغ للعبادة، فلابد من التخصص ولا بد من أن يعنى فلان بجانب من الجوانب، وقد يكون على حساب غيره، ولكن هذا التخصص ينبغي أن يكون بقدر لا يخرج المرء عن القدر المشترك الذي ينبغي أن يكون عند الناس جميعا.
إذن فالتكامل والتوازن لا يعني إهمال التخصص ولا يعني إهمال القدرات الشخصية التي قد يفوق فيها فلان من الناس عن غيره، ولا يعني أن تكون الأمور كلها بنسبٍ متعادلة.

لكن الذي اشتغل بالعلم والتعلم –على سبيل المثال - وصرف فيه نفيس وقته، وهو على خير ولا يليق به أن يهمل جانب العبادة وحقه منها إهمالاً واسعاً بحيث يؤدي به إلى قسوة القلب، وأن يكون بعيداً عن ما ينبغي أن يكون عليه سمت أهل العلم، وقل مثل ذلك فيمن يدعو إلى الله ويحتسب في إنكار المنكرات العامة،، هذا ما أردت الحديث عنه حول هذه القضية التربوية حول قضية التكامل والتوازن، أسأل الله - عز وجل – أن يجعل فيما قلت الخير والبركة، وأن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، إنه سميع قريب مجيب .



#13 غير متصل   ashlpi

ashlpi

    إسماعيلاوي قبل أن أولد

  • Members
  • 1042 مشاركة

تاريخ المشاركة 12 January 2008 - 05:54 PM

الدرس الثالث عشر : الحوار والجدل


الحمد لله وصلى الله وسلم على رسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه … وبعد :

فعنوان حديثنا " دعوة للحوار " وبين يدي هذه الموضوع لابد أن نذكر أنفسنا بحديثٍ نسمعه في منتدياتنا ، و نقرؤه فيما يكتب ويسطّر ، و نسمعه في المنابر العامة ، وأصبح هذا الحديث يأخذ انتشاراً بين طبقات أوسع في المجتمع من ذي قبل ، ذلكم هو الحديث عن الدعوة إلى الله تبارك وتعالى ، لقد أصبحت الدعوة إلى الله عز وجل تساؤلاً يطرحه الكثير من الشباب ، لكنه يطرحه ضمن دائرةٍ محدودة من مجتمعات المسلمين ، فهو يعيش في إطار محدود ولا يتعامل إلا مع شريحة وقطاع معيَّنيْن ، فالطالب لم يعش إلا في جو الطلاب وجو الشباب ، في ظل نموذج محدود ومحصور بزمان معين .و لا يدري عما يدورخارج هذة الدائرة فيها.


إنه لا يليق أن نظل ندور في هذه الحلقة ، بل نتجاوز إلى مرحلة أخرى وهي: أن نتساءل عن الأساليب الجديدة ، والوسائل والمعوقات، وننتقل نقلة أخرى لأننا إذا بقينا نحدث الناس ونخاطب الناس داخل هذه الدائرة المحدودة ، فلا نتحدث إلا عن أهمية الدعوة والحاجة إليها وفضلها عند الله عز وجل- مع أهمية هذا الحديث- إذا كنا ندور فقط في ظل هذه الدائرة فسنبقى ولن نتطور ولن نتقدم .إننا نحتاج كثيراً للحديث عن فضل الدعوة وأهميتها، ويجب أن تكون مستقرة وبديهية .


في هذا الحديث إنما أخاطب فئة خاصة من الناس، هم أولئك الذين يشعرون أنَّ عليهم مسؤولية في الدعوة وأن عليهم واجباً ، أمّا أولئك الذين لا يزالون إلى الآن يتساءلون هل لهم دور في الدعوة أم لا ؟


فأولئك من وجهة نظري يجب أن نتجاوزهم، وأنَّ الوقت لا يتسع لأن نضيعه في الخطاب مع غير الجادين ، إن الواقع يفرض نفسه فأي مسلم عنده غَيرة وعنده حميِّة لدين الله عز وجل وغضب إذا انتهكت محارم الله يرى أينما ما ذهب يمنة ويسرة في واقع المسلمين ما يحرق فؤاده وما يدمي قلبه ، والذي لم يتألم قلبه لواقع المسلمين اليوم ولم يتحرك قلبه فليبكِ على قلبه، وليراجع منزلة الدين في نفسه أصلاً، وأين منزلة الدين لديه إذا كان ما يراه من واقع المسلمين اليوم من فساد وتخلف ومن مشكلات - يتصدع رأسك و أنت تحاول أن تحصي رؤوسهاوعناوينها فقط فكيف بالتفاصيل - الذي لا تحرك هذه الأوضاع قلبه يجب أن يعيد منزلة الدين في قلبه، وفي وجود الغيرة عنده على حرمات الله عز وجل ، ولهذا قال النبي r : " ما من نبي أرسله الله إلاَّ وكان له أصحاب يهتدون بسنته ويهتدون بأمره، ثم إنه تخلف بعدهم خلوف يقولون مالا يفعلون ويفعلون مالا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل " . إن الذي لم يجاهد في سبيل الله في إنكار المنكرات، وتغيير هذا الواقع بالأسلوب الشرعي المناسب وافتقد حتى القضية القلبية فهو يحتاج أن يعيد النظر في إيمانه " . ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل ، ماذا ؟ لأن الإيمان لابد أن يُوجِد عند الإنسان الغيرة والحمية للدين.
إن ما سبق كله يدعونا إلى أن نتساءل دائماً ونبحث عن أساليب للدعوة إلى الله عز وجل، وقد لا تكون بالضرورة أساليب جديدة نبتكرها، لكن قد نكون غافلين عنها، ومن ذلك:


ما نلقي الحديث حوله وهو قضية الحوار .

هذا الحديث ليس حديثاً عن أدب الحوار، ولا كيف نتحاور مع الناس، إنما هو حديث عن حاجتنا لاستخدام الحوار في دعوتنا إلى الله عز وجل والجدل و إقناع الناس، ونشعر جميعاً حينما نتأمل في واقعنا أنَّ هذه اللغة لغة مفقودة كثيراً في دعوتنا، وأنّا ربما لا نصنف هذا اللون وهذا الأسلوب ضمن أساليب الدعوة إلى الله عز وجل .


لماذا نحن بحاجة إلى الحوار والجدال ؟


الأمر الأول: الأمر به في القرآن :

نحن بحاجة إليه لأنه أسلوب دعا إليه القرآن فالله تبارك وتعالى يقول :
(( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن )) فيأمر تبارك وتعالى نبيه والسائرين على نهجه أن يدعو إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن يجادلوا الناس بالتي هي أحسن حتى لا يكون الجدال مراءً ، أو جدلاً عقيماً، فهو أمرٌ يُخاطَب به النبي r ولا شك أنَّ المسلمين والدعاة لله عز وجل والعاملين لدين الله تبارك وتعالى يتأسون به عليه الصلاة والسلام .


ويقول تبارك وتعالى : ) ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ، إلا الذين ظلموا منهم ( . هذه الآية ينهى الله – تبارك وتعالى – فيها أن يجادل أهل الكتاب جدلاً مذموماً وذلك لأن أهل الكتاب بطبيعتهم أهل جدل وأهل شقاق وأهل مراء ونعرف هذا في كتاب الله تبارك وتعالى ،فقد قصَّ الله عز وجل علينا قصص بني إسرائيل وقص علينا أخبارهم وأنباءهم ، اقرؤوا سورة البقرة في أولها وكيف كان أولئك يتخاطبون مع نبي من أنبياء الله تبارك وتعالى ، كيف كانوا يتخاطبون مع موسى حين قال :
) إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ، قالوا أتتخذنا هزوا - أهذه لغة يخاطب فيها نبي من أنبياء الله ؟! – قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ، قالوا ادع لنا ربك ( لاحظ الخطاب ) ادع لنا ربك ( كأن الله في منطق هؤلاء رب لموسى وحده …


) ادع لنا ربك يبين لنا ما هي (…
) ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها (…
) ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا (…
وحين قال لهم موسى : ) ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ( ، بدأ الحوار معهم بمقدمة وكأنه كان يتوقع منهم هذا اللجَجْ والخصومة فذكرهم بنعمة الله عليهم ) اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكاً وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين ( ... ) يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين . قالوا يا موسى إن فيها قوماً جبارين و إنَّا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون . قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ( ثم قالوا بعد ذلك : ) قالوا يا موسى : إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون – حتى وصل موسى إلى اليأس – قال ربَّ إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين (. وحين كتب الله عليهم التيه أربعين سنة تاهوا في الصحراء حتى ذهب هذا الجيل جيل الهزيمة جيل الجدل والخصومة، وجاء الجيل الجديد ثم أرسل الله إليهم يوشع بن نون وبدأهم من البداية وخطبهم وقال : (( لا يتبعني أحدٌ بنى داراً ، ولم يرفع سقوفها ، ولا يتبعني أحدٌ قد تزوج امرأةً ولمَّا يدخل بها – يعني أي إنسان متعلق بالدنيا فلا يتبعني - ثم قال للشمس : "أنت مأمورة وأنا مأمور" فحبس الله الشمس حتى فتح الله عز وجل له الأرض المقدسة )) هكذا كان بنو إسرائيل يتعاملون مع الأنبياء ولهذا في هذه الآية يأمرنا سبحانه وتعالى أن نجادل بني إسرائيل . لكن بالتي هي أحسن .



الأمر الثاني :الحوار من منهج الأنبياء :


حينما نقرأ القرآن نجد أنه كثيراً ما يورد لنا قصص الأنبياء والتي ما وجدت عبثاً وما ملئ بها القرآن حشواً ، بل خاطبنا الله عز وجل بها لنعتبر ونتعظ ونأخذ من سير الأنبياء عليهم السلام منهجاً، فهم يمثلون قمة النجاح في الدعوة إلى الله تبارك وتعالى، وقمة النجاح في استخدام الأسلوب المناسب مع أقوامهم ، حينما تقرأ قصص القرآن نرى أنها لا تكاد تفتقد الحوار والجدل بين الأنبياء وأقوامهم ، أي قصة من قصص الأنبياء، فكانوا يخاطبون أقوامهم ، ويجادلونهم أفراداً وجماعات ، ومن ذلك على سبيل المثال :
نوح وقومه ؛ هاهم قوم نوح يعلنون الشكوى أمام نوح أنهم لم يعودوا يصبروا على جداله ) قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين ( فقد شعروا أنهم قد أُلجموا بالجدل والخصومة فهربوا إلى بابٍ آخر- وهذا شأن المكابرين المعاندين - فانصرفوا واستعجلوا العذاب


) فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين ( فيجيبهم نبي الله بالمنطق الذي كان يليق بأنبياء الله بأن قضية العذاب قضية لا تهمه وأنها أمر بيد الله عز وجل ) قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين ( فهذه ليست قضيتي ، ولست مسؤولا عن عذابكم إنما هذا أمرٌ بيد الله إذا شاء الله أن يعذبهم فسيعذبهم ، أمّا الحوار والجدل معهم فهي قضية ليست مقصودة لذاتها إنما كان ذلك لأجل النصيحة لهم ) ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم ، إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون ( .


يوسف في السجن :نموذج آخر يحدثنا عنه القرآن ، ذلكم هو الحوار والجدل الذي دار بين يوسف و أصحابه في السجن حينما جاءوا إليه يستفتونه في رؤياهم؛ فبدأ معهم الحوار بقضية التوحيد وقضية الألوهية وكأنه شعر أن هذه القضية أهم من قضية الرؤيا وتعبير الرؤيا . فحين جاءوا إليه يستفتونه ) نبئنا بتأويله إنَّا نراك من المحسنين . قال لا يأتيكما طعامٌ ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي (

.أولاً : وعدهم أنه سيجيب على هذا السؤال ، ثم نسب العلم إلى الله )
إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون . واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون . يا صحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ( ؟ انظر لأسلوب الحوار الذي كان يطرحه معهم فيطرح هذا التساؤل تنزلاً معهم ) أأرباب متفرقون خير ؟ أم الله الواحد القهار ؟ ما تعبدون من دونه إلا أسماءاً سميتموها أنتم وآبائكم ( الآلهة من الذي سماها ؟ أنتم الذين سميتم هذه الآلهة فكيف تعبدونها، ثم بعد ذلك عبّر لهم الرؤيا .



إبراهيم ووالده : و
يحكي لنا القرآن أيضاً حواراً آخر بين إبراهيم وبين أبيه .
) واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقاً نبياً . إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً . يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطاً سوياً . يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيًّا . يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليًّا . قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنَّك واهجرني مليّا . قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيًّا .( .


واستعراض سائر النماذج - نماذج الحوار والجدل بين الأنبياء وأقوامهم - استعراض يطول فحين نريد أن نستعرض كل المواقف التي جادل الأنبياء فيها أقوامهم، فهذا يعني أن نذكر كل قصص الأنبياء التي ذكر الله في القرآن، لأن كل حياة الأنبياء كانت جدلاً وحواراً بينهم وبين أقوامهم .


إذن فهؤلاء هم الأنبياء -وهم قدوة الدعاة إلى الله - هاهم لا يفتقدون هذا المنهج، وهم كما قال نوح :
) قال رب إني دعوت قومي ليلاً ونهارا . فلم يزدهم دعائي إلا فرارا . وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم ... ( . ثم قال : ) ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا ( فاستعمل معهم كل الأساليب : دعاهم أفرادا ، دعاهم جماعات ، دعاهم في الليل , دعاهم في النهار ، ولك أن تتصور هذه الأساليب والوسائل التي استخدمها نوح مع قومه وقد بقي معهم ألف سنة إلا خمسين عاماً حتى تضجروا منه فقالوا ) قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين (


أما خاتم الأنبياء r - ولاتخفاكم سيرته- كم هي مواقف الحوار والجدل التي كان النبي r فيها يجادل الناس، وكم هم الذين أسلموا من خلال لقاء وحوار بينهم وبينه .


هاهو عمرو بن عنبسة جاء إلى النبي r فقال : من أنت . قال : أرسلني الله فجلس النبي r وإياه حتى أسلم رضي الله عنه .
ولئن جاء عمر رضي الله عنه جاء بصورة الرجل المقبل ليسأل ، فقد جاء ضماد بصورة أخرى جاء إلى مكة وكان كاهناً يرقى الناس أيام الجاهلية وسمع قريشاً يتهمون النبي بالجنون والسحر، فجاء إلى النبي وقال له أريد أن أرقيك - وهو جاد- ، قال إذا كنت تشكو من سحر أو من جن وفيك داء أرقيك فإن الناس يُشفون على يدي، فخاطبه النبي r وسمع حديثاً آخر وخطاباً آخر ثم انصرف وقد أسلم .
هل تظن أن أولئك الذين أسلموا كلهم سمعوا دعوة النبي r من خلال خطاب عام كان يخاطب به الملأ ، نعم قد كان النبي r يخاطب الناس في المجامع العامة؛ فقد صعد إلى الصفا ودعا الناس ثم قال : " إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد" وكان يخاطب الناس في المواسم، كان كثيراً ما يجادل بالتي هي أحسن ويجادل استجابةً لأمر الله .



وأصحاب النبي r الذين ساروا على نهجه كانوا يفتحون الجدل والحوار، ومن أوضح الأدلة على ذلك ما حصل بعد صلح الحديبية، فقد ذكر أهل السير أن الذين دخلوا في الإسلام ما بين صلح الحديبية وفتح مكة،أكثر من الذين دخلوا في الإسلام منذ بعث النبي والسر؛ ذلك أنه لما تمت الهدنة بين النبي وقريش كان هناك مجالٌ للقاء والحوار؛ فأسهم ذلك في نشر هذه الدعوة وخطاب فئات ربما كانت لم تسمع بها .


الأمر الثالث : أنه ميدان يسع الجميع:

كثيراً ما نسمع الشكوى والتساؤل؛ فكثير من الناس يتساءل ويقول إني أريد أن أشارك في الدعوة ، وأريد أن أساهم ، لكنني لا أملك القدرة ولا الإمكانات ، والكثير من الناس يطرح هذا السؤال جادًّا وهو يشعر أن الدعوة إلى الله تتطلب قدرات لا يملكها .
فتتطلب أولاً : رصيداً من العلم الشرعي - قد لا يملكه – باعتبار تخصصه أو باعتبار ضعف حصيلته ، أوقلة اهتمامه ، أو د^%$ه في الاستقامة حديثاً ،أو لأي اعتبار آخر.


وقد يشعر أن الدعوة تحتاج منه إلى أن يكون كاتباً أو خطيباً أو رجلاً مؤثراً … إلخ ، فهو قد يشعر أن هذه الدعوة تتطلب قدرات وإمكانات لا يطيقها هو ولا يملكها ، وحينئذٍ يتساءل بجد : ما الدور الذي أقوم به ؟

إن كل إنسان في المجتمع وأيًّا كانت قدراته ، أيًّا كانت مكانته يستطيع أن يفتح حواراً مع الناس الذين حوله ومع أقرانه ؛ فالطالب مثلاً يستطيع أن يناقش أحد زملائه ، ويحادثه حديثاً وديًّا ، ليس بالضرورة أن تكون نصيحة موجهة ، أو خطاباً رسميًّا كما يقال له يا أخي أنا أود أن أسألك سؤالاً : هل أنت راضٍ بوضعك الآن ؟ هل تشعر أن الحال التي أنت عليها ترضي الله ورسوله ؟ هل لو أتاك الموت على هذه الحال أنت راضٍ ؟ ألا ترى أنك خلقت لحكمة وغاية ألا يستطيع أن يقول هذا الكلام ؟!! وهل يرى أحد أن هذا الكلام يحتاج إلى علم جم وغزير ؟، أبداً هذا الكلام يستطيع أن يقوله كل مسلم.



حينما تجد زميلاً لك قد بدأ يصاحب الأشرار وتأخذ بيده وتقول يا أخي أنت تعرف أن الأشرار قد يؤثرون عليك وقد يوقعونك في الفساد وقد تبدأ أنت معهم من نقطة صغيرة وتنتهي إلى نهاية مزعجة وأنت تعرف أن النبي r حذرنا من صحبة الأشرار وهو r ناصحٌ لنا وقد ضرب لنا مثلاً بالجليس الصالح والجليس السوء .


أنا لا أتصور أبداً أن أحداً منكم لم يمر عليه هذا الموقف ، لا أحد منكم لم ير زميلاً له قد بدأ يصاحب الأشرار ، لكن من منا حينما رأى زميله يصاحب الأشرار وقد بدأ معهم هذه الخطوات طرح معه هذا الحوار وهذا الحديث ، صحيح أنه كلما كان الإنسان أكثر قدرات كان أقدرعلى الإقناع ، لكن ضع في ذهنك أن الشخص المقابل لك هو في مستواك ومثلك ، فحين تكون أنت طالباً في المرحلة المتوسطة أو الثانوية أو الجامعة أو موظفاً ، فالذي تتعامل معه هو مثلك تماماً مثل ثقافتك ، مثل قدراتك ، بل أنت قطعاً ستكون أكثر قدرات منه باعتبار أنك إنسان متدين على الأقل أنت تقرأ ، وأنت تسمع ، نحن نريدك أن تعيش مع من هو مثلك، وهكذا نشعر أنه لا توجد فئة من فئات المجتمع إلا تستطيع أن تخاطب من في مستواها.


إن أي إنسان في المجتمع يستطيع أن يجيد مثل هذه اللغة مع من حوله من الناس ، إذن فاستخدام هذا الأسلوب وهذه اللغة سيقضي على هذا التساؤل ، وسنشعر حينما نفكر هذا التفكير أن الميدان قد أصبح مفتوحاً للجميع ، وأصبحت قضية الدعوة تستوعب كل الناس، وتستوعب كل الطاقات في المجتمع ، نحن لا نجادل أبداً أن التصدر لدعوة للناس يجب أن تكون لطبقة تأهلت لذلك ، ونحن نشعر أنه لا يجوز بحال أن يدعو الإنسان الناس إلى شيءٍ لا يعلمه، ولا يجوز أن يتصدر المقل لما لا يحسنه هذه قضايا بديهية ولسنا بحاجةٍ أن نؤكد عليها ، لكن هناك قضايا لا يعذر بها أحد ، فالنبي r حينما خاطب الأمة قال : (( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده … )) فكل مسلم يرى المنكرات التى يعلم الجميع أنها منكر.



الأمر الرابع : سعة الانتشار :

أن هناك وسائل دعوية قد تمتلك رصيداً من الجاذبية ، وقد تملك عاملاً من عوامل الجذب والإثارة ، لكنها تخاطب فئة محدودة من الناس وشريحة قليلة مهما بلغت من الانتشار فالكتاب إذا طبع منه عشرة آلاف نسخة اعتبر واسع الانتشار ، والكتاب المثير لا يزال في عالمنا الإسلامي- الذي لا يعرف القراءة -لا تعد الأرقام فيه بالملايين بل بالآلاف ، وافترض أن هذا الكتاب طبع منه مليونا نسخة أو ثلاثه ملايين نسخة ، ماذا تصنع مع العالم الإسلامي الواسع ؟.


والشريط الذي يعد وسيلة واسعة الانتشار ، ما أعلى رقم يباع منه ؟ فئة محدودة من الأشرطة التي تنتشر انتشاراً واسعاً ، وستبقى محصورة في دائرة معينة مهما اتسعت الانتشار لكن حينما تتوسع قضية الدعوة ، و نفتح مجالاً للحوار و يصبح كل واحد يحمل قضية الدعوة ؛ فهذا يعني أننا سنخاطب المجتمع بأسره ، وسنخاطب كافة الطبقات ، ولا شك أن دين الله عز وجل يجب أن يبلَّغ للناس وأن يخبر به الناس كافةً .


دعنا نسأل: هل هناك شاب في مجتمعنا لم يتقابل مع شاب متدين أبداً ؟ اذهب إلى الشارع في أي مكان وأمسك بيد أي شاب واسأله عن ذلك ، فستراه قد قابل شاباً متديناً في المدرسة، وربما كان في فصله، أو جاره في المقعد، وقابل شاباً في الحي ، ربما كان قريباً له أو أخاً .


وانظر إلى أي فتاة في المجتمع ، ألم تقابل يوماً من الأيام فتاةً متدينة ؟ معلمة،أو زميلة، أو جارة، وهكذا سائر فئات المجتمع.
حينما تكون الدعوة قضية نحملها في كل مناسبة، وقضية حوار نفتحه في كل وقت في حالات فردية أو جماعية ، حينما نقابل أي شخص نفتح معه هذا الحوار ، فهذا يعني أنَّ هذه الرسالة أوستصل للناس كافة ، وستصل إلى طبقات واسعة من المجتمع .
كثير من الطلاب الذين قد حاورتهم شخصيًّا ، يقول لي : إني أول مرة أسمع هذا الكلام، وأول مرة أجد من يواجهني بهذا الخطاب ، وهذا منطق عجيب ، أنت تعيش في بيئةٍ مليئةٍ بالمتدينين كم أستاذا متديناً درسك ؟ كم طالباً متديناً زاملك ؟ كم قريب لك متدين ؟ ومع ذلك لا يوجد واحد منهم دعاك أو نصحك .



الأمر الخامس:الحوار اتصال من أكثر من طرف :

كثير من الوسائل الدعوية تعتمد على الخطاب من طرف واحد ومن جهة واحدة ، الآن وأنا أتخاطب معكم أتحدث وأنتم تسمعون، والأستاذ يتحدث مع الطلاب في الفصل من طرف واحد، الطالب يستقبل والأستاذ يتحدث ،وهكذا الخطيب والكتاب والشريط كلها وسائل اتصال من طرف واحد .


أما الحوار فيقيس التفاعل مع المستمع وردة فعله، ويتيح للمستمع أن يطرح اعتراضه ويبدي اقتناعه.



الأمر السادس :قلة العقبات :

حينما تنشر كتاباً أو شريطاً فأنت تحتاج إلى خطوات وأعباء تستغرق وقتاً وجهداً ، وقد تكون أكثر من العائد المتوقع من هذه الوسيلة ، أما الحوار فهو ميدان متاح في أي وقت وأي مجال .


الأمر السابع :الحوار لا يحتاج إلى متفرغ :

إن هذا النوع في الدعوة لا يتطلب تفرغاً ، ولا مزيداً من الأوقات ، فأنت في المدرسة تتحدث مع زملائك في وقت الفسحة ووقت الراحة ، وأنت في العمل تتحدث معهم ، وأنت في مناسبة اجتماعية تتحدث مع الناس.
وكثير مما نطرحه في المجالس حديث فارغ وكلام غير مفيد ، هذه الفرص واللقاءات موجودة نستطيع أن نستثمرها في قضية دعوية ونفتح هذا الحوار، فلا تحتاج إلى تفريغ وقت، ولا نحتاج إلى جهد ، ولا تحتاج إلى تحضير موضوع ولا إلى إعداد فبدلاً من أن يكون حديثك حول هموم الدنيا وحول الهموم الخاصة يكون حول هذه الأمور والقضايا المفيدة .


الأمر الثامن : حتى تصبح الدعوة قضية حية:


إن هذا الأسلوب يحول قضية الدعوة إلى قضية حيّة ، قضية تعيش في النفوس وقضية لا يتكلف لها الإنسان ولا يحسب لها حساباً، وتصبح جزءاً من حياتنا.
أضرب لك مثالاً بقضية التشجيع والحديث عن الرياضة ؛ قلما تجد مجلساً للشباب أو الفتيات إلا وتجد أمور الرياضة تملأ الحديث فتجد نقاشاً طويلاً وجدلا،ً وكل إنسان يبدي ما لديه من قدرات في الإقناع برأي معين حول هذا أو ذاك ، هذه قضية تلقائية لا شعورية في أي مناسبة في أي وقت تسيطر عليهم ، حينما نعيش نحن هذه القضية – قضية الدعوة – وتصبح قضية تشغل بالنا وسيطر علينا في كل مناسبة وكل وقت وتتحول إلى قضية حيّة - فلا تكون مقصورة على وسائل خاصة وعلى برنامج واحد نؤديه .
إذا قابلت إنساناً في الطائرة تحدثت أنا وإياه وأثرت قضية من القضايا ، وإذا جلست في مناسبة زواج مع أحد الأقارب تحدثت أنا وإياه ، وفي الفصل ، وفي المدرسة ، وفي مقر العمل ، في أي مكان وأي مناسبة مع من تعرف ومن لا تعرف ، والناس تلقائياً في أي مناسبة أو لقاء يدور بينهم حوار وحديث، ويدخلون في موضوعات ويشّرق أحدهم ويغرب . فلم لا يكون للقضايا الدعوية الجارة نصيباً من هذه القضية ؟


إذا حين نحيي مبدأ الحوار ونستثمر الفرص المتاحة تصبح قضية الدعوة جزءاً لا يتجزأ من حياتنا، بخلاف ما لو نشعر أنها قضية رسميّة- كما يقال- وكأنها قضية تحتاج إلى إعداد و خلافة… .


هذه بعض الأمور التي تؤيد أن تكون قضية الحوار والجدل مبدأً وأسلوباً من أساليب الدعوة التي يجب أن نعيشها ونمارسها .
من وسائل الإقناع:

قد يتساءل البعض كيف أقنع الناس ؟

وقد تواجهني عقبات كثيرة فكيف أتخطاها؟ هذا يحتاج إلى حديث آخر لكن يمكن أن نشير إلى بعض القضايا المهمة فيما يتسع له الوقت وهي قضايا نحتاج إليها في الحوار والجدل حتى يكون الحوار الذي نريده:
من وسائل الإقناع أولاً : يجب أن لا تُلجئ صاحبك للاعتراف بالخطأ ، فحينما تتحاور مع شخص فلا تضطره إلى ذلك لأن هذا صعب جدًّا على النفس، ولعلك تستعيد من الذاكرة مواقف الجدل فأحياناً يكون الجدل في قضية تافهة ويظهر الحق لكن يكاد المخطئ ويأبى أن يعترف فقدّر مشاعر الناس فلست في مجلس قضاء تريد أن تدين خصمك لكنك ببساطة تريد أن تثير القضية، وهذا سيتحقق بدون اعترافه بالخطأ .


الأمر الثاني : أعطه فرصة للتراجع فعندما يحضر شخص ويطرح رأياً فأتناقش معه، فمن الممكن أن أقول له أنا أعرف أن هناك نقصاً في معلوماتك، ولو كنت تعرف هذه المعلومات لوافقتني فهذا الأسلوب يجعل مَنْ أمامك يتراجع ، أو أقول له أنت انتبهت لجانب من الموضوع وهناك جانب آخر، فأعطه فرصة للتراجع ، فالمحاور الذكي هو الذي يعطي فرصة مقنعة ومعقولة للتراجع .

الأمر الثالث : الانطلاق من نقطة الاتفاق ، فعند جدالك مع أي شخص يجب أن تنطلق معه من نقطة تتفقون عليها
من يطعن في واقع المتدينين ويضرب على ذلك أمثلة من واقعهم يمكنك أن توافق على المقدمة لكن تتحفظ على النتيجة، فتقول ربما أن فئة منهم تقوم بما تقول لكن ليس بالضرورة أن هذا حال جميعهم؛ فلا تصر على نقاط الخلاف فتخسر كل القضية .
مثال آخر : كثير من الشباب غير المتدينين حينما تناقشه يقول : أنا جربت المتدينين وهم غير جادين وغير صادقين ولا أريد أن أكون مثلهم ،فلو أصررت على بطلان كلامه قد تخسر الحوار أويبقى الحوار معه حول هذه النقطة التي أثارها، بينما الهدف الذي أريده أنا هدف آخر فأقول : افترض أن كلامك صحيح، لكن هل الواقع الذي أنت عليه صحيح أم لا ؟ هل يرضي الله أم لا ؟ وإذا قصر المتدينون ووقعوا في أخطاء فهل هذا عذر لك في أن تقع في أخطاء من نوع آخر ؟


الأمر الرابع: حسن اختيار الألفاظ عندما أقول لإنسان : أنت جاهل في هذا الموضوع ، فهذه كلمة مرفوضة ، لكن من الممكن أن تصاغ بأسلوب أليق مثل أن تقول له : إن معلوماتك ناقصة حول هذا الموضوع . أوتقول له : هناك أشياء استجدت ، : أنا أعرف أشياءً باعتبار واقع عملي قد تخفى عليك، بدلاً من أن تقول له : أنت تتكلم بواقع تجهله.


الأمر الخامس : أعطه فرصةً للتفكير ، أعطه تساؤلات ودعه يفكر فيها ولينتهي الحوار هنا ، لكنه سيبقى يفكر فيها لأن جو الحوار والجدل جو مشحون وصعب ، فصعب أن يقتنع بخطئه وأن يستسلم ، لكن إذا بقي يفكر لوحده وبَعُدَ عن جو الحوار فيمكن أن يقوده ذلك إلى خطوة ونتيجة عملية .


الأمر السادس : الهدوء في الحوار وعدم التعالي ، لا تجعل نفسك معلماً للناس وتصور لهم أنك تعلم ما لا يعلمون ، ولو أنك تواضعت لأكبروك في أعينهم ، ولو تعودت على ذلك لكنت صاحب حجة تغنيك عن رفع صوتك وتعاليك .


الأمر السابع : تجنب الأحكام الجاهزة ، ربما تحكم على شخص بقولك : أنت فيك كذا وكذا ، ويجب عليك كذا وكذا ، وإن أصدرت أحكاماً فيجب أن تكون موضوعية وغير قاسية فالناس لم يُنصبوك قاضياً .

الأمر الثامن : يمكن أن تستبدل الأمر باقتراح : شخص يذكر أنه قدم محاولة شعرية ، وأعطاها لك باعتبارها أول محاولة ، وشعرت بعدم قدرته على الشعر فلا تجرحه بل قل : كلماتك فيها من المعاني والمشاعر والأسلوب الجيد لكن لو اتجهت للكتابة النثرية لتوقعت أنك ستنجح أكثر .

الأمر التاسع : حسن الاستماع والإنصات للآخرين فحن نجادل لايسوغ أن نفترض فيمن يجادلنا أن يستمع ، وأن يتلقى ، وإذا رفض نتهمه بأنه يرد الحق وأنه مستكبر وصاحب هوى ولا يجدى معه الحوار …إلخ

لقد قال يوسف : ) أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار … ( ؟! وقال عز وجل: ) هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ( . الإنسان الواثق من نفسه ومما عنده وهو على حق يتواضع ويجادل، 0ويتنزل مع الناس، ويستمع إليهم ويؤيد أقوالهم، ويطلب منهم المزيد كي يشعر محاورك أنك تحترم ما عنده .


إذا كنت تريد إقناع الناس ففكر كثيراً في أسلوب الحوار والجدل ، أما إذا كنت تشعر أن الحوار والجدل هو أسلوب للتعالي وإثبات الذات فإنك قد دخلت في دائرة المجادلة بأسلوب غير الأسلوب الشرعي اللائق ، ودخلت دائرة المراء والجدل المذموم الباطل ، وهذا أسلوب لا يصلح لمثلك .

هذه قضايا أردت أن أختم بها الحديث لأني أشعر أنها قضايا مهمة ، وإذا اقتنعنا بضرورة الجدل والحوار فيجب علينا أن نتعلم فن الأسلوب والحوار.
نسأل الله أن يوفقنا للحق والصواب وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم



#14 غير متصل   ashlpi

ashlpi

    إسماعيلاوي قبل أن أولد

  • Members
  • 1042 مشاركة

تاريخ المشاركة 12 January 2008 - 05:55 PM

الدرس الرابع عشر : الدعاة الصامتون


مدخل :-

قد يتبادر إلى ذهن من يسمع هذا العنوان أننا نعني بالحديث عن الدعاة الصامتين أولئك الذين صمتوا عن بيان كلمة الحق و أولئك الذين قعدوا عن سبيل الدعوة إلى الله.

و هؤلاء إنما هم شياطين خرس ليسوا جديرين بوصف الدعوة. إن الذين يسكتون عن الحق حين يجب بيانه والذين يقعدون عن نصرة هذا الدين خاصةً في هذا العصر الذي تكالب فيه الأعداء على هذه الأمة و كشروا عن أنيابهم و أعلنوها حرباً ضروساً ضد الإسلام و على كل من دعا إلى سبيل الله عز وجل - إن أولئك الذين يقفون على الحياد في هذه المعركة التي تعيشها الأمة ليسوا جديرين بأن يوصفوا بأنهم دعاة صامتون ، إنما هم شياطين خرس فالساكت عن الحق شيطان أخرس.
لكننا نعني بالدعاة الصامتين أولئك الذين يدعون إلى الله عز وجل بأحوالهم ، أولئك الذين تبلغ أحوالهم عن دعوتهم ؛ فهم يدعون الناس بأفعالهم وسيرهم وأحوالهم ، إنهم لم يتكلموا ولم ينطقوا وربما كانت أحوالهم وسيرهم أبلغ من أي كلمة و أي بيان.



وقفة مع نصوص القرآن الكريم:

أولاً: أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالتأسي بمن سبقه من الأنبياء و الاقتداء بهديهم يقول تبارك و تعالى عن إبراهيم: ((ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلاً هدينا ونوحاً هدينا من قبل ومن ذريته داود و سليمان و أيوب و يوسف و موسى و هارون وكذلك نجزي المحسنين * وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين * وإسماعيل واليسع ويونس ولوطاً وكلاً فضلنا على العالمين * ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم * ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده و لو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون* أولئك الذين آتيناهم الكتاب و الحكم و النبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوماً ليسو بها بكافرين * أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه أجراً إن هو إلا ذكرى للعالمين )).



إن الله تعالى يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقتدي بهدى أولئك الذين قص عليه سيرهم أنباءهم في هذا الكتاب ، و هذا الخطاب ليس للنبي صلى الله عليه وسلم وحده بل هو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم و لأمته من بعده.


ثانياً:
أمر الله نبيه و أمته من بعده أن يتأسى بإبراهيم عليه السلام و من معه ((قد كان لكم أسوة حسنة في إبراهيم و الذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاء منكم)) و قال ((لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة)).


ثالثاً:
أمر الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالتأسي به فقال: ((لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله و اليوم الآخر و ذكر الله كثيراً)).


رابعاً:
نهى تبارك و تعالى عن التناقض بين القول و العمل و ذم ذلك المسلك و عابه ((يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون)) ،وعاب تبارك وتعالى على بني إسرائيل أنهم نسوا أنفسهم إذ يأمرون بالبر غيرهم ((أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم و أنتم تتلون الكتاب)). و تتوالى الآيات في الكتاب التي تدعو المؤمنين إلى أن يكون العمل مصداقاً للقول و ما يدعو إليه الإنسان ((و من أحسن قولاً ممن دعا إلى الله و عمل صالحاً و قال إنني من المسلمين)) و قد استنبط بعض المفسرين من هذه الآية أن فيها الأمر بأن يعمل الداعية بما يقول وبما يدعو إليه.



خامساً:
قص القرآن قصص بعض الصالحين و السابقين فيما مضى و يقول تبارك و تعالى: ((أم حسبت أن أصحاب الكهف و الرقيم كانوا من آياتنا عجباً *إذ أوى الفتية إلى الكهف…)) الآيات وهي آيات يقرأها المسلم كل أسبوع يوم الجمعة، يقرأ قصة هؤلاء الفتية من أهل الكهف ، ويقرأ في القرآن الكريم قصة أصحاب الأخدود ، و قصة سحرة فرعون حينما آمنوا بموسى و قالوا لفرعون (فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا).


ويذكر الله تعالى في القرآن أحوال بعض الذين عاصروا التنزيل فأثنى الله عز وجل على مواقفهم أبقاها خالدة تتجاوز حدود الزمان و المكان الذي كانت فيه لتبقى منارة للأجيال من بعدهم ((من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه و منهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً)).


سادساً:
أخبر تبارك وتعالى أنه تاب على النبي و المهاجرين و الأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كان يزيغ قلوب فريق منهم, ثم قال تعالى:((يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله و كونوا مع الصادقين)) و قال في موضع آخر: ((للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم و أموالهم يبتغون فضلاً من الله و رضواناً و ينصرون الله و رسوله أولئك هم الصادقون* والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم و لا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا و يؤثرون على أنفسهم و لو كان بهم خصاصة))، و هي آيات كثيرة تقرأها في كتاب الله عز وجل في الثناء على تلك المواقف التي وقفها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.


إنها صور يخلدها لنا القرآن من هذه النماذج من أتباع الأنبياء السابقين أو من أتباع النبي صلى الله عليه وسلم.
و يقص علينا النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً قصصاً أخرى من مواقف هؤلاء الصابرين ، و من مواقف الذين دعوا إلى الله عز و جل و بذلوا أرواحهم و أنفسهم و أموالهم في سبيل الله عز و جل, إننا نقرأ في سيرة محمد صلى الله عليه وسلم سيرة شاب آمن بالله و دعا قومه و ضحى بنفسه في سبيل الله حتى آمن أهل قرية و هم يرون هذا الموقف من هذا الشاب و قد جاد بنفسه في سبيل الله فتنادى الناس جميعاً آمنا بالله رب الغلام ، لتنطلق هذه الكلمة سهماً آخر يتجه إلى صدور الذين فتنوا المؤمنين و المؤمنات بعد أن أحرقهم و قطع أحشاءهم ذلك السهم الذي انطلق من قلب هذا الغلام الصادق الذي ضحى بنفسه في سبيل الله عز و جل، و ظن أولئك المفسدون المجرمون أنهم حين يقتلون هذا الغلام سيقتلون الدعوة التي دعا إليها وأنهم سيدفنون هذا الدين الذي آمن به و دعا له فإذا بهم يسمعون الناس يتنادون:

آمنا بالله رب الغلام. إن النبي صلى الله عليه وسلم حين قص علينا هذه القصة ، أو حين قص علينا قصة نفر آواهم المبيت إلى الغار فدعوا الله عز و جل بصالح أعمالهم, أو حين قص علينا قصة تمثل نموذج الشاكر لله عز وجل و نموذج المعرض عن شكر هذه النعمة في قصة الأعمى و الأقرع والأبرص و غيرها التي تملأ دواوين السنة ، إن النبي صلى الله عليه وسلم حين قص علينا هذه النماذج إنما يعرضها أمام أمته لتكون قدوة لمن يقرأ هذه الأخبار ولمن جاء بعدهم ويصبح أولئك الماضون دعاة صامتين لدين الله عز و جل.


سابعاً: أمر الله تبارك و تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتلو على المؤمنين سيرة ابني آدم بالحق إذ قتل أحدهما أخاه ظلماً و عدوانا فصار من الدعاة الصامتين للجريمة و القتل، فما من نفس تقتل ظلماً إلا صار على ابن آدم الأول كفل منها إذ هو أول من سن القتل ، كل ذلك تأصيل للقدوة و الأسوة الحسنة ، و دعوة للدعاة إلى الله على منهج النبوة أن يترسموا معالمها ، و هو أيضاً تأصيل لمبدأ التأثير بالسلوك والعمل وامتداد ميدان الدعوة والمخاطبة لتتجاوز الكلمة المجردة فتمتد عبر ميدان فسيح لتصبح الكلمة وسيلة من الوسائل وأسلوباً من الأساليب لا أن تحصر الدعوة في الكلمة وحدها.



الداعية الأول و الدعوة الصامتة:

إن الدعاة إلى الله سبحانه و تعالى مهما علا شأن قضية الدعوة لديهم ومهما ابتكروا من الأساليب و الوسائل فهم رهن منهج الداعية الأول و الإمام الأوحد صلى الله عليه وسلم، و التحرر من ذلك يعني التحرر من المنهج والعدوان على السنة المتبعة وولوج الطريق المبتدعة ، لذا فنحن نطالب و ندعو أن تأخذ الدعوة بعداً شمولياً لدى أصحابها, أن تأخذ هذا البعد الذي يتجاوز الجمود على الأساليب التقليدية التي يرثونها ، فنحن أيضاً مع ذلك ندعو أن تحاط الدعوة إلى الله عز وجل سياج اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، و أن لا يكون ذلك مدعاةً لتجاوز هديه ، لهذا كان كل داع إلى الله عز وجل أحوج ما يكون إلى أن يحشد النصوص ويحشد الآثار التي تؤيد هذا المنهج الذي يدعو إليه، والتي تعلن للناس أنه لم يأت ببدعه من القول.


في الحديبية دعا النبي صلى الله عليه وسلم الناس بأن ينحروا بدنهم و أن يحلقوا رؤوسهم فلم يستجب أحد للنبي صلى الله عليه وسلم و قد أصاب الناس ما أصابهم ذلك أنهم جاءوا إلى هذا المكان وهم قد سمعوا الوعد منه صلى الله عليه وسلم أن يدخلوا البيت الحرام و أن يطوفوا بالبيت آمنين محلقين رؤوسهم و مقصرين لا يخافون، فحين أمرهم بهذا الأمر وحين رأوا مصالحة النبي صلى الله عليه وسلم لقريش وشدهم ذلك الموقف رأوا أبا جندل يرسف في قيوده فيعيده النبي صلى الله عليه وسلم إلى المشركين ،لم يطق ذلك المؤمنون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فلم يستجب أحد لأمره فيأتي صلى الله عليه وسلم إلى أم سلمة رضي الله عنها فتشير عليه بأن يخرج و لا يكلم أحدا فيدعو بالحلاق فيحلق رأسه، ثم ينحر بدنه فيخرج صلى الله عليه وسلم فيفعل ذلك فيجتمع الناس حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً.


وكان صدق حاله صلى الله عليه وسلم من أعظم ما استدل به بعض من آمن على صدق رسالته صلى الله عليه وسلم و من هؤلاء عبدالله بن سلام رضي الله عنه إذ قال بعد أن رآه قال: فعرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب. لقد كانت حال النبي صلى الله عليه وسلم ناطقة بصدقه و أنه لم يكن ينطق عن الهوى ، و أنه كان يؤتي الوحي من الله تبارك و تعالى، و أنه كان يأتيهم بخبر من السماء , لذلك كانت حاله وحدها كافية في دعوة الكثيرين إلى الإسلام فمن رآه صلى الله عليه وسلم عرف الصدق في وجهه.

و منهم من دخل في الإسلام و آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم لموقف أبصره أو مشهد رآه ، و السيرة تزخر بالكثير من هذه المواقف التي دخل فيها فئام من الناس الإسلام لما رأوه من المواقف ، واختار الله له أن يكون في مبدأ حياته أميناً صادقاً ليكون ذلك مرآة على صدقه، و ليقرأ في سيرته وهديه من سمع بدعوته ؛ الصدق وسمو المنهج ، لقد كان صلى الله عليه وسلم يلقب بالصادق الأمين ، لقد عاش صلى الله عليه وسلم مع قومه أربعين سنة عرفوا منه الصدق والإحسان إلى الناس و الأمانة ، عرفوا منه صلى الله عليه وسلم حسن الخلق ولم يكن يجاريهم في مجونهم ولهوهم ، إن تلك الحال التي كان يعيشها صلى الله عليه وسلم كانت دعوة صامتة وإشارة إلى أولئك الجادين في معرفة الحق أن هذا الرجل الذي عرفوا مدخله و مخرجه ، وعرفوا سيرته لم يكن ليكذب على الله بعد أن كان يتحاشى الكذب على الناس.



وهو أمر لم يختص به النبي صلى الله عليه وسلم بل يحكي الله تبارك و تعالى عن قوم صالح أنهم قالوا ((قد كنت فينا مرجواً قبل هذا أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا))، فقد كانت سيرة صالح في قومه كسيرة محمد صلى الله عليه وسلم و سائر الأنبياء و قد كانوا يرجون فيه الخير ، فلما دعاهم إلى الله تعالى خاب ظن أولئك الظالمين بنبيهم صالح.




أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يترسمون معالم المنهج :

لقد كان الصحابة رضي الله عنهم يترسمون منهجاً اختطه لهم النبي صلى الله عليه وسلم لكي تعيش الدعوة حيةً في قلوبهم و ضمائرهم ، فيقرأ ذلك من يطلع على سيرهم قبل أن يسمع أقوالهم ، حين دعا النبي الناس للصدقة و قد جاء قوم وجتاب النمار فرقَّ صلى الله عليه وسلم و هو صاحب القلب الرحيم لحالهم فتألم وخطب الناس دعاهم بأن يتصدقوا بما يملكون من درهمهم و دنانيرهم ، من صاع برهم وتمرهم ، فلم يتصدق أحد فجاء رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مع صرة كادت يده أن تعجز عنها بل عجزت فألقاها بين يدي النبي فتتابع الناس بعد ذلك فتهلل وجه النبي صلى الله عليه وسلم فصار هذا الرجل داعية صامتاً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها و أجر من عمل بها إلى يوم القيامة , ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها و وزر من عمل بها إلى يوم القيامة".


وحين استنفر النبي الناس ليغزو الروم ولم يعذر أحداً في ذلك جاء أقوام لا يجدون ما يحملهم يسألون النبي أن يحملهم فلم يجد صلى الله عليه وسلم ما يحملهم فتولوا يبكون لأنهم لم يجدوا ما ينفقون ، ولم يستطيعوا أن يجاهدوا في سبيل الله ، فخلّد القرآن ذكرتهم و سيرتهم ليكون هذا الموقف دعوة لمن جاء بعدهم أن يعيش كما كان يعيش أولئك. إن من لم يفتح له الميدان للجهاد لا يعذر إلا أن يعيش معهم بقلبه وحاله ، وأن ينصح لله ورسوله.


هاهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يبعثون رسالة إلى عروة بن مسعود يرجع مشدوهاً لأصحابه يحدثهم بما رأى وقد أدرك أنه أمام جيل آخر دون أن يكون منهم تعبير باللسان.


وهاهي سيرة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تبقى صورة للأجيال ناطقة إذا أراد ، فما أن يتحدث متحدث أو يتكلم متكلم إلا يضطر أن يزين مقالته بمواقف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى الله وتعلم العلم وغيره من الميادين ؛ ليبقى ذلك الجيل داعية إلى سائر الأجيال في كل صور الدعوة بميدان الجهاد والعلم والعبادة وغيرها.



مزايا الدعوة الصامتة :

إننا حين ندعو إلى أن نكون دعاة لدين الله تبارك و تعالى صامتين بأحوالنا و مواقفنا وسيرنا ونستشهد بذلك بسيرة المصطفى وسيرة أصحابه ومواقف سلف الأمة من بعدهم، نجمع مع إدراك فضيلة التأسي والاقتداء تحصيل مزايا تمتاز بها هذه الدعوة الصامتة ، ومنها :


أولاً:

أن الدعوة بالأحوال أبلغ من الدعوة بالقول ؛ فالمرء يستطيع أن يدبج المقال ، و يستطيع أن يحسن الحديث ، وأن يتفوه بما لا يعتقد ، لكن أن يكون ذلك المقال مصداقه حال ذلك الرجل وفعله فهي صورة أخرى وحالة أخرى. لقد أمر النبي الناس أن يحلقوا رؤوسهم وأن ينحروا بدنهم ، وما كان الذين أمرهم النبي من الذين يتلكؤون بالاستجابة وهم أسرع الناس مبادرة للاستجابة إلى أمره صلى الله عليه وسلم و طاعته ، لكن ذلك الأمر القولي أبلغ من حاله حين خرج وحلق ونحر ؛ فكان ذلك الفعل رسالة إلى الناس للاستجابة له صلى الله عليه وسلم ، و لهذا لما أرسل له صلى الله عليه وسلم يوم عرفة بقدح لبن شربه أمام الناس فكان أبلغ دلالة على أنه لم يكن صائماً.


ثانياً:

الدعوة الصامتة تدرك من جميع الطبقات ؛ فالكلمة المسموعة أو المقروءة قد يفوق تأثيرها اختلاف المستويات أو مدارك الناس ، والذي يتحدث أمام من ينصت له ، أو يكتب لمن يقرأ له بجد نفسه بين خيارين ، إن حسَّن المقال و ارتفعت لغته فيكون هناك من لا يدرك هذا الكلام أو من لا يفهمه ، وإن كان مقاله دون ذلك شعر المخاطَب أن هذا نزولاً بالكلمة عما تليق بها. أما الذي يدعو الناس بحاله فهو يدعو بدعوة يدركها الجميع و يفهمون مغزاها.


ثالثاً:

إن الكلام له أثر عظيم على النفوس ، وكم تترك الكلمة الصادقة من أثر ؟ بل كم تصنع من مواقف ؟ لكن الكلمة الصادقة مهما كانت تبقى عرضة للنسيان ، إنها تبقى فترة ثم تزول ، أما الموقف فإنه يبقى في الذاكرة لا يزول أبداً ، إن النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم كان مع أصحابه فرأى جارية من السبي تأتي لرضيعها و تضمه و ترضعه ؛ فيثيره الموقف صلى الله عليه وسلم وهو الرجل الذي كانت قضية الدعوة وقضية التعليم قضية حية في ضميره صلى الله عليه وسلم فيخاطب أصحابه قائلاً لهم : "أترون هذه طارحة ولدها في النار"؟ فيقول أصحابه : لا ، فيقول صلى الله عليه وسلم :"لله أرحم بعبده من هذه بولدها" فيمضي هذا الموقف ، إن الذين سمعوا الكلمة من النبي صلى الله عليه وسلم ربما ينسون حديثاً منه صلى الله عليه وسلم أما إذا رأوا امرأة ترضع ابنها فإنهم يتذكرون ذلك الموقف الذي سمعوا فيه تلك الكلمة منه صلى الله عليه وسلم.



رابعاً:

إن الكلمة أيضاً تترك أثراً على الناس و تدعوهم إلى العمل والسلك ، لكن ربما يظن البعض من الناس أن هذه الصور التي يتحدث عنها المتحدث أنها صورة مثالية يصعب تطبيقها ، و إذا أمكن تطبيقها فهي في هذا الزمان الذي مرجت فيه العهود وفسد فيه الناس تستعصي على التطبيق ، أما حين تكون دعوة في الحال و موقفاً يراه الناس فإنها دعوة لكل من يرى هذا الموقف أن هذه الصورة يمكن أن تحدث ، إن الذي يسمع عن مواقف الاستشهاد في سبيل الله ربما يهزه هذا الموقف لكنه قد يشعر أن النفوس البشرية لا تطيق هذا القدر من التضحية ، أما حين يرى هذه النماذج أمام عينه فسيدرك أن هذه القضية ترقى إلى ميدان الواقع ، إنه حين يسمع عن الإنفاق في سبيل الله فيرى من يجود بماله، سيترك أثراً في نفسه أقوى بكثير من أثر الكلمة مهما عظمت فصاحتها.



و لهذا اختار الله تعالى أن يكون أنبياؤه من البشر يأكلون الطعام و يمشون في الأسواق ليكونوا قدوة وأسوة للناس.


خامساً:

الدعوة الصامتة أعظم إجابة على سبل المضلين والمفسدين ، إن الصراع لا يمكن أن يقف بين أهل الحق و الباطل و ما يلبث أهل الباطل أن يثيروا الشبهات أمام دعاة الحق فيتهمونهم بأبشع التهم ، وهي تهم ورثوها من فرعون حين قال: ((ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو يظهر في الأرض الفساد)), لقد كانوا يتهمون الأنبياء بأنهم سحرة و مجانين وأن أتباعهم ضعفاء ، و اتهموا النبي صلى الله عليه وسلم أنه صابئ و أنه مجنون و ساحر ، و أنه يفرق بين المرء وزوجه ، وما يزال المفسدون الأفاكون الظالمون يثيرون الشبه والتهم على من يتبع سنة الأنبياء ويسير على طريقتهم ؛ فحين تكون حال هؤلاء حالاً صادقة للناس يصبح ذلك أعظم إجابة على كذب هؤلاء وإفكهم.




ما هي مجالات الدعوة الصامتة ؟

1- القدوة والأسوة الحسنة وقد مر بنا نماذج كثيرة تغني عن الاستطراد.

2- التفوق في مجالات الحياة المختلفة ؛ فحين يكون الصالحون والدعاة إلى الله عز وجل هم المتفوقون في مجالات الحياة المختلفة ، فهم المتفوقون في دراستهم و في ميادين العمل ، وهم العاملون الصادقون الذين إذا دخلوا إلى مجال فهم المتفوقون دوماً ، فإن هذا يعطي دلالة على أن هؤلاء صادقون ، وهذا يثبت للناس بطلان ما يسعى إليه الأعداء حين يحاولون أن يفسروا هذه الصحوة بأنها إفراز لحالة نفسية و اقتصادية.

3- الإحسان إلى الناس وتقديم البر لهم والخدمة، لقد كان صلى الله عليه وسلم كما حكت عنه زوجه : يكرم الضيف، ويعين على نوائب الحق، وكان يشفع للناس ويحسن حتى إلى الحيوان، فعندما رأى جملاً قد احدودب ظهره زرفت عينا الجمل إذ رأى في قلبه الرحمة والإحسان فيأتي إليه صلى الله عليه وسلم فيسأل :"أين صاحب هذا الجمل ؟" فيقول: أنا. فيقول: "اتق الله؛ فإنه شكى إلي أنك تجيعه و تتعبه". إن النبي صلى الله عليه وسلم يرسم لنا الأسوة والقدوة في أن نحسن إلى الناس، وأن نسعى إلى تبني قضاياهم وهو من قبله، فهاهو يوسف عليه السلام يقول له أصحابه ((نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين)), فقد رأيا فيه الإحسان إليهما، فالإحسان باب من أبواب الخير، و طريق للتعرف على الناس فيعرف الناس بأن هؤلاء صادقون وأنهم مخلصون.


4- كظم الغيظ و التنازل عن الحقوق الشخصية يقول تعالى :((و لا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك و بينه عداوة كأنه ولي حميم)). ويقول تعالى: ((والكاظمين الغيظ و العافين عن الناس)) ،حين يعرف الناس عنا أنا نتنازل عن الحقوق الشخصية ونعفو عمن ظلمنا بل نحسن إليه سيترك ذلك أثره فيهم. حين فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة وتمكن من أعدائه الذين فعلوا معه ما فعلوا وآذوه و أخرجوه، وكانوا يظنون أن هذا الموقف سيكون فيه حتفهم فأطلقهم صلى الله عليه وسلم وعفا عنهم، وكان ذلك من أعظم الأسباب في د^%$ كثير منهم في الإسلام؛ لأنهم عرفوا منه الصدق والأمانة والعفو والإحسان قبل أن ينبَّأ، و عرفوا منه ذلك بعد أن نُبَّيءَ وأرسل. وعرفوا منه ذلك بعد أن عادوه و آذوه، وهاهو أحد الصحابة يقول كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي نبياً من الأنبياء آذوه قومه وهو يمسح الدم عن وجهه و يقول :((اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)).

5- الصدق في الدعوة ورفع شعار الخير والصلاح، في صلح الحديبية جاء رجل من بني كنانة موفداً من قريش، فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "هذا فلان، وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له" فبعثت له؛ فاستقبله الناس يلبون، فلما رأى ذلك قال: "سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت، ورجع من فوره دون أن يسمع كلمة واحدة من النبي صلى الله عليه وسلم.

6- العاطفة الصادقة المتوقدة في النفس الداعية، وهي إفراز لمشاعر صادقة تكمن في نفسه ما تلبث أن تبدو على أرض الواقع، وعلى سلوكه وفي قسمات وجهه؛ فيقرأها كل من يراه لتترك أثراً يفوق ألف خطبة و ألف محاضرة، ويشعر الناس الذين يتعاملون مع هذا الصنف من الناس بما يحركهم ويدفعهم من الداخل، وما نزال نسمع الكثير ممن يتحدث عن العاطفة حديث الذم و النقد، حتى صار من مراتب الجرح والتنقص أن يقال عن شخص إنه عاطفي متحمس، وهذا الذم لهذا الصنف صار مهرباً لبعض من قد تبلد حسه تجاه المنكرات ومصائب الأمة، فصار حين يطلب منه التفاعل أو تُشتكى إليه الحال يتنهد قائلاً إن الأمور لا تحل بالعواطف ولا تعالج بالحماس، نعم إن الإغراق في العواطف مرفوض، والانطلاق وراء الحماس وحده تهور، لكن الدعوة إلى إلغاء ذلك كله تطرف هو الآخر، ولعل سائل يتساءل هل خلق الله تعالى هذه العواطف عند الناس عبثاً، لم يعد يقبل أهل الطب اليوم أن يكون هناك عضو لا يؤدي دوراً فكيف يقبل أن تكون هذه المشاعر المشتركة لدى العامة من الناس ـ والتي تمثل وقوداً للأعمال و مواقف شتى يقوم بها المرء ـ عبثاً لا فائدة منه و يذم المرء حين يتصف به. إننا حين نذم أولئك الذين يتهورون والذين لا يدفعهم إلا الحماس غير المنتظم، إن هذا لا يقودنا أبداً إلى أن نعذر أولئك المثبطين القاعدين الذين قد تبلد حسهم وماتت أرواحهم، وهم يرون الأمة تُنحر، فهم قد ارتكبوا منكراً آخر قد يكون أشد من منكر أولئك ألا وهو السكوت والقعود عن الحق.


7- المواقف المتميزة التي تشكل صدى لدى معاصريها و معايشيها، وتمتد بعد ذلك عبر أفق الزمن لتخترق حواجزه وتصبح منارة للأجيال، إنك لو تصفحت سير الصحابة فستجد عبارات بالأمر بالصبر و الوصاة به بالأمر بالثبات على المبدأ، لكن ذلك لم يكن مثل المواقف التي سطروها رضوان الله عليهم بالصبر على البلاء و المضايقة، فلا يزال في ذاكرة المسلمين أجمع وما يفتأ الخطباء والمتحدثون يرددون صوراً من صبر بلال وعمار، وتضحية ياسر وسمية، لا يزال هؤلاء يتذكرون تلك الصور، وتترك في نفوسهم أثرا لا تقاربه الأقوال والعبارات.وهكذا تبقى المواقف الصادقة منارة للجيل يقرأها المعاصرون فيكون هؤلاء الذين وقفوا هذه المواقف دعاة للأمة بمواقفهم، ثم يبقون بعد ذلك دعاة للجيل من بعدهم.


هذا و صلى الله على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم



#15 غير متصل   ashlpi

ashlpi

    إسماعيلاوي قبل أن أولد

  • Members
  • 1042 مشاركة

تاريخ المشاركة 12 January 2008 - 05:56 PM

الدرس الخامس عشر : السنن في القرآن و السنة


إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله ، أما بعد :
فحديثنا هذه الليلة حول سنة من سنن الله تبارك وتعالى في الكون والمجتمعات، سنة أحوج ما يكون المسلمون إليها في هذا العصر وهم يتطلعون للتغيير والإصلاح.


إنك لو طرحت هذا السؤال على أي فرد من المسلمين -أيا كانت ثقافته وتدينه-:هل ترى أن واقع المسلمين اليوم واقع شرعي يرضي الله تبارك وتعالى ؟ لو طرحت هذا السؤال لأجابك الجميع بالنفي، إن معظم المسلمين الصادقين اليوم يتطلعون إلى التغيير، لكن هل يدركون وهم يعيشون في هذه المرحلة سنن الله تبارك وتعالى في التغيير؟

إن هذه السنة واحدة من سنن الله تبارك وتعالى في الكون والمجتمعات، وهذا يدعونا إلى أن نتحدث بمقدمة –ربما تطول – حول هذه السنن التي جاء الحديث عنها في كتاب الله وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم؛ حتى تتضح لنا قيمة هذه السنن وحاجة المسلمين إلى مدارستها والعناية بها والأخذ بها.


إن الله تبارك وتعالى سن سننا تحكم هذا الكون وتحكم حركة التاريخ، هذه السنن تجعل المسلمين المستضيئين بنور الله تبارك وتعالى يفهمون الأحداث فهما سليما دقيقا، وتجعلهم يتنبؤون أو يتوقعون حصول الأحداث من خلال المقدمات التي يعلمونها ويدركونها، وهي أيضا تمثل أداة لهم في سيرهم في هذه الحياة.


السنن في القرآن:

إن الحديث عن سنن الله تبارك وتعالى في الأنفس والمجتمعات والآفاق حديث يطول في كتاب الله تبارك وتعالى، ولو أردنا أن نستقصي في هذا الوقت الآيات التي جاء فيها الحديث عن هذه السنن لضاق بنا المقام، لكني أشير إشارات ربما تطول قليلا حتى ندرك أهمية هذه السنن وحاجة الناس إليها، ولهذا كررت كثيرا في كتاب الله تبارك وتعالى.

أول أمر يدل على ذلك إيراد القصص في القرآن، فهذا دليل على أن هناك سنناً تحكم حياة الناس وتحكم سيرهم في حياتهم، سواء أكانوا أفرادا أم مجتمعات، والقرآن الكريم مليء بقصص السابقين والأولين قال تعالى :( نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن ) ،وقال: (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ). ولعلنا أن نتسأل لماذا تورد هذه القصص ؟ ولماذا يكثر الحديث في القرآن حول قصص السابقين والغابرين ؟أليس للاعتبار والاتعاظ ؟ بلى، وإذا لم تكن هناك سنن تحكم حياة المجتمعات فكيف يتعظ الناس ؟ كيف يتعظ الناس بقصة حصلت في سالف الأزمان وماضي الدهور إلا إذا كان ذلك يسير وفق سنن، فيقيسون حياتهم على حياة أولئك، ويعلمون أنهم إن سلكوا طريقهم سيصيبهم ما أصابهم، وأنهم إن بذلوا جهدهم سيحصِّلون ما حصَّل أولئك.

ما قيمة أن يعلم الإنسان أن قوماً من الأقوام كذبوا فأُهلكوا؟ أو أن قوما من الأقوام آمنوا فنجوا؟ ما قيمة أن يعلم ذلك إلا إذا كانت قاعدة مطردة؛ فيقيس حاله بحالهم.

ثانياً: يأتي التعليق على هذه القصص بالأمر بالاتعاظ والاعتبار؛ فبعد سياق كثير من هذه القصص يأتي الأمر بالاتعاظ والاعتبار بما أصاب أولئك، قال تبارك وتعالى عن أولئك الذين أتوا جريمة من الجرائم وفاحشة من الفواحش فكانوا يأتون الذكران من العالمين ويذرون ما خلق لهم ربهم من أزواجهم، قال واصفاً تلك العقوبة التي حلت بهم، والتي تليق بتلك الجريمة البشعة :(مسومة عند ربك وماهي من الظالمين ببعيد) ، إذا فلئن سلك قومٌ سبيل قوم لوط فهم معرَّضون أن يصيبهم ما أصاب قوم لوط وماهي من الظالمين ببعيد.

ويقول تبارك وتعالى في شأن طائفة من أهل الكتاب حين تكبروا وأعرضوا عن الإيمان بالله، وخانوا عهدهم مع رسول الله صلي الله عليه وسلم -ولهم قصب السبق في نقض عهودهم مع الله ومع أنبيائه من قبل -: (هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا و ظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار) ، إذاً لو فعلتم ما فعل أولئك سيصيبكم ما أصابهم؛ فهذه سنة من سنن الله تبارك وتعالى: أن من فعل كما فعل أولئك سيصيبه ما أصابهم لذا فعليه أن يعتبر ويتعظ.

وفي سورة الشعراء يقول تبارك وتعالى تعقيبا على كل موقف من مواقف الأنبياء مع أقوامهم وتكذيبهم ثم حلول العذاب بهم :(إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين . وإن ربك لهو العزيز الرحيم ).
ويقول تبارك وتعالى أيضا في آية تتكرر في أكثر من موضع تعقيبا على هذه المواطن في سورة القمر :(ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر. كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر) إلى غيرها من الآيات التي يعقب الله تبارك وتعالى فيها على شأن أولئك ويأمر عباده أن يتعظوا بمواقفهم.


والتعقيب والأمر بالاتعاظ والاعتبار ليس خاصا بمواقف العذاب والجزاء بالعقوبة وحدها، بل نراه أيضا في مواقف الخير والإنعام من الله تبارك وتعالى على عبادة كما قال عز وجل :(وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر علية فنادي في الظلمات أن لا اله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين . فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين )، فمن كان كمثل ذي النون علية السلام في صدق لجوئه وتسبيحه لله تبارك وتعالى استحق النجاة.
وقال عز وجل :(فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ) والآيات في هذا الباب كثيرة.


إذا فالتعقيب الذي يأتي على قصص القرآن أمراً بالاتعاظ والاعتبار دليل على ثبوت هذه السنن التي تحكم حياة الناس.
ثالثا: يأتي أيضا في قصص القرآن التعليل للجزاء - سواء أكان بالعقوبة أم بالأنعام- بوصف مناسب؛ والتعليل بالوصف المناسب دليل على أنة علة –كما يقول أهل الأصول- يقول تبارك وتعالى في شأن القوم الذين أهلكهم :(إنهم كانوا قوما عمين) ،فبعد أن حكى إهلاكهم وصفهم بأنهم كانوا قوما عمين، وهذا يعني أن هذا هو العلة في إهلاكهم، ويعني أن من شابههم في العلة سيشابههم في المصير ويصل إلى ما واصلوا إليه.



وقال تبارك وتعالى :(وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين) ،فهذا دليل على أن العلة التي من أجلها قطع دابر هؤلاء أنهم كذبوا بآيات الله ولم يكونوا مؤمنين.


وقال عز وجل في جزائه للمؤمنين: (فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين . فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين) ،وهذا يعني أن العلة في نجاتهم هي الإيمان والإسلام، وبالتالي فمن شاركهم في الوصف شاركهم النتيجة والنهاية .


وقال تبارك وتعالى في شأن نبي الله العفيف الطاهر يوسف علية السلام، الذي تعرضت له الفتن فلجأ إلى خالقه تبارك وتعالى مستعيناً به أن ينجيه وأن يخلصه قائلاً (رب السجن أحب إلى مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين) ،يقول تبارك وتعالى: (فاستجاب له ربه فصرف عنة كيدهن) ، ثم يقول تبارك وتعالى : (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين) ،فعلة صرف السوء والفحشاء عنة أنه كان من عباد الله المخلصين، وهذا يعني أن من كان من عباد الله المخلصين فإنه يستحق هذا الجزاء وهذا النعيم.


رابعا: يأمر الله تبارك وتعالى في كتابة بالسير في الأرض والاتعاظ بما حصل للسابقين في آيات كثيرة كما قال تبارك وتعالى :(وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم) ،ويقول: (أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وأثاروا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وماكان لهم من الله من واق )، ويقول تبارك وتعالى: (قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين).


والآيات التي تأمر بالمسير في الأرض والاتعاظ بمصارع الغابرين كثيرة في كتاب الله تبارك وتعالى، وهذا يعني أن هناك سننا ثابتة وأن هناك سننا تحكم حركة التاريخ وحياة الناس وإلا فكيف يتعظ الناس ويعتبرون؟ إنهم حين يسيرون في الأرض ويتأملون في أحوال الأمم التي مضت وخلت سيدركون أن تلك الأمم ما آلت إلى ما آلت إليه، وما استحقت النكال والعذاب إلا لتكذيبها وإعراضها، وهذا يعني أنهم إن ساروا على نفس الطريق فسوف يصلون إلى النتيجة نفسها، وسوف تحق عليهم السنة نفسها، وسيصلون إلى المصير نفسه.


الأمر الخامس:
يأتي في كتاب الله تبارك وتعالى الإشارة إلى طائفة من هذه السنن التي تحكم حياة الناس،أفراداً ومجتمعات.
فيخبر الله تبارك وتعالى أنه حين يطغى المترفون ويعلنون فسقهم وفجورهم فإن هذا إيذان بحلول الهلاك والتدمير للقرية أيا كانت هذه القرية ( وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا )، وتبقى هذه الآية نذيرا يلوح في الأفق أمام المؤمنين الذين ينظرون بنور الله فيخشون أن يحصل الهلاك والبوار لأولئك أو هؤلاء لأنهم قد فسقوا وأعلنوا فسقهم وفجورهم، وحين قالوا ذلك فليسوا يعلمون الغيب، وليسوا يقرؤون ما وراء الأحداث، لكنهم يعلمون ذلك من خلال معرفتهم بسنن الله تبارك وتعالى.


ويخبر تبارك وتعالى أن هناك سنة للمتكبرين المتجبرين، هي أن هؤلاء يجابهون ويواجهون من يدعوهم إلى الإيمان والصلاح والتقوى لله تبارك وتعالى بالتكذيب والإعراض والسخرية والاستهزاء؛ يقول تبارك وتعالى :( ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك ) على أحد القولين في تفسير هذه الآية ،ويقول تبارك وتعالى :

( كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون. أتواصوا به بل هم قوم طاغون ) ،كأن هؤلاء لاتفاقهم على هذه المقولة قد تواصوا عليها واتفقوا، إنها سنة الله تبارك وتعالى في المصلحين مع أقوامهم، أن يواجههم أقوامهم المكذبون بالتكذيب والإعراض والسخرية والاستهزاء واتهامهم بما ليس فيهم.


ويخبر تبارك وتعالى متوعداً أولئك الذين نجم نفاقهم من أهل الإرجاف والنفاق أنهم إن لم يثوبوا إلى رشدهم ويتوبوا إلى الله تبارك وتعالى، فإنه ستحل عليهم سنة الله في السابقين، قال عز وجل :(لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا. ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا. سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا ) ، إنها سنة الله أن يحل بهؤلاء المنافقين المرجفين عذاب الله تبارك وتعالى إن لم يتوبوا إلى رشدهم ويتوبوا إلى الله تبارك وتعالى.


ويخبر تبارك وتعالى عن سنة من سننه فيقول :( وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا. استكبارا في الأرض ومكر السيئ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا ).


ويقول تبارك وتعالى : ( ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين. وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون ) ، ثم يقول تبارك وتعالى : ( وقد خلت سنة الأولين ).


ويقول عز وجل مخبراً أنه لو تمالأ أهل الكفر على قتال المؤمنين فإن الله تبارك وتعالى سيحل بهم الهزيمة ويولي هؤلاء الأدبار ( ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا. سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا ) ،ثم يأتي التأكيد على أن هذه السنة لن تتبدل ولن تتغير.


ويقول تبارك وتعالى أيضا مخبرا عن حال هؤلاء وأنهم يؤمنون حين يرون العذاب :( فلما رأوا بأسنا قالوا أمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين ، فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون ) .
هذا غيض من فيض، وهذه شواهد يسيرة من الحديث الكثير المستفيض في كتاب الله تبارك وتعالى عن سنن الله عز وجل، يعطينا دلالة قاطعة أن هناك سننا تحكم حياة الناس، جدير بهم أن يتأملوها، وأن يعوها ويتدبروها، وأولى الناس بالاعتناء بها هم أولئك الذين يتطلعون للإصلاح والتغيير في مجتمعاتهم.




السنن في السنة النبوية:

ويشير النبي صلى الله عليه وسلم في طائفة من أحاديثه إلى شيء من هذه السنن يقول صلى الله عليه وسلم في قصة قدوم أبي عبيدة بمال من البحرين :" فوا الله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم؛ فتنافسوها كما تنافسوها؛ فتهلككم كما أهلكتهم " فهي سنة لا تتخلف، حين يتنافس الناس في الدنيا والدينار والدرهم كما تنافس الذين من قبلهم أن تهلكهم كما أهلكت من كان قبلهم .


عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله r فشخص ببصره إلى السماء، ثم قال:"هذا أوان يختلس العلم من الناس، حتى لايقدروا منه على شيء" فقال زياد بن لبيد الأنصاري: يارسول الله، وكيف يختلس منا وقد قرأنا القرآن؟ فوالله لنقرأنه ولنقرئه نساءنا وأبناءنا. فقال:"ثكلتك أمك يازياد، إن كنت لأعدك من فقهاء أهل المدينة، هذه التوراة والإنجيل عند ال**** والنصارى فماذا يغني عنهم؟" فالسنة التي حقت على أولئك قد تحق على هؤلاء.


وحين أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يقيم حد الله على امرأة شريفة ذات مكانة، امرأة من بني مخزوم سرقت أو كانت تستعير المتاع فتجحده، فشعر بنو مخزوم وشعرت قريش أن هذا فيه إهانة لشرف هذه القبيلة ذات المنزلة العالية، فأرادوا أن يستشفعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يخفف عنها الحد ويسقط عنها هذه العقوبة، وقالوا: من يجترئ عليه إلا أسامة رضي الله عنه حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن حبه؟ فكلموا أسامة، فكلم أسامة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فغضب الرسول صلى الله عليه وسلم على أسامة وقال :"أتشفع في حد من حدود الله؟" ولم يكن صلى الله عليه وسلم يشعر أن هذه المعالجة كافية لهذه القضية الخطيرة التي إن بدت في الأمة فهي نذير عقوبة وهلاك، فلم يكتف صلى الله عليه وسلم بهذا الرد على أسامة، ولم يكتف بإقامة الحد على هذه المرأة، إنما يصعد المنبر صلى الله عليه وسلم ويقول: " إنما أهلك من كان قبلكم إنه كان إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها "، إذا فقد كان السابقون يحابون في الحدود، وكانوا يقيمون أحكام الله على الضعفاء، أما الشرفاء وعلية القوم فلهم شأن آخر، ولهذا توعد صلى الله عليه وسلم أنكم إن فعلتم كما فعل من كان قبلكم فسوف تهلكون كما هلك من كان قبلكم.




السنن في عالم المادة وفي حياة الإنسان:

كما أن لله عز وجل سنناً تحكم عالم المادة ودنيا الناس، حين اكتشفها الناس استطاعوا أن يستفيدوا منها وأن يوظفوا هذه القوانين وهذه السنن توظيفا في خدمة الناس في أمور دنياهم، فمن ذلك مثلا " قانون الجاذبية " وهي قضية يراها كل الناس ويجهدون أنفسهم في التفكير فيها ولا يجهدون أنفسهم في تفسير هذا الموقف الذي يرونه والذي لا يتغير ولا يتبدل، وحين اكتشف العالم المعاصر هذا القانون استطاع أن يوظف هذا القانون وأن يستثمره فيعبر القارات ويعبر الفضاء من خلال السيطرة على هذا القانون.
وحين يكتشف العلم المعاصر المواد التي تتقبل الاحتراق، والتي لا تتقبل الاحتراق؛ فإنه يوظف هذه السنة في تحقيق مصالح الناس في أمور دنياهم، ولهذا نرى النبي صلى الله عليه وسلم يربط بين السنن الكونية وبين السنن المادية، بين السنن التي تحكم حياة المجتمعات ودنيا الناس وبين السنن التي تحكم عالم المادة، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:"مثل القائم في حدود الله والمدهن فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فكان بعضهم أسفلها وكان بعضهم أعلاها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا فلم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا".


إن النبي صلى الله عليه وسلم يحدثنا عن سنة من سنن الله تبارك وتعالى في المجتمعات، وهي أنه حين يقع الناس في المعاصي ويتجرأون على حدود الله فإنه سيهلك المجتمع بمن فيه، ثم يربط النبي صلى الله عليه وسلم هذه السنة وهذا القانون بقانون يراه الناس في عالم المادة، حين تخرق السفينة التي تسير على البحر فإن هذا سبب لأن يلج إليها الماء فتمتلئ فتغرق بمن فيها، ولو كان فيها طائفة لم يكن لم دور في خرق هذه السفينة.


ويذكر صلى الله عليه وسلم سنة أخرى من السنن المادية التي يراها الناس فيربطها بسنة من سنن الله في المجتمعات يقول صلى الله عليه وسلم :( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر بالحمى والسهر ).


إذا ما موقف الناس وما دور الناس وما دور العلم المعاصر في التعامل مع سنن الله في عالم المادة أو ما يسمونه بـ: قوانين الطبيعة؟ أترى الناس مثلا يستسلمون لهذه السنن وهذه القوانين أم أنهم يحرصون قدر الإمكان على اكتشافها وتفسيرها، ثم محاولة توظيفها واستثمارها والتعامل معها؟


وكم استفاد العلم المعاصر من استثمار هذه السنن الثابتة التي تحكم الناس في أمور معاشهم وأمور دنياهم؟ ولكن هل نحن – في تطلعنا لتغيرنا الاجتماعي وفي قراءتنا للتاريخ الماضي وفهمنا للتاريخ الحاضر – نتعامل مع ذلك كما نتعامل مع السنن في عالم المادة؟ وكتابنا الذي لا ينطق عن الهوى مليء بالإشارة إلى هذه السنن والحديث عنها، ولم نكلف عبأ في محاولة اكتشافها ودراستها.



موقفنا من السنن:


الموقف الأول: السعي لاكتشافها، من خلال قراءة ما حكاه الله تبارك وتعالى لنا من قصص السابقين والأولين، يحكمنا فيها قوله تبارك وتعالى : ( فاعتبروا يا أولي الأبصار ) فنسعى من خلال ذلك إلى أن نكتشف السنن التي تحكم حياة المجتمعات، وأن نقرأ تاريخ أمتنا، وأن نقرأ تاريخ الأمم الغابرة الماضية، بل ونقرأ تاريخ الأمم المعاصرة، ثم نتأمل ما فيه ونستنبط منه هذه السنن التي تحكم حركة الناس وحياة الناس.

وهذا ما سعى إليه ابن خلدون رحمه الله في كتابه الرائع " مقدمة ابن خلدون " فقد سعى جاهداً لاكتشاف سنن الله في الدول والمجتمعات ومن قرأ فيه رأى فيه شيئا كبيرا من ذلك .

الأمر الثاني : تفسير الأحداث من خلال هذه السنن، تحصل أحداث كثيرة تمر بالناس سواء ما يحصل للمسلمين في مجتمعاتهم، أو ما يحصل للمجتمعات الأخرى المعاصرة، من التمكين لأمة من الأمم، أو إهلاك أخرى، أو أمة يجعل الله تبارك وتعالى بأسها بينها، إنها أحداث تمر بالمؤمنين ومع ذلك يعجز الناس عن تفسيرها، ولو وعى الناس سنن الله تبارك وتعالى في التاريخ والمجتمعات وربطوها بهذا الواقع المعاصر الذي يعيشونه، لأضاءت لهم الرؤية ولأصبحوا يملكون رؤية واضحة تعينهم على تفسير هذه الأحداث واكتشاف مغازيها.


الأمر الثالث : الرؤية المستقبلية للأحداث أو التنبؤ بها؛ فيتوقع المسلمون ما سيحل بمجتمعاتهم أو ما سيحل بالمجتمعات القريبة لهم.
لقد قرأنا لكثير من العلماء والمفكرين الإسلاميين في هذا العصر أنهم كانوا يتنبأون بسقوط الشيوعية وانهيارها، فكيف استطاع هؤلاء أن يتنبأوا بذلك أهم يعلمون الغيب؟ أبدا إنهم علموا ذلك من خلال هذه السنن.
وحين ولى الفرس عليهم امرأة قال صلى الله عليه وسلم :"لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" فأدرك صلى الله عليه وسلم من هذه السنة أن هذه أمارة ودليل على زوال الفلاح عن هؤلاء لماذا ؟ لأنهم ولَّوا أمرهم امرأة ومن يولي أمره امرأة فإن هذا إيذان بزوال الفلاح عنه.


الأمر الرابع: أن نستثمر هذه السنن ونستفيد منها ونحن نتطلع للغير في مجتمعاتنا ونسعى إلى عالم أفضل، إننا نقرأ في كتاب الله تبارك وتعالى ونقرأ في التاريخ عوامل نهضة الأمم وعوامل رقيها، فحين نتطلع للنهضة والرقي فعلينا أن نسلك هذه العوامل ونأخذ بهذه الأسباب، ونقرأ عوامل الانحطاط والانهيار وحلول العذاب والبوار ونحن إن كنا نحرص على حماية أنفسنا من عذاب الله تبارك وتعالى فيجدر بن أن نجتنب هذه الأسباب وأن نحذِّر بني قومنا منها.


أليس جدير بنا - ونحن نتطلع للتغيير ونحن نتطلع للإصلاح ونحن نسعى للتغيير في مجتمعات المسلمين- أن نتأمل هذه السنن وأن نعيها وأن ننزلها على واقعنا ونسعى من خلال التعامل معها إلى التغيير في واقعنا ومجتمعاتنا؟
وهذا يضيف علينا عبئاً كبيراً ويجعلنا ندرك أن المسؤولية وأن واجب الإصلاح والتغيير لا يقف عند مجرد جهود مرتجلة، وعند مجرد أعمال مبعثرة هنا وهناك، بل حركة الإصلاح والتغيير في مجتمعات المسلمين تحتاج إلى دراسة متأنية، وتحتاج إلى بحث عن سنن التغيير والسعي إليها.


سنة التغيير:
قال تعالى في بيان هذه السنة :(إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) ، وقال عز وجل (ذلك بأن الله لم يكن مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).


وقد أشار صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى في قوله :"إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلا لن يرفعه عنكم حتى ترجعوا لدينكم" وقوله صلى الله عليه وسلم أيضا :"يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها" قالوا: أمن قلة نحن يومئذ يارسول الله ؟ قال:"أنتم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من قلوب عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن" قالوا ما الوهن ؟ قال:"حب الدنيا وكراهية الموت".


وقد سأل النبي صلى الله عليه وسلم ربه, أن لا يهلك أمته لسنة بعامة, وسأل ربه أن لا يجعل بأسهم بينهم؛ فمنعه الله تبارك وتعالى ذلك، قال:"حتى يكون بعضهم يقتل بعضا ويسبي بعضا ".


ويقول صلى الله عليه وسلم :"يا معشر المهاجرين خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن، لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا (هذه سنة تفسر لنا ما نراه الآن في العالم المعاصر وتبقي نذير خطر لأولئك الذين يسعون لإغراق مجتمعات المسلمين بالفساد والإباحية) ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم" ، إنها سنن كونيه نراها الآن حاضرة في المجتمعات المعاصرة التي ابتلاها الله تبارك وتعالى بهذه العقوبات بما كسبت أيديها، وهذا أيضا مصداق لقوله تبارك وتعالى (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) ، وهو أيضاً مصداق قوله تبارك وتعالى :( أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم ) وقوله :( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ).


والحديث عن هذه السنة يكثر في القرآن الكريم، بل إن قراءة قصص الأولين والغابرين في كتاب الله تبارك وتعالى تؤيد هذا المعنى وتشهد له.





إن دراسة سنة التغيير هذه تعطينا نتائج:

النتيجة الأولى: أننا نحن المسؤولين عن هذا الواقع، وأن الأمة إنما أتيت من داخلها، فليس الكيد الخارجي والتآمر، وليس فلان أو فلان هم المسؤولين عما حل بالأمة، بل نحن المسؤولون عما حل بنا (ذلك بأن الله لم بكن مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) ، فالحال التي وصلنا إليها والواقع المر الذي نعانيه ونعيشه الآن إنما هو نتيجة للتغير الذي كان بأنفسنا، فلنكن صرحاء مع أنفسنا ولانحيل مشاكلنا على غيرنا ولا نتهم بها سوانا ولا نحمل المسؤولية من لا يتحملها، فنحن وحدنا الذين نتحمل كل المسؤولية.



إن ما حل في مجتمعات المسلمين من بعد عن دين الله، من تخلف، من جهل، من أمية، من فقر من حروب، إن كل ذلك نتيجة منطقية لما كسبت أيدينا.


النتيجة الثانية : أن التغيير لن يتم إلا إذا غيرنا ما بداخلنا، إننا ونحن نتطلع إلى عالم أفضل، ونسعى إلى تغيير ما في الناس من بعد عن دين الله تبارك وتعالى، ونسعى إلى إعادة الناس إلى دين الله عز وجل لا يمكن أن يتحقق لنا ذلك دون أن نغير ما بأنفسنا، وإذا غيرنا ما بداخلنا فهي الخطوة الأولى للتغيير وللإصلاح.


النتيجة الثالثة: أن هذا يعطينا الاقتناع بأن التغيير ممكن، وأن الواقع المعاصر ليس أمراً حتماً ولازما؛ فالأمة يمكن أن تنتقل إلى عالم أفضل.


إننا حين ننظر إلى حال المسلمين وإلى حال هذه الأمة، نرى أن هناك أزمة تعانيها الأمة وأنها بحاجة إلى من يقنعها بالتغيير؛ فالكثير من الناس يعتقد أن هذا الواقع يفرض نفسه، ولهذا حين تحدثه عما في نفسه أو تحدثه عن قضية يعاني منها المجتمع، وتطالبه أن يأخذ بيد الساعين والقائمين للتغيير يقول لك : " إن المفروض شيء والواقع شيء آخر " وهذا يعني الاستسلام للواقع، وأنه ضربة لازمة لا سبيل ولا مناص إلى تغييره.



ثانيا والأمة مصابة بإلقاء التبعية على الجيل السابق أو اللاحق، وهي ثالثاً مصابة بداء تسويغ الواقع الذي تعيشه الأمة الآن.
إنها جريمة عظمى يرتكبها هؤلاء الذين يقفون حجر عثرة في سبيل أي جهد يبذل للإصلاح والتغيير، ويسعون لتبرير الواقع وتسويغه، وتسويغ الانحراف الذي تعاني منه الأمة والذي لم يعد خافيا على ذي بصيرة ، إن هناك من يدافع عن تلك الجرائم التي ترتكب بحق الأمة؛ فيدافع ويبرر كثيرا من مظاهر الشرك والوثنية التي تعاني منها الآن ويلبسها لباس المصلحة تارة ولباس الجهل تارة أخرى، لأن أولئك يفقهون مالا يفقهون ويعملون مالا تعملون ويريدون مالا تريدون، والمصلحون حين ينزلون الحكم الشرعي على هذه الوقائع؛ فيقررون أن هذا الأمر جريمة، أو أن ذلك العمل صد عن سبيل الله، أو أن هذا مظهر من مظاهر الكفر بالله تبارك وتعالى، فهم يسعون إلي إثارة البلبلة وإلى تمزيق صف الأمة ووحدتها، وكأن هذه الأمة مدعوة لأن تتحد على الخنا والفجور، وأن تحافظ على هذا الاتحاد في ولو كان ذلك على حساب قضية الإيمان والتوحيد والعفة والنزاهة .



إن جريمة من يسعى لتسويغ الواقع وتبريره، أشنع وأشد من جريمة القاعدين والناكصين.

وسلوك رابع خاطئ في تعامل المسلمين مع هذه القضية، وهو إفراز لشعورهم بأن هذا الواقع لا يمكن أن يتغير، ذلكم هو الوهم الذي سيطر على المسلمين أن حل قضيتهم في انتظار البطل القادم الذي يأتي ويحل مشاكل المسلين ولهذا فالمسلمون دائما يتساءلون أين ابن تيمية ؟ أين صلاح الدين ؟ أين خالد بن الوليد ؟ أين فلان وفلان من الناس ؟ وكأن هؤلاء قد شعروا بأنهم غير قادرين على أن يصنعوا شيئا، ولا أن يتقدموا خطوة، وأن هذا الواقع الذي تعاني منه هذه الأمة لايمكن أن يتغبر إلا إذا جاء هذا الفارس الموهوم والبطل القادم، الذي ليس له وجود إلا في خيال أولئك القاعدين والناكصين.


إن المسلمين وهم يعيشون مرارة الهزيمة ومرارة التخلف، وهم يعيشون البعد عن دين الله تبارك وتعالى تتطلع نفوس كثير منهم للتغيير والإصلاح، لكنهم لايجرؤون على أن يحملوا أنفسهم مسؤولية ما آل إليه واقعهم؛ فيستسلمون لهذه الأوهام، ويتطلعون إلى أن يأتي رجل من عالم الغيب يقود الأمة، ولو جاء هذا الرجل فإنه ما لم يكن له من الناس عون وظهير فإنه سيقول كما قال موسى ( إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين ) ، فحين تخلى قوم موسى عن موسى لم يكن ينفعهم ولم يكن لينجيهم أنهم مع رسول من رسل الله، فلئن لم يتحقق ذلك لبني إسرائيل وهم مع نبي من أنبياء الله فإنه لن يتحقق لغيرهم وهم مع من هو دونه بكثير.


وأخيرا قد يلجأ الناس إلى الهروب من التفكير في القضية أصلا؛ فيهربون من التفكير في الواقع ومرارته، أو يهربون من المناقشة الصريحة في وسائل التغيير والإصلاح، ويصرفون القضية يمنة ويسرة، وهذا فرار من المسؤولية وتخل عن التبعة لن يفيدهم شيئا، ولن يغني عنهم أمام الله تبارك وتعالى.


النتيجة الرابعة (من نتائج فقه سنة التغيير):
ضرورة القراءة المتأنية في داخل النفوس لاكتشاف العلة والسعي لإحداث التغيير، فما دام قد تقرر لدينا أن هذا التغيير الذي أصاب الأمة -وقد كانت أمة العز والنصر والتمكين- إنما أتاها من أنفسها ومن داخلها يدعونا إلى دراسة متأنية لما في النفوس، حتى نسعى إلى اكتشاف العلة، والبحث عن مكمن الداء، ثم نسعى بعد ذلك إلى العلاج والإصلاح.
إذا فقضية الإصلاح والتغيير تحتاج جهدا ضخما من القراءة في سنن الله تبارك وتعالى، ومن خلال قراءة ما في النفوس ووعيها، ثم إقناع الناس بواجب التغيير وضرورته وإمكان التغيير.



النتيجة الخامسة: شمولية الأمر لجميع جوانب الحية المختلفة فالله تبارك وتعالى : ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا بأنفسهم ) فالله تبارك وتعالى لم يكن ليغير حال الناس من تدين وصلاح وتقوى إلى فجور إلا وقد غيروا ما بأنفسهم والعكس كذلك.
ويدخل في هذا الأمر أيضا ما يعاني منه المسلمون في أمور عالمهم المادي؛ فالأمة الإسلامية الآن مدرجة ضمن العالم المتخلف؛ فهي تعاني الأمية والجهل والفقر والتخلف والتأخر الاقتصادي والمديونية والتفرق والتمزق؛ إنها تحمل رصيدا هائلا من الأمراض البشرية التي تحملها المجتمعات المعاصرة؛ فهي حين تريد تغيير ما بها ينبغي أن تعلم أن التغيير إنما يتم من الداخل، فإن كانت الأمة صريحة مع نفسها فإنها يمكن أن تغير وإن أخلدت إلى الأرض، فإن هذا الواقع لن يتغير حتى يغير ما بواقع الناس.


النتيجة السادسة: ينبغي أن نربط هذه القضية بركن من أركان الإيمان، ألا وهو الإيمان بالقضاء والقدر؛ فلا يتم إيمان عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، حلوه ومره، وحتى يعلم أن الأمور كلها تجري بقدر الله تبارك وتعالى.


إن المؤمنين يدركون جميعا هذه الحقيقة إدراكا نظريًّا، ويعلمون أن الأمور كلها في عالمهم المادي وغير المادي إنما هي بقضاء الله تبارك وتعالى وقدره، ويؤمنون ويدركون أيضا بأن الله تبارك وتعالى قد جعل لهذه الأمور أسباباً، وأن من تمام الإيمان بالقضاء والقدر أن يسلك الناس فعل الأسباب.

إن الناس كل الناس يدركون أن الجوع والمرض أمر بقدر الله تبارك وتعالى لكنهم يسعون إلى منع المرض عنهم ومنع الجوع عنهم، وإلى دفعه عنهم بالطعام والشراب والعلاج، إنهم يدركون جميعا أن الرزق بيد الله تبارك وتعالى، وأنه لا يزيده ولا يرده حرص حريص، وأنه لن تموت نفس منفوسة حتى تستكمل رزقها، وأنه لن يحصل رزقهم إلا إذا فعلوا الأسباب؛ فيجتهدون ويبذلون وهم يعلمون أن الرزق بيد الله تبارك وتعالى.



ولكن هل نحن في أمور مجتمعاتنا وفي نظرتنا إلى واقعنا ندرك هذه القضية وهذه الحقيقة، وهي ارتباط السبب بالنتيجة؟ هل ندرك أن الأمور بيد الله تبارك وتعالى؟ وما أكثر ما نردد: الأمور بيد الله، ونقول القضية قضاء وقدر ونلجأ إليه بالدعاء، لكن هل نحن مع ذلك نفعل الأسباب؟ هل نحن نسعى لفعل الأسباب ؟ إننا لن نحصل على رزقنا إلا بفعل الأسباب فلن ندرك التغيير أيضا في مجتمعاتنا والإصلاح إلا بفعل الأسباب والاجتهاد في ذلك وينبغي أن تكون الأسباب على قدر الهدف الذي نتطلع إليه ونسعى إليه.
ما بال الناس يجتهدون في دفع المرض عنهم؛ فينفقون الأموال الطائلة، ويسافرون يمنة ويسرة في محاولة علاج هذا المرض، مدركين أن ذلك من تمام الإيمان بقضاء الله وقدره، وأن الأمور بيد الله لكنهم يبذلون هذا الجهد، فهل نحن نبذل هذا الجهد في تصحيح واقعنا؟ هل نحن نبذل هذا الجهد في علاج أمراضنا؟ هل نحن نبذل هذا الجهد في دفع هذا الفساد الذي حل بأمة الإسلام؟ هل نحن نبذل هذا الجهد في إزالة هذه المنكرات التي فشت في مجتمعات المسلمين؟


إنه من الجهل بقضاء الله وقدره، بل من مخادعة النفس أن نضع يداً على يد ونقول إنا لله وإنا إليه راجعون، لا حول ولا قوة إلا بالله، وأن نبكي وننتحب على أمة الإسلام؛ فالبكاء لن يجدي ولن ينفع، والدعاء وحده لن يؤتي ثمرته إلا إذا كان معه جهد وبذل وتضحية وتحمل، إننا ما لم نشعر أننا يجب أن ندفع ثمنا باهظًا لإزالة المنكرات، وتصحيح الواقع للنهوض بهذه الأمة فإننا غير مؤهلين للتغيير؛ لأننا لم نغير ما بأنفسنا.


إن من رحمة الله تبارك وتعالى بعباده أن جعل هنالك علاقة مطردة في حياة الناس بين السبب والنتيجة؛ فكل نتيجة يوصل لها سبب معروف يعرفه الناس، بدءًا بأقل القضايا إلى الأمور المعقدة، سواء في عالمهم المادي أو حياة مجتمعاتهم وحركة التاريخ، وهذا يعني أن يسعى الناس إلى اكتشاف الأسباب، وإلى بذل الأسباب إذا كانوا يتطلعون إلى نتيجة.


إن إدراك هذه الحقائق معشر الأخوة الكرام ضرورة لأولئك الذين يتطلعون للإصلاح والتغيير فهل ندرك هذه الحقائق وهل نسعى إلى غرسها في مجتمعات المسلمين ؟ أسأل الله تبارك وتعالى أن يبدل ذل المسلمين إلى عز، وأن يغير معصيتهم إلى طاعة، اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، ويحكم فيه بشرعك، وينتصر فيه للمظلوم والضعيف؛ إنك سميع قريب مجيب ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك .



#16 غير متصل   ashlpi

ashlpi

    إسماعيلاوي قبل أن أولد

  • Members
  • 1042 مشاركة

تاريخ المشاركة 12 January 2008 - 05:57 PM

الدرس السادس عشر : الشاب غير الملتزم


الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد :


فهي فرصة طيبة أن نلتقي بالإخوة الكرام في هذا اللقاء المبارك، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يثبت القائمين على هذا المخيم وأن يجعل ما يقومون به في ميزان حسناتهم، ونحن في الواقع بحاجة إلى مثل هذا التوسع في أنشطتنا الإسلامية وفي دعوتنا وفي برامجنا، وهي فكرة رائدة سرتني كثيراً، وأتمنى أن نرى في المستقبل المزيد من مثل هذه الأفكار ومثل هذه الجهود لأن المسلم يرى أن دينه وأن دعوته تتطلب منه جهداً أكثر في التفكير والابتكار والعمل والجهد، فلئن كان أصحاب التجارة وأصحاب الأموال يبتكرون الوسائل والأساليب في الدعاية والإعلان وترويج منتجاتهم، ولئن كان أصحاب الفساد والفجور يبذلون المستحيل ويجلبون الأفكار، ويطورون ويبتكرون، كل ذلك لإبداع واكتشاف ألوان من الفساد،والحصول على ما يريدون والتحايل على الناس، لئن كان أولئك كذلك فأهل الحق أولى،ألا يكونوا مجرد أسرى تجارب ووسائل ورثوها، أو أفكار اعتادوا عليها فصاروا لا ينطلقون إلا من خلالها، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يعظم الأجر والمثوبة لإخواننا وأن يجعل ما قدموا في ميزان حسناتهم وأن يجعلنا وإياكم جميعاً ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه .


معشر الشباب ..لقد أدرك أعداء الإسلام أنه لا مجال للانتصار على هذه الأمة والقضاء عليها إلا بسلخها عن دين الله سبحانه وتعالى،وأدرك أولئك جميعاً أن الشباب هم الأمة وليست الأمة إلا شباب- وليسوا عدة الأمة وأملها فحسب- بل على أكتافهم وسواعدهم تقوم المجتمعات، وهم في المستقبل القادة، وهم الرجال الذين يوجهون المجتمعات والأمم على أساس ما نشأوا عليه في شبابهم وفتوتهم، وبناءًا على ما أدركه أولئك الأعداء من قيمة هؤلاء الشباب وخطر شأنهم في الأمة، سعوا لإضلالهم وفتنتهم وصدهم عن دين الله سبحانه وتعالى،فقامت تلك الجهود ومن ورائها تلك الفئات من الطابور الخامس المنتشر في مجتمعات المسلمين في عرض الأمة وطولها، يمهد للأعداء ويقوم بتنفيذ خططهم نيابة عنهم،

و لا يزيد على أن يأخذ وكالة فقط حتى تتغير الواجهة و اللافتة، والمقصود من وراء ذلك كله واحد هو سلخ شباب هذه الأمة وصدهم عن دين الله سبحانه وتعالى، فتنوعت أساليب الإغراء والإثارة والصد،بدءاً بتشكيك أولئك بدين الله سبحانه وتعالى وإخراج أجيال ممن يتشكك في الدين ويرتضي الإلحاد والردة عن دين الله سبحانه وتعالى، وصار يبحث له عن مناهج بديلة عن منهج الدين ومنهج الإسلام،ومروراً بوسائل سعى فيها أولئك الأعداء إلى إثارة غرائز الشباب، وإلى إثارة اهتمامات الشباب وصرف الهمة الجادة والعالية،فخرج لنا جيل همه فرجه، وشهوته، صار يسعى إلى تحصيل هذه الشهوة بكل وسيلة وكل طريق، وإن لم تتح له في بلده وفي موطنه فهو على استعداد أن يوفر جزءًا كبيراً من ماله حتى يسافر إلى بلاد الكفر ليقضي شهوته ويمتع نفسه باللذة الحرام، وخرج لنا جيل يتعلق بالرياضة ويفتن بها حتى صارت هي كل همه وأساس تفكيره، وخرج لنا جيل يعتني بما يسمى بالفن،وصار أولئك مرايا عاكسة لآخر صرعات الفن في عالم الغرب


إنه – معشر الأخوة الكرام - نتاج جهد متواصل من أولئك الأعداء قابله تخاذل من هذه الأمة وانشغال من الصالحين الذين كان أولى بهم أن يقفوا على بوابات الحراسة في مجتمعات المسلمين، ليحموا هذه الأمة من هذا الغزو الماكر، وبقيت مجتمعات المسلمين وبالأخص الشباب دهراً في سبات عميق، وما كان لهذا النوم أن يطول، وما كان لهذه الأمة أن تطيل في الغيبوبة، وهي الأمة الشاهدة، وهي الأمة القائمة بدين الله عز وجل للبشرية جميعاً إلى قيام الساعة، فأذن الله سبحانه وتعالى بانبلاج فجر الصحوة، وخرجت تلك الصحوة مع هذا الجيل الذي كان ينتظره الأعداء متشبعا من كل ألوان الفساد والانحراف،خرجت الصحوة في هذا الجيل ليعود إلى دين الله عز وجل، وأصبحنا مرة أخرى نرى الأفواج تتقاطر إلى طريق الاستقامة والصلاح والخير، صارت الأفواج تتسابق إلى المساجد وهي الأفواج نفسها التي كانت تسابق إلى الملاعب وإلى أماكن اللهو والرقص، بل صار أصحاب السفر والفساد والمجون والمخدرات والفن هم الآخرون يعودون إلى هذا الطريق وينضوون تحت لوائه، وصار العدد يتضاعف يوماً بعد يوم،وعاماً بعد عام، وهي مسيرة بإذن الله سائرة فحين أشعل الفتيل وحين أعلنت المسيرة، فهذا إيذان باستمرار المسيرة إلى أن يتحقق وعد الله عز وجل: ( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ) ( ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون ) إنها مسيرة – معشر الأخوة – لا بد أن تصل بإذن الله عز وجل، ولا بد أن تؤتي ثمارها بإذن الله سبحانه وتعالى رغم الكيد، رغم التآمر رغم ألوان المكر والتحايل الذي تواجَه به هذه الأمة، فإن استيقاظ الأمة إعلان لبدء المسيرة، إعلان لهذا التيار الجارف أن بالإمكان إيقافه ولم تعد القضية معلقة بشخص أو بفرد أو بلد أو مجتمع حتى يمكن إيقافها، فهو تيار لا يمكن أن يقف أحد في طريقه .


معشر الإخوة الكرام .. ليس هذا موضوع حديثنا، هذه مقدمة بين يدي هذا الموضوع، أقول: حين عاد الجيل الناشئ بإذن الله عز وجل والذي نؤمل عليه - بعد توفيق الله عز وجل -آمالاً عريضة أصبح عندنا فئتان من الشباب: فئة من الشباب الذين عادوا إلى الله عز وجل ..الذين عادوا إلى الأصل، عادوا إلى الفطرة فاستقاموا على دين الله سبحانه وتعالى، وفئة مقصرة،وهي لا تزال الأكثر والأغلب.
صار لدينا فئة من الشباب اصطلح على أن يسمى (الشاب الملتزم)، وفئة أخرى من الشباب (غير الملتزم)، نحن لسنا في موضوع تحديد المصطلحات ومدى سلامة هذا المصطلح أو ذاك وأيهما أولى ولكن هذه القسمة نشأت عنها مفاهيم مغلوطة هي ما سنحاول إلقاء الضوء عليه في هذه الدقائق، نشأ عن هذه القسمة مفاهيم ومشاعر أصبحت جزءًا أصيلاً من تفكيرنا،وهكذا شأن الأخطاء الخطأ، يبدأ الخطأ ثم ينتشر ويتوسع،حتى يصبح بعد ذلك جزءًا من التفكير أصلاً، فيصبح الإنسان يفكر في هذه الزاوية ولا يستطيع أن يتخلص بحال من هذه النظرة التي تسيطر على تفكيره.


سأتحدث بصراحة مع الجميع وفي محضر الجميع عن أخطاء يقع فيها الشباب الملتزم تجاه أخيه، وعن أخطاء يقع فيها الشاب غير الملتزم، ونحن ينبغي أن نكون جميعاً صرحاء ولو أدى ذلك إلى أن تكشف الأوراق بمحضر الجميع،وأن نتحدث عن الأخطاء بمحضر الجميع مادام المقصود هو النصيحة، هناك الكثير يتحدثون عن الأخطاء، وهناك الكثير ينتقدون، ومن ثم فنحن حين نريد أن نقطع الطريق على أولئك الذين يتخذون من النقد سلماً ووسيلة للإثارة، وسيلة للفتنة، وسيلة للتعويض، حين نريد أن نقطع الطريق على أولئك فلن نقطعه إلا حين نبني منهجاً سليماً للنقد، ومنهجاً واضحاً صريحاً يتحدث عن الأخطاء تحت ضوء الشمس وفي وضح النهار، وحينئذ نقطع الطريق على من يريد أن يتكئ على هذه الأخطاء وأن يستثمر هذه الزلات ليجعل منها تكأة يهدم من خلالها.




أولاً: الشاب غير الملتزم مسلم كسائر المسلمين:


إن الشاب غير الملتزم مسلم يجب عليه ما يجب على المسلمين جميعاً، وهو مخاطب بكل التكاليف الشرعية وبكل النصوص الشرعية، إنه يتخيل أحياناً أنه مادام غير ملتزم فينبغي ألا يوجه له هذا الخطاب، إنه يعتقد أنه يجب أن يخاطب بلغة واحدة فقط لا غير هي:تب إلى الله عز وجل وتخلّ عن طريق الإعراض والغفلة،وكن سائراً في ركب الصالحين والملتزمين، وهذا لا شك خطاب وكلمة لا بد أن تقال وهي أساس ومبدأ حديثنا وهي التي حولها ندندن، ولكن .. مع ذلك يبقى لنا حديث آخر، فمثلاً ..: هذا الشاب حينما تطالبه بطاعة من الطاعات، وهب أنها من النوافل، فتقترح عليه أن يصوم يوم الإثنين أو يصوم يوم الخميس أو يقوم الليل أو يصلي النافلة يفاجئك فيقول : لست ملتزماً، ويتخيل أنه مادام كذلك فلا ينبغي له أن يخادع نفسه، ويرى أن صيامه أو تلاوته لكتاب الله عز وجل أو قيام الليل أو عمل أي عمل صالح-أيًّا كان هذا العمل- إنما هو من المخادعة و النفاق، بل حينما يرى زميلاً له غير متدين يعمل طاعة من مثل هذه الطاعات فإنه يتهمه بالنفاق والمخادعة ، إنه منطق عجيب فلماذا كانت هذه المعاصي التي وقعت فيها مانعة لك من تلك الطاعات ؟

إن الطاعة ثقيلة على العصاة لكن ذلك لا يعني تركها، أو اعتقاد أن فعلها من باب النفاق،إن الشاب غير المتدين مسلم ومخاطب – شأنه شأن الآخرين – يصدق عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم : " من قرأ حرفاً من كتاب الله فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ألف لام ميم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف "، ويصدق عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم : " ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول : هل من سائل فأعطيه سؤاله، هل من مستغفر فأغفر له، هل من تائب فأتوب عليه ".


عهدتك لا تنام إلا قبيل الفجر فها أنت مستيقظٌ في الثلث الأخير من الليل، فما رأيك لو طرحت عليك هذا الاقتراح : اختصر من وقت السهرة التي تقضيها مع زملائك ومع أقرانك وربما كانت على معصية الله عز وجل ،نصف ساعة واقضها في صلاة ركعتين لله عز وجل أو أربع ركعات وتتضرع فيها إلى الله -عز وجل- في سجودك وتدعوه -سبحانه وتعالى- أن يهديك ويعينك ويوفقك، لأني أجزم تماماً أنك تتمنى أن يهديك الله سبحانه وتعالى.


إنك -أخي الكريم- أحوج إلى الطاعة من غيرك لأنك تملك رصيداً أو ركاماً هائلاً من المعاصي والذنوب،وأنت تراه كالجبل يوشك أن يهوي عليك، فأنت أحوج الناس إلى التخفف،وإلى ما يكفر الذنوب.




ثانياً : كيف تتعامل مع المعصية ؟

إن الكثير من الشباب يضع أمامه خيارين لا ثالث لهما، الخيار الأول: أن يتوب ويترك المعاصي ويكون من الناس الصالحين الأخيار، وهذا لا شك هو المطلوب، الخيار الثاني :حين يفشل في هذا فإنه يبقى على المعصية دون أي وازع ودون أي رادع، ويرى أنه لم يبق أمامه خيار ثالث . إن هناك خياراً ثالثاً وقبل أن أبينه أقول:أن هذا الخيار لا يعني أن نتنازل عن الخيار الأول الذي هو الأصل، الذي هو ترك المعصية وتوديعها والتوبة الصادقة النصوح إلى الله سبحانه وتعالى، لكن هب أنك فشلت ولم تستطع أن تتوب –مع أنك غير صادق في هذه الدعوى- فكل مسلم وكل إنسان قادر أن يسلك هذا الطريق، وما كلف الله عز وجل الإنسان إلا ما يطيق، هب أنك لم تستطيع ذلك،فلماذا تجاهر بالمعصية وأنت تعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول :" كل أمتي معفى إلا المجاهرون " ؟ إنك تفعل المعصية بالليل بينك وبين نفسك لا يعلم عنها أحد، وربما لا يعلم عنها إلا شريكك في المعصية فما بالك إذا أصبحت تلقى زميلك في المدرسة فتخبره ماذا عملت وماذا صنعت؟فإذا كنت تدعي أنك لا تستطيع التخلص منها..ألا تستطيع أن تبقيها سرًّا بينك وبين الله -سبحانه وتعالى- ؟ فإن ذلك أدعى إلى توبتك وإقبالك على الله سبحانه وتعالى،إن الذي يجاهر بالمعصية حين يهم بالتوبة بعد ذلك تثقل عليه التوبة،ويصعب عليه أن يسلك طريقها لأنه أصبح مشهوراً بين الناس وبين زملائه وأقرانه بالسوء والفساد، وهو الذي جنى على نفسه.



ومما يتعلق بالمعصية: الدعوة إليها فلماذا لا تقتصر على نفسك ؟ لماذا تدعو غيرك إلى المعصية ؟ ولماذا تسعى إلى تسهيل المهمة على غيرك ؟ فأنت كثيرا ما تتحدث مع زميلك فتخبره ماذا فعلت بطريقة تمارس فيها دعاية بالمجان لهذه المعصية، بل ربما تدله على الوسيلة التي يمكن أن تعينه على فعل المعصية،وربما وظفت نفسك مستشاراً دون مقابل لزملائك وأقرانك تدلهم على أسباب ووسائل الاحتيال على تحصيل المعصية .



أليست هذه دعوة للمعصية والفساد ؟ ألا تخشى أن ينطبق عليك قول النبي صلى الله عليه وسلم: " ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الوزر مثل أوزار من تبعه لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً " وأن ينطبق عليك قول الله عز وجل: ( وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم) وقال ( ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون ) ؟ ألا تخشى أن تأتي يوم القيامة وأنت تحمل وزرك على ظهرك ووزر من أضللته ؟



قد تقول مرة أخرى، إن لك مبرراً وعذراً في فعل المعصية، ولكن ما العذر والمبرر أن تدعو غيرك للمعصية وتسهلها عليه ؟
ومما يتعلق بالمعصية أيضاً الاستهانة بها: فما بالك تستخف بالمعصية وتستهين بها ؟ لقد حدثنا أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وضرب لنا مثلاً بليغاً، أرجو أن ترعي سمعك حتى لا ينطبق عليك المثل بل لعلك أن تصف نفسك مع الفئة الأخرى : " المؤمن يرى ذنبه كالجبل يوشك أن يقع عليه، والمنافق يرى ذنبه كالذباب طار على أنفه فقال به هكذا " ما بالك حين تواجه بالنصيحة والإنكار تستخف وتستهون شأن المعصية؟


إن فعل المعصية شيء والاستخفاف بها والاستهانة معصية أخرى، بل إن الاستخفاف بالصغيرة يحولها إلى كبيرة، فما بالك بالاستخفاف بالكبيرة والاستهانة بها ؟ مرة أخرى أقول لك : حين تفشل في ترك المعصية وتعجز عن تركها فهذا لا يعني أن تفتح لنفسك الباب على مصراعيه، فهناك خيار ثالث وخطوة ثالثة أرجو وآمل أن تكون مقدمة وبداية لتوبتك إلى الله عز وجل، التوبة الصادقة النصوح، مع أننا نطالب بالمطلب الأساسي والمهم ولا زلنا نرفع صوتنا به، بالتوبة الصادقة النصوح التي تودع فيها المعصية إلى غير رجعة .




ثالثاً: حين لاتلتزم:

إن إعراضك وإدراجك لنفسك ضمن قائمة غير الملتزمين ليس مبرراً لك أن تتخاذل، إنك ترى الجميع الآن يأتي إلى المسجد فترى فيه محاضرة، هذه المحاضرة سُلِكَت خطوات في إعدادها و الإعلان عنها، في دعوة الحضور، في ترتيب اللقاء إلى غير ذلك، ترى مثل هذا المخيم الذي تستمع فيه لمثل هذه الكلمة، وترى الجهد الذي بذله الشباب الذين قاموا عليه، ترى من يوزع الشريط، ترى من يوزع الكتاب، وربما تكون أنت تلقيت منه الشريط و الكتاب، ترى زميلك في المدرسة وهو يمد يده ليناولك كتاباً أو شريطاً، وتراه يحرك لسانه ليقول لك كلمة صادقة ناصحة، ترى الجهود تبذل لخدمة دين الله عز وجل هنا وهناك فما بالك لا تبحث لك عن موقع في هذا الميدان؟ نعم ..إنني أقدر موقعك، إنني لا أنتظر منك وأنت على هذه الحال أن تتحول إلى واعظ أو تتحول إلى خطيب أو محاضر أو رجل يتحدث باسم الإسلام،فيؤلف ويصنف ويكتب وينافح عن دين الله عز وجل، لا أريد ذلك بل لو أردت ذلك لقلت لك رويدك وليس هذا مكانك، لكن تستطيع أخي الكريم أن تقدم خدمة جليلة لدين الله عز وجل،تستطيع أن تساهم في خدمة دين الله سبحانه وتعالى.


نقرأ في تاريخ الإسلام فنرى نماذج كثيرة من أولئك الذين ساهموا في خدمة دين الله عز وجل وحملة العلم الشرعي، ولكننا مع ذلك نرى نماذج من أولئك الذين لم يكونوا على حال أهل الصلاح والاستقامة، كانت لهم مساهمات في دين الله عز وجل والوقت يطول فلعلي أذكر مثلاً واحداً، كان الإمام أحمد رحمه الله وهو إمام أهل السنة الذي قال كلمة الحق في وجه المبتدعة ونصر دين الله عز وجل في وقت كادت أن تطغى فيه البدعة وتعم، الإمام أحمد رحمه الله كان كثيراً ما يدعو لرجل يقال له أبو إسحاق، فكان يقول : اللهم اغفر لأبي إسحاق إذا قام و إذا جلس، فسأله أحد أبنائه : من يكون ؟ وكان الابن ينتظر أن يكون زاهداً، رأى منه الإمام رحمه الله قدوة في الزهد أو قدوة في العبادة، كان ينتظر أن يكون شيخاً للإمام أحمد تعلم منه علمه، فأخبره الإمام أحمد رحمه الله أن هذا الرجل كان لصًّا، كان قاطع طريق، حينما جيء بالإمام أحمد رحمه الله ليجلد في فتنة خلق القرآن، جذبه بردائه فقال : أتعرفني ؟ قال : لا أعرفك . قال : أنا أبو إسحاق العيار اللص الطرار مكتوب في ديوان أمير المؤمنين أني جلدت كذا وكذا في السرقة ومع ذلك ما صدني ذلك، وأنت تجلد على كلمة الحق، فأنت أولى مني أن تثبت .


أرأيت هذا اللص الذي في السجن ولا يزال مصرًّا على جريمته ومع ذلك يرى أنه يستطيع أن ينصر الإسلام، يستطيع أن يقدم خدمة، وما هذا الجهد ؟!! إنها ليست تأليفاً لكتاب، ولا إقامة درس ولا إلقاء خطبة، ولم يكن هذا الرجل مؤهلاً لذلك، إن هذه الخدمة كانت تتمثل في أن يقف مع الإمام أحمد رحمه الله ويقول له تلك الكلمة التي زادته تثبيتاً ولم يجد هذا اللص في تاريخه شيئاً يمكن أن يستثمره إلا تاريخه المليء بالإجرام والسرقة فوظف ذلك التاريخ ليكون شاهداً وليكون معيناً للإمام أحمد رحمه الله، بل تراه يستعين بتاريخه السابق السيئ فيقول للإمام أحمد : أنا وأنا صاحب المعصية وصاحب الهوى أتحمل في سبيل السرقة، فأنت أولى مني أن تتحمل وأنت تقول كلمة حق، إننا نطلب منك أن تساهم، أن تشعر أن الدين يعني الجميع وأن الدين دين الناس جميعاً وأنك مادمت مسلماً فإنه ينبغي لك أن تسير مع القافلة بل لعل هذا يكون بمشيئة الله عز وجل بداية خير وطريق توبة.



فماذا عليك لو أخرجت مبلغاً من المال في سبيل الله وأنت تخرج مبالغ كثيرة مماثلة لتقدم لزملائك بعض المشروبات والمأكولات ؟ والذي تقدم أضعافاً منه ليكون وسيلة لتشتري به ما يعينك على المعصية، ماذا عليك مثلاً لو أخرجت جزءًا من هذا المبلغ فأعطيته أحد الصالحين والأخيار أو أحد الدعاة إلى الله عز وجل وقلت له : اصرف هذا المبلغ في الدعوة إلى الله عز وجل في سبيل الله سبحانه وتعالى، ماذا عليك حين تستمع إلى شريط أن تهديه إلى أحد زملائك، أن تشتري كتاباً،أن تشتري شريطاً ولو أردت مجالاً للخير ونصرة دين الله عز وجل لاستطعت أن تجد الآلاف من الوسائل والسبل فقد عهدناك مفكراً، عهدناك في البحث عن شهواتك ورغباتك لا تعتمد على التقليد، بل أنت مجتهد فيها، أنت تبتكر ولا ترضى بحال أن تستعير فكرة غيرك، فأنت كل يوم تخرج لنا بفكرة جديدة وطريقة جديدة، فوظف هذا التفكير، ووظف العقل أيضاً لتقدم شيئاً يسيرًا في نصرة دين الله سبحانه وتعالى، علّ هذا أن يكون خطوة لك تنقلك إلى طريق الاستقامة والخير بإذن الله عز وجل.




العلاقة بين الشباب الملتزم و الشاب غير الملتزم:


إن هناك أخطاء ترتكب من الجميع - ولا ننزه أنفسنا - وحين نقول إن هناك أخطاء فإننا نعرف وبجزم أن هذه الأخطاء أو معظم هذه الأخطاء قد لا تكون بالضرورة صادرة عن عمد وسبق إصرار، بل ربما عن اجتهاد وحسن نية، وهناك أخطاء ألفانها فصارت جزءًا من تفكيرنا.


إن أول خطأ هو هذه الهوة السحيقة، وهذه الفجوة بين هذين الجيلين، بين الشباب الملتزم وبين غير الملتزم فكل منهم يعتقد أنه في ميدان والطرف الآخر في ميدان آخر يقابله،بل نرى انهما قد أصبحا في ميدان تنازع وتنافس،وربما في ميدان صراع، ولا شك معشر الأخوة الكرام أن سلوك المرء واستقامته ودينه يؤثر على علاقته ونظرته للناس، والمشابهة في الظاهر تورث المحبة واللقاء في الباطن، والتنافر في الظاهر يورث التنافر في الباطن، ولكن هذا شيء والواقع الذي نعاني منه شيء آخر.
والسؤال الذي ينبغي أن يطرح:من المستفيد من هذه الفجوة وهذه القطيعة ؟ إنهم الأعداء لأنهم يحولون دون وصول الخير،والكلمة الناصحة الصادقة إلى الطرف الآخر،ودون وصول النقد والتقويم إلى الآخر.


ويمكن أن نعيد طرح السؤال نفسه بطريقة أخرى : من الخاسر ؟ الخاسر نحن جميعاً، ولست أقول غير الملتزم، بل حتى الملتزم، إن الشاب غير الملتزم يخسر، يخسر خسارة كبرى حين يساهم – وهو يساهم فعلاً – في إيجاد هذه الهوة وهذه الفجوة، إنه يخسر حين يقيم هذه الهوة وهذه الفجوة، فيقيم أمامه سُحباً تمنعه من الرؤية وتمنعه من وضوح الرؤية المستقيمة،وتجعل حاجزاً بينه وبين طريق الخير وطريق الصلاح والاستقامة، فيفرض حواجز ويفترض عوائق تحول بينه وبين طريق الخير وبين الكلمة الصادقة، فهو الخاسر الأكبر.


إن مثل هذا الشاب كما أنه يحتاج إلى دعوتك ويحتاج إلى جهدك وإلى نصيحتك،فأنت أيضاً تحتاج إلى أن تبني معه هذه العلاقة وتفتح معه هذه الصفحة لتقدم بين يديك عملاً صالحاً تدخره عند الله عز وجل : ( ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين )، " من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً "، وقول النبي صلى الله عليه وسلم : " ولأن يهدي الله بك رجلاً خيراً لك من حمر النعم ".



إن مثل هذه القطيعة المفتعلة بل القطيعة التي نمارسها نحن ونسعى إليها،تحول بيننا وبين هذا الميدان الواسع الفسيح من الدعوة، بل تكون عقبة لنا عن أداء هذا العمل الصالح الذي هو من أفضل الأعمال التي نتقرب بها إلى الله عز وجل، ويخسر الشاب غير الملتزم حين يحول بين نفسه وبين طريق الهداية وطريق الكلمة الناصحة.


ويخسر أيضا خسارة آخرى ويقع في خطأ شنيع خطأ قد يكون محبطاً لعمله الصالح،وهو السخرية من الشاب الملتزم والاستهزاء به، وهذا أمر قد يقود الإنسان عافانا الله وإياكم إلى أن ينطبق عليه قول الله عز وجل : ( ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبا لله آياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين )، وهذه الآية نزلت كما تعلمون جميعاً في قوم كانوا يقولون في قرّاء النبي صلى الله عليه وسلم: هؤلاء قراؤنا أرغبنا بطوناً وأكذبنا ألسنة وأجبننا عند اللقاء، إنه يخشى أن ينطبق عليه قول الله عز وجل : ( إنه كان فريق من عبادي يقولون، ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين، فاتخذتموه سخرياً حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون، إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون )، يخشى أن ينطبق عليه قول الله عز وجل : ( إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون، وإذا مروا بهم يتغامزون، وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين، وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون،وماأُرسلوا عليهم حافظين، فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون على الآرائك ينظرون ).


وفي المقابل فالشاب الملتزم هو عرضة لآفة تنشأ عن هذه القطيعة، آفة تنشأ عن هذه الهوة المفتعلة، هي الاستكبار والاستعلاء والشعور بالعلو واحتقار ذاك الذي يقع في المعصية، يُخشى أن يكون كأحد صاحبي بني إسرائيل الذي كان مطيعاً لله عز وجل مقبلاً على الله سبحانه وتعالى، وكان صاحبه مفرطاً كان صاحبه مهملاً لنفسه فكان يدعوه، ويدعوه إلى ترك المعصية وينصحه فيدعوه إلى الصلاح، ونتيجة لأن هذه الدعوة الملحة قد طالت دون نتيجة قال له صاحبه : مالك ولي، دعني وربي يفعل بي ما يشاء فقال : والله لا يغفر الله لك، فقال الله عز وجل : من ذا الذي يتألى علي، قد غفرت له وأحبطت عملك .


بل أول معصية نشأت إنما نشأت من الكبر والعجب ممن قال:(خلقتني من نار وخلقته من طين)،
وهي ثالثاً أيضاً تنشئ عند الشاب غير الملتزم سلوكاً آخر مرفوضاً، سلوك حرصه على فتنة هذا الشاب وصده و إغوائه بأي وسيلة، أحياناً عن طريق السخرية، أحياناً بالناقشة، أحياناً بإثارة الفتنة أمامه، أيًّا كان .. وكم نرى من الشباب من يمارس الفتنة والصد، وهذه جريمة أخرى وشنيعة أخرى، إنك حين تقع في المعصية وحين تستحقرها فأنت على خطر وأنت قد قصّرت –نسأل الله عز وجل أن يعيننا وإياك على التوبة النصوح لله سبحانه وتعالى – ولكن حين تساهم في دعوة غيرك للمعصية فحين تساهم في فتنة وصد ذاك الشاب العفيف، الشاب الخير الشاب المستقيم حين تساهم في فتنته وصده عن دين الله عز وجل فأنت ترتكب جريمة أخرى، وأنت تقف مع الأعداء في خندق واحد وصف واحد، سواء شعرت بذلك أم لم تشعر، وأيضاً يقابل ذلك آفة أخرى عند الشاب الملتزم هي نتيجة من نتاج هذه الهوة، هي نتيجة من نتاج هذه القطيعة، وهي أنه يُعرِض عن دعوة ذاك الشاب وعن الإنكار عليه، وعن أمره ونهيه، فقد يكون عُرضة بأن يحق عليه وعيد من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعيد من رأى أمراً لله عليه فيه مقال ثم لم يقل، يكون عرضة لأن يوقفه هذا أمام الله عز وجل فيحتج عليه بأنه رآه على المعصية فلم ينكره، فلم يأمره ولم ينهه .



أيها الاخوة الكرام .. معشر الشباب الملتزمين .. وغير الملتزمين .. إن هذا كله نتاج ومواليد غير شرعيين لتلك العلاقة السيئة، لتلك الهوة المفتعلة التي نفتعلها بيننا، فنرى أنفسنا في معسكرين ؛ معسكر الشاب الملتزم ومعسكر الشباب غير الملتزم، ونفتعل القطيعة بل نسعى إلى إذكاء القطيعة والعداوة وإلى إشعال نارها، ونرى أن ديننا و استقامتنا وصلاحنا يفرضان علينا ذلك، إذن فنحن بعد أن أدركنا هذا النتاج وبعد أن أدركنا تلك المقدمات كلها، بحاجة إلى أن نسعى إلى كسر الحواجز وتحطيمها، و حين نكسر هذه الحواجز ونحطمها فإننا بإذن الله عز وجل سنرى نتاجاً أكبر وسنرى جهوداً خيرة قد أثمرت ، لقد تضاعف عدد المسلمين بعد صلح الحديبية، فالذين أسلموا بعد صلح الحديبية إلى فتح مكة كانوا مثل الذين أسلموا منذ أن جاء الإسلام إلى صلح الحديبية بل كانوا أكثر، والسبب في ذلك كما يقول أهل السير أن صلح الحديبية كان مجالاً للقاء والمناقشة والدعوة، كانت هدنة أوقفت الحرب فصارت مجالاً لنشر الدعوة واللقاء مما زاد بعد ذلك من عدد المهتدين والداخلين في دين الله عز وجل.



وحين ندعو إلى كسر الحواجز فإننا ندعو الطرفين جميعاً ؛ ندعو الشاب الملتزم لأنه هو الذي يحمل الهمة العالية، لأنه هو الذي يرى أن هذه الدعوة وظيفته، وأن هذه الدعوة شغله الشاغل، وأن هذه الدعوة هي همه وهي حياته، وندعو أيضاً الشاب غير الملتزم والعاصي ونقول له : إن الخطأ مشترك وإن الذي يجني الثمرة المرة الجميع، وأنت تجني أمرّ الثمرتين، وأنت تجني أسوأ النتيجتين، ونقول له : إن الشاب قد فاقك في سلوك طريق الخير والاستقامة وقطع خطوة وله حسنات، فعليك أن تبادر أنت وتقطع هذه الخطوة فتكون أنت السابق ولو على الأقل في هذا الميدان، إننا ندعو الجميع أن يساهموا في إزالة هذه الحواجز وأن يساهموا في ردم هذه الخنادق وبناء الجسور على مثل تلك الهوة التي كانت حاجزاً ومانعاً عن كلمة صادقة كان يمكن أن تصل، كانت حاجزاً ومانعاً عن مناصحة وعن مناقشة وعن حديث صريح .


معشر الشباب .. إنها دعوة صادقة، دعوة ملحة إلى كسر الحواجز وتحطيمها وإزالتها فنفتح صفحة من الحوار والنقاش والمجادلة بالتي هي أحسن ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة وجادلهم بالتي هي أحسن )، النقاش والحوار الهادئ بين الجميع وبين الطرفين، فسنرى أن الشاب غير الملتزم سيطرح عوائق وعقبات يراها أمامه في طريق الالتزام، فيساهم له صاحبه وأخوه في تذليل هذه العقبات والإجابة عن هذه التساؤلات وإعانته عليها، وأن نرى في المقابل، الشاب غير الملتزم يطرح بعض الانتقادات وبعض الأخطاء وبعض العيوب التي يرى أن أخاه وزميله الملتزم يقع فيها فتكون مدعاة لتوضيح الرؤية ووضوح الصورة ومدعاة لتصحيح الأخطاء أيضاً . إن هذا النقاش وهذا الجدل يكون بالتي أحسن وحين نفتح حلقات للحوار والنقاش في المدرسة في الشارع في المنزل في كافة اللقاءات، نقاشاً يضبطه الضابط الشرعي فسنستفيد منه جميعاً ولو على الأقل أن تقترب وجهات النظر.



وحتى ينجح هذا الحوار فلابد أن نكون واضحين و صرحاء، فأتحدث لك عن خطئك بوضوح وصراحة، وتحدثني أنت كذلك ومع هذا فالصراحة ليست مبرراً لسوء الأدب.
ويتطلب أيضاً مني أن أعترف بأخطائي وأن أعترف بعيوبي، وأن أكون واضحاً صريحاً مع نفسي ومعك، وحين يفتقد النقاش الصراحة والوضوح فلن يجدي ولن ينتج الثمرة الطيبة المرجوة، بل لعله أن يزيد في اتساع الهوة.




أسباب هذه الفجوة:


حين نريد تقويم هذه الهوة فلابد أن نكون واقعيين وأن نبحث عن أسبابها.
فمن ذلك أن الشاب الملتزم يرى أن دينه و استقامته وصلاحه تفرض عليه أن يحب في الله ويبغض في الله،و أن يحب فلاناً ويبغض فلاناً، ومادام فلان يجاهر بالمعصية فإن عليه أن يبغضه وأن يظهر له البغضاء،وهذا من دين الله عز وجل ولا نطلب إلغائه ولا زواله، لكن هذا شيء والدعوة والملاطفة وحسن العشرة شيء آخر.



إنه لا يضيرني أن آخذ صاحبي بحديث ودي فأقول له إنك مسلم وإني أجزم أنك تحب الله ورسوله وإنني أحب فيك الطاعة وأحب فيك أن أراك في المسجد، أن أراك تشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ولكني واضح صريح معك، فلست أدعي أني أحبك كما أحب أخي، لست أدعي أني أحبك من سويداء قلبي، إنني مع ذلك أرى عليك أثر المعصية وأثر الانحراف وأرى أن هذا يفرض علي سواء أردت أم لا، أن أبغض فيك هذه المعصية، فإني أتمنى أن تكمل المحبة وأن يتم اللقاء، ولن تكمل هذه المحبة ولن يتم هذا اللقاء إلا حين تزيل سبب القطيعة وسبب البغضاء وهو هذه المعصية.


ومن أسباب القطيعة أن الشاب الملتزم يرى أنه حين يحسن العشرة معه فإن هذا مدعاة لأن يصحبه فيتأثر به، فيدعوه ذاك من حيث لا يشعر إلى الارتكاس وإلى الانتكاس عافانا الله وإياكم، إنه يرى أن هذه الاستقامة وأن هذا الالتزام وأن هذا الخير الذي حصله مكسب لا يقاس بثمن،وثمرة لا تعادلها ثمرة، فهو يريد أن يحيطها بهذا السياج،ويريد أن يضع عليها هذا السور المنيع حتى لا تخترق، فيرى أنه إن صاحب ذاك بالحسنى وأحسن له وعاشره فسيكون مدعاة إلى أن يكون وسيلة للصحبة السيئة التي تقوده من حيث لا يشعر إلى الانتكاس وإلى الحور بعد الكور، فهو يضع هذا السياج ويبني هذا السور حماية لنفسه من التأثر،و الوقوع في الزلل والخطأ والانحراف والحور بعد الكور.



ونحن نقرّه أن الثمرة التي حصلها غالية ونقره أن الاستقامة لا يعدلها شيء وأن السلامة لا يعدلها شيء وأنه ينبغي أن يحرص عليها، ولكن ما ندعوك إليه ليس أن تقضي لياليك ونهارك مع صاحبك، ليس أن تقضي وقتك كله معه، ليس أن تضاحكه وتمازحه وتعاشره، لا .. إنما ندعوك إلى كلمة تقولها، وابتسامة صادقة، إلى دعوة ناصحة، إلى نقاش حكيم .. ثم بعد ذلك يجب أيضاً أن تحرص وأن تحتاط وأن تعرف أن طول العشرة والألفة واللقاء قد يكون مدعاة لأن تتأثر أنت، فتتحول من مرسل إلى مستقبل، تتحول من داعي إلى مدعو، فيقودك معه إلى المستنقع حين أردت استنقاذه، وحينئذ فمع دعوتنا إلى كسر الحواجز ومع دعوتنا إلى اللقاء والنقاش والحوار فإننا ندعو أيضاً أن يكون هناك ضوابط تكفل عدم الانسياق،و ألا تتحول بعد ذلك إلى خسائر أخرى، إلى أن يكون أولئك أصحاب الشهوات هم الذين يدعون الآخرين ويجرونهم إلى طريقهم.


وليكن الأمر مقتصراً على كلمة صادقة وعلى هدية و ابتسامة وعلى حسن عشرة، ثم بعد ذلك نقطع الطريق ونقول لهم أيضاً بصراحة ووضوح - ونحن قد اتفقنا على الصراحة والوضوح -إننا نرى طول لقائنا بكم وإلفنا معكم قد يكون مدعاة لأن نقع نحن معكم، فنعتذر لكم عن طول اللقاء و طول المعاشرة، لأننا نخشى على أنفسنا، وحين تعودون وتسيرون في الجادة فنحن سنصبح وإياكم إخواناً .



معشر الإخوة الكرام إن ما أطرحه في هذا اللقاء لا يزيد على أن يكون محاولة من قلب يتفطر ألماً وحرقة على الواقع المرير الذي نعانيه، من قلب يرى مثلكم، يرى أولئك الشباب في الشارع، يراهم هنا في هذه المخيمات، بل يراهم أمامه في الفصل وقد أنصتوا إليه، يراهم أمامه في الحي فيتفطر قلبه ويبدأ يفكر، وقد يقوده هذا التفكير إلى مثل هذه الرؤى، وهذه النتائج، وهذه الرؤى ليست بالضرورة معصومة وليست بالضرورة نتائج مسلمة، بل هي ينبغي أيضاً أن تحاط دائماً بسياج الشرع الحكيم، وينبغي أن نكثر المراجعة وأن نكثر المناقشة لها مرة أخرى، وأن نكثر التفكير ونطيله في مدى اتفاق ما نقوله مع شرع الله عز وجل لأن هذه الدعوة وهذا الدين ينبغي أن يحاط بسياج الشريعة، ومهما كانت أهدافنا نبيلة ومقاصدنا عالية وسامية فإن ذلك ليس مبرراً لنا أن تنطلق أفكارنا واقتراحاتنا دون ضوابط من شرع الله عز وجل.



#17 غير متصل   ashlpi

ashlpi

    إسماعيلاوي قبل أن أولد

  • Members
  • 1042 مشاركة

تاريخ المشاركة 12 January 2008 - 05:58 PM

الدرس السابع عشر : الطالب و الدراسة


الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله، أما بعد:
فهذا الموضوع يعني فئة خاصة وهم الطلاب والدارسون، وهو يعين بدرجة أخص الصالحين والأخيار منهم الذين نأمل أن يؤدوا أدوارا محمودة؛ لأنهم في الأغلب رواد هذه الدروس والمجالس.
أهمية الدراسة للطالب:
تأخذ الدراسة على الطالب حيزاً كبيراً من وقته، فهو يقضي في اليوم قريبا من ست ساعات داخل المدرسة، وهي تمثل ربع ساعات اليوم، وإذا حذفت من اليوم ساعات للنوم ويعض ساعات الراحة والطعام لا تجد بعد ذلك إلا وقتا يسيرا.
كما تأخذ الدراسة عليه وقتاً طويلاً من عمره؛ فهو يحتاج على أقل الأحوال إلى ستة عشر عاماً إذا أنهى المرحلة الجامعية، وهذه الدراسة تأتي في وقت مهم من عمره، وقت زهرة وحيوية الشاب ووقت بناء شخصيته.
كما أن الدراسة تحدد توجه الشخص وتخصصه، وميدان عمله في المستقيل.
وهذا كله يحتم على الطالب أن يعتني بها ويستفيد منها.
الطالب وأستاذه :
ثمة قضايا مهمة لابد أن يعتني بها الطالب في التعامل مع أستاذه، فالأستاذ يشكل عنصراً أساسيًّا يتعامل معه الطالب في المدرسة، ومن هنا كان لابد من ضوابط تحكم علاقة الطالب بأستاذه، وقد اعتنى السلف بذلك كثيراً في كتبهم، بل إن بعضهم أفرد هذا الباب بتصنيف خاص، وهو ما يعرف بآداب العالم والمتعلم، وعندما يتحدثون عن آداب المتعلم فإنهم يفردون جزءا خاصا بآداب المتعلم مع شيخه ومع أستاذه.
والمأمول من شبابنا وطلابنا أن يعنوا بهذا الأمر فيقرؤوا ما سطره السلف حول ما ينبغي أن يتأدب به الطالب مع شيخه وأستاذه، وأن يحرصوا قدر الإمكان على التخلق بتلك بتلك الآداب والتأدب بها.
وحين نقارن بين ما سطره السلف حول آداب الطالب مع شيخه ومع أستاذه، وبين واقعنا اليوم نجد أن هناك مسافة شاسعة جدا.
وبإمكانكم الرجوع إلى ما سطر في ذلك، ولعل من أفضلها كتاب الحافظ ابن جماعة وهو بعنوان (تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم) .
ولئن كان لدى الأستاذ تقصير في التزامه وتدينه، أو في علمه وتخصصه، فهذا لايسقط حقه من التوقير والتقدير.
إننا نجد اليوم عدداً من يتولون التدريس قد ابتلي بمخالفات ظاهرة، ولا شك أن الأستاذ أولى الناس بأن يكون قدوة صالحة للطلاب، سواء بالتزامه بالأحكام الشرعية، أمام طلابه أوفي تعامله معهم فهو يدعوهم إلى حسن الخلق بمقاله فلا بد أن يدعوهم بفعله وحاله.
لكن هذا الأستاذ الذي يرتكب بعض المخالفات لا ينظر إليك على أنك شاب ملتزم مستقيم، وهو عاص ضال، ولا أنك أنت أولى منه وأفضل منه، إنما ينظر إليك على أنك لازلت طالبا صغير السن، ومهما كان عندك من الاستقامة والعلم والخير فأنت لازلت دونه.
وهو يفترض أنك مادمت مستقيماً وصالحاً فلا بد أن تكون حسن الخلق، وأن يرى منك معاملة الأستاذ بما يليق به.
ومع حسن المعاملة فلا بد من أن تحرص على أن تستفيد منه، فهو مهما كان لديه من تقصير سواء فيما يتعلق بالمخالفات الشرعية، أو ضعف علمي، فهو على كل حال أقدر منك علما وتجربة.
2 – حماية عرض الأستاذ:
مجالس الطلاب كثيراً ماتملأ بالسخرية من أساتذتهم، أو اغتيابهم والوقوع في أعراضهم، ولئن كان هذا ممقوتاً في حق سائر الناس، فهو في حق المعلم أسوأ وأشد مقتاً، وحين تقع من طالب صالح ومستقيم فهي أشد وأنكى.
فمن حق الأستاذ البعد عن تناول عرضه، بل الذب عنه حين يخوض الطلاب في عرضه، عن أبي الدرداء –رضي الله عنه- عن النبي r قال:»من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة«، فإذا كان هذا في عرض أخيك فلا شك أن أستاذك وشيخك له حق عليك.
والأمر يحتاج إلى حكمة في تعامل الطالب مع زملائه، فحين تواجه زميلك الذي يقع في عرض أستاذه فقد لا يستجيب لك، لكن عندما تسلك أسلوباً فيه حكمة، أما ما يفعله بعض الطلاب بإبلاغ الأستاذ بمن يخوض في عرضه، فهو غير مشروع، بل هو مدعاة لزيادة الشحناء وإثارة البغضاء التي جاء الشرع بإزالتها بين المسلمين.
3 – التعامل مع خطأ الأستاذ:
الأستاذ بشر ليس معصوماً، فقد يقع في خطأ؛ فيستدل بحديث ضعيف، أو يختار قولاً مرجوحاً، وقد يتحدث في موضوع معين لدى الطالب فيه معلومات ليست لدى الأستاذ؛ فحين يدرك الطالب خطأ أستاذه فهذا لا يعني أنه أعلم منه ولا أكثر إحاطة؛ فإن الهدهد قال لسليمان ]أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين[ فهل يعني هذا أن الهدهد أعلم من سليمان؟
إن بعض الطلبة يفرح بمثل هذه القضية ويقفز مباشرة في وجه أستاذه ليقول له إن هذا الحديث ضعيف، أو هذا الكلام فيه كذا وكذا، أو سمعت كذا وكذا، وهذا فيه شهوة خفية وحب للظهور أمام الناس، قد لا يشعر به صاحبه، فيجب أن تسلك الحكمة في ذلك بتصحيح مثل هذا الخطأ بأسلوب مناسب؛ فمما يصعب على الأستاذ أن يعترف بالخطأ أمام الطلاب.
والطالب الحكيم يمكن أن يحدث أستاذه خارج الفصل، فيقول إني سمعت كذا وكذا وقرأت كذا وكذا، فكيف أوفق بين هذا وبين ما سمعته منك في الدرس؟ وقد يأتي بالكتاب ويعطيه الأستاذ ويقول أنا قرأت في هذا الكتاب كذا وكذا، وأنت قلت غير هذا الكلام فكيف أوفق بين كلامك وكلام الكتاب؟
بل إنه في حالات كثيرة يفهم الطالب ما قرأه أو ماسمعه من أستاذه فهماً خاطئاً؛ فيخطئ أستاذه بناء على هذا الفهم.
وقد يقع الأستاذ في مخالفة شرعية فالإنكار عليه ليس كمثل عامة الناس، بل يجب أن تسلك الأسلوب الذي ترى أنه فعلا يؤدي المصلحة التي تريد أن تصل إليها وتسعى إلى تحقيقها.
4 - الاستفادة من الأستاذ المتميز:
قلما تجد مدرسة إلا وفيها عدد من الأساتذة المتميزين علميًّا -بالنظر إلى مستوى الطلاب على الأقل- ومن هنا أنا أوصي الشاب أن يحرص على أن يستثمر هذه الفرصة؛ فوجوده مع الأستاذ محدود، وتدريس هذا الأستاذ له مدة محدودة، فليحرص على أن يستفيد منه قدر الإمكان ولو حتى خارج الفصل، بل يجدر به أن يقوي صلته مع هذا الأستاذ ويحرص على الاستفادة منه سؤالا واستشارة ومناقشة.
الطالب والدراسة:
ثمة قضايا لها أهميتها في صلة الطالب بدراسته، ومنها:
1- الإخلاص لله عز وجل:
لا يخلو الطالب من أن يكون يدرس دراسة شرعية، أو يدرس تخصصاً آخر غير شرعي، فإذا كان يدرس دراسة شرعية فهو يتعلم علما شرعياً، فيتأكد في حقه مراعاة النية الصالحة؛ فقد قال r :" من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله عز وجل لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة" . وحتى لو دخل الطالب ابتداء ونيته ليست صالحة، فهذا لا يمنعه من أن يصحح نيته، والعلم الشرعي سبب لصلاح الإنسان في نفسه وصحة عبادته، وسبب لنفعه لعباد الله وإفادتهم ودعوتهم.
أما من لا يدرس دراسة شرعية فحري به أن تكون نيته تقديم الخير للمسلمين ونفعهم فيما هو من تخصصه، فالأمة تحتاج إلى الطاقات في كافة التخصصات، وتحتاج إلى الناس الأخيار في كل ميدان.
أما أولئك الذين يتجهون إلى هذه التخصصات لما ينتظرون من ورائها من مكانة اجتماعية، أو عائد مادي مجز فهؤلاء أصحاب أهداف قريبة قد رضوا لأنفسهم بالدون.
والإخلاص مع ما فيه من تصحيح العمل، وإقبال صاحبه عليه وتحقق الأجر والثواب له، فهو أمر قلبي لا يكلف صاحبه مزيداً من الجهد، فلو عقدت مقارنة بين طالبين: هذا مخلص لله وهذا غير مخلص، فكلهم سوف يحصل على الشهادة والمزايا المالية التي يحصل عليها الآخر.
والطالب الذي يستحضر النية الصالحة، منذ أن يخرج من منزله إلى أن يعود إليه وهو في عمل صالح؛ فهو داخل تحت قول النبي r :"من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع، ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة" وكل ما يصيبه من تعب ومن جهد في الاستذكار والامتحانات فهو مأجور عليه.
2 – الاعتناء بالتخصص:
إن الطالب الذي يستحضر النية الصالحة الخالصة لابد أن يعتني بتخصصه، وألا تكون صلته به مقتصرة على مايتلقاه في مقاعد الدراسة؛ فينبغي أن يظهر أثر ذلك في متابعته للكتب والدوريات والندوات والبرامج العلمية المتعلقة بتخصصه؛ إذ بدون ذلك لن يستطيع أن يفيد الأمة من خلال هذا التخصص.
وسواء في ذلك التخصصات غير الشرعية، أو التخصصات الشرعية، فليس من التعامل السليم مع التخصص أن تجد مكتبة متخصص في الفقه وأصوله لاتختلف عن مكتبة متخصص في علوم القرآن.
3 - الدراسة وتحصيل العلم الشرعي:
ثمة فهم سائد لدى طائفة من الطلاب الذين يدرسون في التخصصات الشرعية؛ فتجدهم يعتبرون طلب العلم فيما هو خارج إطار الدراسة، سواء أكان من خلال القراءة والاطلاع، أم من خلال حضور الدروس والدورات العلمية، ويترتب على ذلك إهمال للدراسة، التي يقضي فيها زبدة وقته، ويتلقى من مختصين –مهما كانت خلفيتهم العلمية- قضوا وقتاً وجهداً في هذا التخصص والتعامل معه.
إن المقرر الذي يتلقاه الطالب على مقاعد الدراسة غالباً ما يكون قد أعد بعناية، ويكمل فيه الطالب دراسة العلم –ولو بشكل مختصر- ويمتحن فيه، فيعيد قراءته ومراجعته واستذكاره.
الطالب والدعوة:
إن مدارسنا اليوم لاتكاد تخلو من عدد من الشباب الصالحين الذين يحملون هم الدعوة ويدركون المسؤولية الملقاة على عاتقهم، والمفترض أن تكون المدرسة هي الميدان الدعوي الأول للطالب الذي يشعر بأنه يحمل مسؤولية الدعوة، ومما يبرز أهمية الدور الدعوي في المدرسة:
1- أن الطالب يقضي في المدرسة عدة ساعات هي زبدة وقته، فإذا لم يقم بالدعوة في هذا الميدان فأي ميدان سيكون أكثر إنتاجاً فيه؟
2- كثرة عدد الطلاب، فهو يعد في المدرسة والكلية الواحدة بالمئات، فحين نعتني بالدعوة في المدارس فسوف نتعامل مع قطاع عريض جدًّا من قطاعات المجتمع.
3- أن كثيراً من الأنشطة الدعوية تقدم لمن يقبل عليها كالدروس والمحاضرات ونحوها، أما العمل في هذه الميادين فهو يستهدف إيصال الدعوة للجميع.
4- أن فئة الطلاب من أكثر الفئات استجابة للدعوة وقابلية للتأثر، ومن ثم فالنتائج المرجوة والمؤملة من هذا الميدان الدعوي أكثر من غيره من الميادين.
5- أن هذه الفئة هي أهم فئات المجتمع، فالشباب أكثر طاقة وحيوية، وهم قادة المجتمع في المستقبل، بخلاف كبار السن ونحوهم.
6- أن هذه الفئة هم أقرب الناس إلى الشاب، فهو يعيش معهم ويخالطهم ويجالسهم، لذا فدعوتهم أولى من دعوة غيرهم، والمسؤولية تجاههم آكد من المسؤولية تجاه غيرهم، فالمدرس يقابل هؤلاء مرتين أو أكثر في الأسبوع الواحد، والطالب يعايشهم لسنوات عدة، ويقابلهم كل يوم وقتاً ربما كان أكثر مما يقابل والديه.
إن هذا هو الميدان الذي يطيقه الطالب ويحسنه، فكثير من المجالات والأنشطة الدعوية تتطلب قدراً من الإمكانات والطاقات قد لاتتوفر له، أما زملاؤه في الدراسة فهم في سنه، ومستوى تفكيره، فلن يحتاج معهم لمزيد من الجهد.
إنه مما يؤسف له أن تنظر في حال بعض الشباب الذين كثيراً ما يسألون عن الدعوة ويتحدثون عنها فتراه يزامل بعض الشباب ثلاث سنوات أو تزيد، ومع ذلك لم يسمع منه كلمة واحدة.
إن تملك دافعا وروحا تقودك إلى أن تحضر المحاضرة، أو تشتري الكتاب، أو تتفاعل مع المسلمين في بورما ويوغسلافيا والصومال وتسأل عن أخبارهم وتقرأ ما يتعلق بأمورهم وتتبرع لهم، هذه الروح لا نريد أن نقضي عليها، لكن نريدها أن تسهم في أن تدفعك لدعوة هذا الشاب الذي تراه كل يوم ومع ذلك لم تقدم له خيراً أليس هذا أولى الناس بك؟
القدوة ودورها في الدعوة:
إن القدوة الصالحة تترك أثرها في الناس دون أن يتحرك لسانه بدعوتهم وخطابهم، والشاب الذي يحمل مسؤولية الدعوة ينبغي أن يكون قدوة لزملائه في عبادته فهو يصلي معهم في المدرسة فليروا منه الاهتمام بالصلاة والاعتناء بها فرضاً ونافلة، وأن يكون قدوة في الانضباط الشرعي فلا تظهر منه مخالفة أو مجاهرة بمعصية، وأن يكون الأخلاق والآداب العامة فلا يليق أن تجد الطالب الصالح يقف أمام المكاتب الإدارية معاقباً أو محاسباً، وأن يكون قدوة في الاتزان والسمت، فلايكون مزاحه وعبثه كسائر الطلاب، وأن يكون قدوة في التحصيل الدراسي وتعامله مع أساتذته.
وما أجمل أن نجد أن الأستاذ يفرح عندما يرى الطالب قد استقام لأنه يعرف أن هذا سينشأ عنه استقامة سلوكه، واجتهاده في دراسته، وما أجمل أن يفرح الطلاب حين يدخل عليهم شاب مستقيم لأنهم يعرفون أنه يختلف عن سائر الطلاب فهو بشوش لطيف المعشر، بعيد عن المشاكسة والمشكلات، يعينهم في قضاء حوائجهم ويخدمهم فيما يريدونه منه.
أهداف النشاط الدعوي في المدرسة:
إن الدعوة في المدرسة ينبغي أن تأخذ ميداناً ومجالاً أوسع من الدائرة المحدودة التي يحصرها فيها البعض من الطلاب.
ويمكن أن نحدد أهداف النشاط الدعوي في المدارس فيما يلي:
أولا: زيادة المنتمين للصحوة، من خلال الاعتناء بدعوة الشباب المحافظين الذين يقتصر تدينهم الفطري على أنفسهم، أن يدعى هؤلاء للمشاركة في الأنشطة والبرامج العامة التي تؤهلهم لأن يكونوا من جيل الصحوة وحملة الدعوة.
ثانياً: إصلاح بعض من وقع في الانحراف من الطلاب، فكثير منهم مهما كان لديه من الانحراف فهو يحمل القابلية للخير والاستعداد للاستجابة (ارجع إلى محاضرة عوائق الاستقامة).
ثالثاً: نشر الخير ومظاهره بين عامة الطلاب، فالأنشطة –ولو لم يكن لها أثر مباشر في استجابة بعض الطلاب- فلها أثرها في إحياء الحس الإسلامي وإيقاظه بين المدعوين، ولها أثرها في تصحيح كثير من المفاهيم الخاطئة، ونشر الخير والعلم الشرعي.
رابعاً: إنكار المنكرات العامة، فهو واجب شرعي، وفشو المنكرات والمجاهرة بها له أثره الكبير على بقية الطلاب، فكثير منهم يتعلم ألوالناً وصوراً من الانحرافات من خلال ما يراه في المدرسة. واعتناء الشباب الصالحين بإنكار المنكرات له أثره في حمايتهم من التأثر بها، فالإنسان مهما بلغ من التقوى والصلاح عرضة للتأثر.
وثمة وسائل عدة يملكها الشاب الصالح لإنكار هذه المنكرات، منها النصيحة الشخصية لصاحب المنكر، ومنها التوبيخ له أمام زملائه وبخاصة حين يكون معلناً لمنكر فيه من الوقاحة والبشاعة، ومنها الاستعانة ببعض الأساتذة الغيورين….إلخ هذه الوسائل.
ولو تضافرت الجهود، وقام الغيورون بإنكار مايرونه من منكرات لاختفى كثير منها، وامتنع كثير من الطلاب من المجاهرة بها وإعلانها.
وثمة أمور مما تعين على أن يحقق إنكار المنكر هدفه وغايته، ومنها:
الأمر الأول: ضرورة التثبت في الإخبار عن المخالفات الشرعية، والبعد عن التعجل والتسرع.
الأمر الثاني: الاستشارة للزملاء والأساتذة فيما يقوم به الشاب من أنشطة، فحداثة تجربته تحوجه إلى الاستعانة والاسترشاد بتجارب من سبقه.
الأمر الثالث: الثقة بالنفس وعدم احتقار الذات أو الشعور بعدم الإنجاز، فكثير من المهام الدعوية التي تراد من الشاب لا تتطلب قدراً كبيراً من العلم والقدرة على التأثير، فهو في الأغلب يدعو أقرانه وهم دونه في العلم والثقافة والقدرات.
الأمر الرابع: طول النفس وعدم الملل، فالنتائج قد تأتي سريعة، بل إن دعوة الشاب لأحد زملائه قد لا يظهر أثرها إلا بعد أن يتخرج الجميع من المدرسة ويفترقون، وينسى الداعي ولا ينسى المدعو.
هذه بعض الخواطر والمقترحات التي قد لا يكون فيها جديد لإخواننا، لكنها تذكير والذكرى تنفع المؤمنين.
أسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم لطاعته وأن يجنبنا وإياكم أسباب معصيته ***طه ويرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح؛ إنه سميع مجيب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.



#18 غير متصل   ashlpi

ashlpi

    إسماعيلاوي قبل أن أولد

  • Members
  • 1042 مشاركة

تاريخ المشاركة 12 January 2008 - 05:59 PM

الدرس الثامن عشر :العاطفة


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله، أما بعد ...
مدخل:
حديثنا هذه المرة حديث ذو شقين : ـ
حديث حول الإهمال، وحديث حول الإغراق .
وقبل أن ندخل في موضوعنا، لابد لنا أن نقف وقفة سريعة عجلى حول ما قاله بعض أئمة اللغة حول معنى هذا المصطلح الذي شاع حول حديثنا وصار على لسان الصغير والكبير .
يقول ابن فارس " العَطفُ أصل صحيح، يدل على انثناءٍ واعوجَاج، يُقال عَطفتُ الشَيء إذا أَمَلتَه، وانعَطَفَ الشَيءُ إذا انعاَج، وتَعطَّفَ بالرحمة تعطُّفا، والرجل يَعطِفُ الوسادة يُثنيها، ويقال للجانبين العطفَان " .
وقال في اللسان " وتَعطَّف عليه أي وصلَه وبرَّه، وتَعطَّف على رَحِمِه رقَّ لها، والعَاطِفَة الرحِم صفة غالية، ورجل عَاطِف وعَطَوف عائد بِفَضْله حَسَن الخُلق " .
قال الليث " العَطَّاف الرجل الحَسَن الخُلُق العَطُوف على الناس بِفَضلِه وعَطَفتُ عليه اَشْفَقْتُ" .
وهكذا نرى أن " المعنى اللغوي " لا يبتعد كثيراً عما يُطلق عليه بالمصطلح المعاصر " العاطفة " وإن كانت أخذت مدًى أبعد من ذلك .
فحين تُطلق العاطفة فإنها " تطلق على تلك المشاعر المتدفقة السيَّالة التي تدفع الإنسان لاتخاذ مواقف من القبول والرفض، أو الحب أو الكره، تُطلق على تلك الحماسة التي تتوقَّد في نفس صاحبها، لقبول هذا العمل أو رفضه " .
وصار الحديث كثيراً حول العاطفة حديث الرفض، وحديث الانتقاد، فصار يكفي أن تجرح فلاناً من الناس أن تصفه بأنه " صاحب عاطفة " أو بأنه " صاحب حماس " أو كما يُقال " متحمِّس "، صارت كلمة جرح مطلقاً، وهذا يعني أن فاقد العاطفة وفاقد الحماس هو الرجل الأولى بالتعديل .
إننا ومع شعورنا " بإغراق " بل ومزيد من الإغراق في العاطفة ومع شعورنا بأن ثمَّة مواقف تدفع إليها العواطف كثيراً لابد أن نحجِّمها ونحُد منها، إننا مع ذلك ينبغي ألاَّ نهمل دور العاطفة وألاَّ نقع في خطيئة الإهمال لها .
إهمال العاطفة:
إن الدعوة إلى إهمال العاطفة كما قلنا، دعوة بحاجة إلى مراجعة وإلى إعادة النظر لأمور منها:
أولاً: أن العاطفة خلقها الله في الإنسان أصلاً، فقد خلق الله الإنسان يحمل مشاعر وعواطف من الحب والكره، والقبول والرفض والحماس .
فالدعوة إلى إلغائها دعوة إلى تغيير خلق الله، والدعوة إلى إلغائها أنها خُلقت عبثاً، وحاشى لله عز وجل أن يكون في خلقه عبث، فهو سبحانه ما ركَّبَ هذه العاطفة في نفس الإنسان إلا لحكمة، ولمصلحة لابد أن تتحقق من ورائها .
ثانياً : يتفق العقلاء من الناس على وصف فاقد العاطفة بأنه رجل شاذ؛ فالرجل الذي لا تتحرك مشاعره، فلا يرقُّ قلبه لمشهد يثير الرقة والعطف، ولا يملك مشاعر الحب تجاه الآخرين أو مشاعر الرفض تجاه من يُرفَض، الرجل الذي لا يمكن أن تتوقَّد في قلبه حماسة أيًّا كان الموقف، لاشك أنه رجل شاذ فاقد للإحساس والعواطف .
بل إن الناس يرون أن الرجل الذي لا يحس بالجمال، ولايتذوق الجمال في هذه الدنيا، رجل شاذ، فهو وصف مخالف للفطرة السوية، ولهذا ( حين جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ورآه يقبِّل صغيراً، قال :تقبِّلون صغاركم ؟! قال صلى الله عليه وسلم "أوأملك أن نزع الله من قلبك الرحمة ؟").
إنه رجل شاذ بعواطفه، إنه رجل كما قال صلى الله عليه وسلم:"قد نُزعت من قلبه الرحمة" فصار تصرفه وصار سلوكه، سلوكاً غير مرضيٍّ، وسلوكاً مرفوضاً، يستنكر النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الصحابي رضوان الله عليه، أن لا يملك في قلبه الرحمة، والرقة والعاطفة تجاه هؤلاء الصبية الصغار، فصار لا يُقبِّل أحداً منهم .
ثالثاً : حين نقرأ سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم نجد مواقف شتى تدل على هذا المعنى وسواءً سميناها عاطفةً أو لم نسمها كذلك فلا مُشاحة في الإصطلاح، ولا يجوز أبداً أن نقيم جدلاً وحرباً حول المصطلحات والألفاظ، سمها ما شئت المهم إنها تعني الذي نريد، وإن اصطلحنا نحن على تسميتها بالعاطفة فإن هذا لايعني أن وصف العاطفة لفظ تهمة أصلاً ولفظ جرح، يتردد المرء من أن يصف به فلاناً من الناس فضلاً أن يصف به محمداً صلى الله عليه وسلم .
وإن اخترت أن تبحث له عن لفظ غير هذا فأنت وما تريد لكنا نحن نريد المعنى ولسنا نقيم جدلاً حول هذا المصطلح وحول هذا اللفظ .
النبي صلى الله عليه وسلم كان يملك هذا الشعور: يملك هذا الشعور مع زوجاته، ففي حجة الوداع تأتي زوجه عائشة رضي الله عنها وقد حاضت ولم يتيسر لها أن تأتي بعمرة قبل الحج فتأتي النبي صلى الله عليه وسلم فتقول: يذهب الناس بحج وعمرة وأذهب بحج؟ ثم تلحُّ عليه صلى الله عليه وسلم، يقول جابر: وكان رسول الله عليه وسلم إذا هوت أمراً تابعها عليه، ويواعدها صلى الله عليه وسلم المحصَّب أو الأبطح ثم تذهب مع أخيها فتعتمر فتأتي إليه صلى الله عليه وسلم فيُوقظ صلى الله عليه وسلم ثم يقول "أفرغتم؟" فتقول: نعم؛ فيؤذن أصحابه بالرحيل .
وفي موقف آخر أبعد من هذا كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في غزاة ففقدت عقداً لها رضي الله عنها وحبس النبي صلى الله عليه وسلم الناس يبحثون عن هذا العقد، ويأتي أبوبكر الصديق رضي الله عنه إليها والنبي صلى الله عليه وسلم نائم على حجرها فيقول : ( حبستِ رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس، وليسوا على ماء وليس معهم ماء ؟! ) قالت: ( فما يمنعني أن أتحرك إلا مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي ) حتى آيسوا من هذا العقد فلما أقاموا البعير وجدوه تحته !!، وتدركهم الصلاة وليسوا على ماء، فتنزل آية التيمم فيقول أسيد رضي الله عنه: ( ما هذه بأول بركتكم يا آل أبي بكر ) .
إن النبي صلى الله عليه وسلم يحبس الجيش كله، ويبقيه يبحث عن هذا العقد، والقضية ليست قضية رجل يتعلق بالدنيا حاش وكلا، إنما هي مراعاة لمشاعر تلك المرأة، فيحبس النبي صلى الله عليه وسلم الجيش ويحبس الناس، ويأتي أبو بكر الصديق رضي الله عنه غاضباً إلى عائشة لأنها حبست الناس ويبقيهم صلى الله عليه وسلم حتى أدركتهم الصلاة وليسوا على ماء وليس معهم ماء .
وتأتي رضي الله عنها تنظر الى أهل الحبشة وهم يلعبون في المسجد ويقف صلى الله عليه وسلم يسترها وهي جارية لا يمل حتى تمل اللعب وتنصرف، فينصرف صلى الله عليه وسلم .
ونرى أيضاً هذا الخُلق عنده صلى الله عليه وسلم وتلك الرَّقة مع الأولاد فيأتي إليه الصبيِّ فيُقبّله صلى الله عليه وسلم فيعترض عليه رجل جالس عنده، فيقول : ( تُقبِّلون الصبيان ؟ إن لي عشرة من الولد ما قبلت أحداً منهم ) ، فيقول صلى الله عليه وسلم : "أو أملك أن نزع الله من قلبك الرحمة".
وفي الحديث الآخر ـ أيضاً ـ يقول صلى الله عليه وسلم "من لايَرحَم لا يُرحَم" .
ويُؤتى بالنبي صلى الله عليه وسلم وصبيٌّ يحتضر وروحه تقعقع فيحمله صلى الله عليه وسلم ثم تنزل قطرات من الدمع من عينيه صلى الله عليه وسلم ويتساءل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : يتساءلون كيف لهذا القلب الكبير أن يرق ؟ كيف لهذا القلب الكبير أن يحمل هذه العاطفة لمثل هذا الصبي فيُقال ما هذا ؟! فيقول: ( هذه رحمة يجعلها الله في قلوب من يشاء من عباده ) .
ويموت ولده إبراهيم ويبكي صلى الله عليه وسلم ويقول: ( إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن ولا نقول إلا ما يُرضي ربنا وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون ) .
في حين يأتي أحد المتصوفة ويرى أنه سيبلغ هدياً أكمل من هدي النبي صلي الله عليه وسلم وهو يشعر أنه قد أُمر بالصبر على فقدان أولاده والرضا لهم، فحين يموت ولده يقوم هذا الرجل يرقص على قبره !!، فرحاً بهذه المصيبة، ويظن أنه قد بلغ من الرضا بقضاء الله عز وجل وقدره منزلة عالية .
بينما هو قد فقد تلك المنزلة العالية التي سما إليها النبي صلى الله عليه وسلم حين يجمع بين الصبر والرضى بقضاء الله عز وجل ويجمع بين الرحمة والرقة والعاطفة، التي لا يفتقدها إلا إنسان شاذ .
ويأتي الحسن والنبي صلي الله عليه وسلم يصلي ساجداً، فيصعد على ظهر النبي صلى الله عليه وسلم، كما روى النسائي من حديث عبد الله بن شداد رضي الله عنه فيطيل النبي صلى الله عليه وسلم السجود، حتى يقوم هذا الغلام فيسأله أصحابه فيقول:"إن ابني هذا ارتحلني فكرهت أن أقوم حتى يقضي حاجته" .
ويدخل وهو يخطب صلى الله عليه وسلم فينزل صلى الله عليه وسلم من على منبره ثم يحمله ويعود إلى خطبته ويقول :"إن ابني هذا سيِّد وسيصلح الله به بين طائفتين عظيمتين من المسلمين".
وتتجاوز رحمة النبي صلى الله عليه وسلم وعطفه بني الإنسان إلى البهيمة والحيوان، فيروي عبدالله بن جعفر عنه صلى الله عليه وسلم أن أحب ما استتر إليه لحاجته هدف أوحائش نخل، فيدخل النبي صلى الله عليه وسلم حائطاً لرجل من الأنصار فإذا به جمل فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم حنَّ وذرفت عيناه، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح دفراه فسكت فقال صلى الله عليه وسلم:"من رب هذا الجمل ؟ لمن هذا الجمل ؟" جاء فتى من الأنصار فقال :لي يارسول الله ,فقال له :" أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكَّك الله إياها فإنه شكا إليَّ أنك تجيعه وتدئبه" رواه أبو داوود .
وفي حديث آخر عند أبي داود من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما عن أبيه قال : " كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فانطلق لحاجته فرأينا حُمَّرة معها فرخان فأخذنا فرخيها فجاءت الحُمَّرةُفجعلت تفرش فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :"من فجع هذه بولدها ؟! ردوا ولدها إليها" .
أرأيتم ذلك القلب الكبير، ذلك القلب العظيم، الذي لم تقف رحمته عند حدود زوجته أو عند حدود رعيته، أو حتى عند الأطفال لتتجاوز إلى الحيوان، فيكلم النبي أحد أصحابه في شأن جمل له يجيعه ويذله وكأن هذا الجمل يشعر ويرى هذا القلب الرحيم حين رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتذرف عيناه مرسلة رسالة إلى النبي صلى الله عليه وسلم صاحب الرحمة المرسَلِ رحمةً للعالمين بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى.
فهو رحمة للناس من عذاب جهنم ومن فيح جهنم، وهو رحمة للناس في أمور دينهم وهو صلى الله عليه وسلم رحمة حتى على هذه البهائم، ولهذا يصفه الله عز وجل فيقول
( فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ .............الآية.( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيز عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ )
ويصفه حسَّان رضي الله عنه بأوصاف يعجز عنها البلغاء : ـ



كان عطوفاً عليهم رؤوفاً بهم صلى الله عليه وسلم ولهذا لاغرو أن يقولوا حين دفنوه صلى الله عليه وسلم : " ما إن نفضنا التراب عن أيدينا حتى أنكرنا قلوبنا " وكيف لا ينكرون قلوبهم... لقد غيبوا علماً وحلماً ورحمةً عشـية واروه الـثـرى لا يـوســدُ
وراحوا بحزنٍ ليس فيهم نبيهم وقد وهنت منهم ظهورٌ وأعضدُ
ووصف r شاعر آخر فقال:
وإذا رحـمـــت فـأنـت أمٌّ وأبٌ هـذان في الدنيا هما الرحماءُ
وإذا خـطـبـت فـللـمـنابـر هزةٌ وإذا وعظـت فللـقـلـوب بكاءُ
وإذا غضبت فإنما هي غضبةٌ لله .. لاحـقـــدٌ ولا شـحـنــاءُ
هذا هو النبي صلى الله عليه وسلم وهذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم صاحب القلب الكبير، القلب الرحيم العطوف الذي مع ما يحمله صلى الله عليه وسلم من عبء الرسالة وهم حمل هذه الديانة والشريعة إلى البشرية كلها مع ذلك كله يجد في قلبه صلى الله عليه وسلم الغلام مكاناً له، والحيوان يجد مكاناً له لرأفته ورحمته صلى الله عليه وسلم .
أفبعد ذلك كله نطالب الناس أن يتجردوا عن عواطفهم ومشاعرهم وعما جبلهم الله عز وجل عليه
رابعاً: للعاطفة أثرها الذي ينكر في إذكاء حماسة المسلمين للجهاد في سبيل الله ونزال العدو، لقد وقف المسلمون في غزوة مؤتة حين بلغهم جمع الروم وقفوا يتشاورون ماذا يصنعون ؟ هل يطلبون مدداً من النبي صلى الله عليه وسلم أم يرجعون ؟
قال ابن اسحاق ثم مضوا حتى نزلوا معانا من أرض الشام فبلغ الناس أن هرقل قد نزل مآب من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم وانضم إليه من لخم وجذام وبلقين وبهراء وبلي مائة ألف منهم عليهم رجل من بلي ثم أحد أراشة يقال له مالك بن رافلة وفي رواية يونس عن ابن إسحاق فبلغهم أن هرقل نزل بمآب في مائة ألف من الروم ومائة ألف من المستعربة فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على معان ليلتين ينظرون في أمرهم وقالوا نكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نخبره بعدد عدونا فإما أن يمدنا بالرجال، وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له، قال: فشجع الناسَ عبدُ الله بن رواحة، وقال: يا قوم والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ظهور وإما شهادة، قال فقال الناس: قد والله صدق ابن رواحة فمضى الناس.
وقال ابن إسحاق فحدثني عبد الله بن أبي بكر أنه حدث عن زيد بن أرقم قال كنت يتيما لعبد الله ابن رواحة في حجره فخرج بي في سفره ذلك مردفي على حقيبة رحله فو الله إنه ليسير ليلتئذ سمعته وهو ينشد أبياته هذه :
مسيرة أربع بعد الحساءولا أرجع إلى أهلي ورائيبأرض الشام مستنهى الثواءإلى الرحمن منقطع الإخاءولا نخل أسافلها رواء إذا أدنيتني وحملت رحليفشأنك أنعم وخلاك ذم وجاء المسلمون وغادروني وردك كل ذي نسب قريبهنالك لا أبالي طلع بعل
قال زيد فلما سمعتهن منه بكيت فخفقني بالدرة وقال ما عليك يا لكع أن يرزقني الله الشهادة وترجع بين شعبتي الرحل.
وكأنك ترى في حال هذا الصحابي الجليل وقد خرج عقد العزيمة ألا يعود ويسأل الله عزوجل أن يخلفه المسلمون بأرض الشام .
وحين قُتل صاحباه وتقدم، تردد وتلكأ فقال أبياتاً يستحث فيها نفسه : ـ
لـتـنـزلـنــهْ أو لـتـكــــرهـنهْ مالي أراكِ تكرهين الجنة ؟ أقـسـمـت يـانـفـس لـتـنـزلـنهإن أجلب الناس وشدوا الرنة
فيخاطب نفسه بهذه الأبيات ثم يدفعها إلى ميدان الشهادة، فيمضي رضي الله عنه مع صاحبيه وهكذا حين تقرأ في السيرة أنه قبل المعركة يجمع القائد جنده وجيشه فيخاطبهم ويحمسهم ويحثهم على الاستشهاد في سبيل الله ويبين لهم فضل الشهادة وفضل الجهاد في سبيل الله، حتى يوقد حماستهم وعزيمتهم إلى الجهاد في سبيل الله عز وجل أيسوغ بعد ذلك أن ندعوا إلى إلغاء الحماسة والعاطفة وهو يفعل فعله في النفوس ؟
خامساً: العاطفة شيء مهم في التربية، وحين يفقد المربي العاطفة، فإنه ينشأ شاذاً وهي صورة نراها فيمن مات أبوه أو ماتت أمه، وتربى عند زوجة أبيه أو عند غيرها من النساء التي لاتشعر تجاهه بشعور الأم الحنون، كيف ينشأ هذا الشاب ؟.
ذلك أن ثمة حاجة ملحة لهم فقدوها ألا وهي الحنان والعاطفة، ولهذا يتربى هذا الشاب بعقل أبيه وحجر أبيه ويتربى ـ أيضاً ـ بعاطفة أمه .
ولحكمة بليغة خلق الله عز وجل العاطفة في الأم، عاطفة تذوب عندها أي عاطفة تلتقي في نقطة اتزان مع عقل الأب وحصافته فيعيش الشاب ويعيش الطفل بين هذين الخطين المتوازيين فيعيش متوازياً مستقرًّا .
وحين يُشدُ أحد الخيطين أكثر من صاحبه، أو يفقد أحدهما فإنه يعيش عيشة غير مستقرة، ومن ثم فلا غنى للصغير عمن يحوطه بالعاطفة، وعمن يحنّ عليه ويشفق عليه .
وحين ينشأ خلاف ذلك فإن الغالب فيه أن ينشأ فاقداً لهذا الأحساس، وفاقداً لهذا الشعور .
إننا مع ذلك كله نسمع من يدعو إلى إلغاء العاطفة، بل من يُدرج العاطفة ضمن مراتب الجرح، فيصف فلاناُ بأنه صاحب عاطفة، أو بأنه متحمس، وكم نرى العتبى واللوم على ذاك الذي أغاظه انتهاك حرمة من حُرم الله عز وجل فدارت حماليق عينه وغضب لله عز وجل، حينئذ يوصف بأنه متحمس، طائش، وبأنه لا يحسب عواقب الأمور .
أما ذاك الذي يرى المنكرات ويرى مصائب المسلمين ويرى جسد المسلمين يُقطع إرباً إرباً ومع ذلك لا تهتز مشاعره، ولا تتحرك عواطفه، ذاك يوصف بأنه رجل حكيم حصيف لبيب يضع الأمور في مواضعها !!
إنني أحسب أن هذه قسمة ضيزى، أحسب أن هذا جوراً في الحكم .
ولقد كان الغضب والحمية لدين الله عز وجل خُلقاً عند أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، بل قبل ذلك عند النبي صلى الله عليه وسلم، كان صلى الله عليه وسلم هيِّناً سهلاً ليِّناً فإذا انتهكت محارم الله لم يقم لغضبه شيء ويوصف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم كانوا يتناشدون الشعر فإذا أريد أحدهم على دينه ( دارت حماليق عينه ) أليس هذا تعبيراً عن الغضب والغيرة لحرمات الله عز وجل فكيف نصنع بتلك المواقف من سلف الأمة التي وقفوا فيها غضباً وحمية لدين الله عز وجل وقالوا كلمة الحق مدويَّة مجلجلة واضحة صريحة ! قالوها ولا شك أن الذي دفعهم لذلك الحماس والغضب لله .
نعم لكنها عاطفة صادقة و حماسة صادقة، فالمطالبة بإلغاء الحماسة والعاطفة، مطالبة بتغيير خلق الله عز وجل، وتغيير سجية فطر الله سبحانه عباده عليها .
وكما أننا ننكر على من يكون دافعه ووقوده الحماس والعاطفة وحدها، فإننا أيضاً ينبغي أن ننكر وبنفس القدر على ذاك المتبلد الحس، الذي يرى مصائب المسلمين، ويرى دماء المسلمين تجري ويرى حُرُمات الله تُنتهك ويرى دين الله عز وجل يُنقض عروة عروة، ومع ذلك لا يحرك فيه ساكناً، ولا يثير فيه حمية، ولا يغضب لله عز وجل .
ننتقل بعد ذلك إلى الحديث عن الشق الثاني، وهو :
* الإغراق في العاطفة :
إن الوسط سنة الله عز وجل في الحياة، فالمسجد الذي نصلي فيه، حين يزداد فيه التبريد يصبح حدًّا مزعجاً، لا نطيق الصبر عليه، وحين ينقص عن القدر المعقول، يؤلم الناس الحر، ويزعجهم فلا يُطيقون الصبر عليه . وهكذا الطعام حين يكون بالغ العذوبة لا يستسيغه المرء، وحين يكون بالغ الملوحة كذلك، وشأن الله عز وجل في الحياة كلها " الوسط " .
والتطرف أمر مرفوض، و دين الله عز وجل قائم على الوسط.
وهو وسط بين الغلو والجفاء، فكما أن إهمال العاطفة وإلغائها أمر مرفوض، فالإغراق فيها والتحليق في التجاوب معها هو الآخر أمر مرفوض وينبغي أن نكون وسطاً بين هذا وذاك .
وإن كنا أفضنا في الحديث عن الشق الأول إلا أنني أرى أننا ـ معشر جيل الصحوة ـ أحوج ما نكون إلى الحديث عن الشق الثاني وهو الإغراق في العاطفة .
فنحن نعاني من إغراق في العاطفة، تختلف في صورها ومظاهرها، ومجالاتها .
الصورة الأولى:
أن تحكمنا العاطفة في الحكم والتقويم، فحين نحكم على فلان من الناس، سلباً أو إيجاباً، وحين نحكم على عمل من الأعمال الإصلاحية، والأعمال الإسلامية، وحين نقوَّم الناس، فإننا لا يسوغ أن نندفع وراء عواطفنا، فنفرط في المدح والثناء، ونُحلِّق في أجوائها بعيداً عن الرؤية الأخرى ـ أي جوانب القصور، وجوانب الخلل ـ .
فلا يسوغ حين نقوَّم أعمالنا وجهودنا، أن تكون العاطفة هي المعيار الأوحد للتقويم والحكم، ومن يحكَّم العاطفة في حكمه، لابد أن يكون شخصية متطرفة إما ثناءً أو ذمًّا، إما سلباً أو إيجاباً.
كثيرة هي الأحكام التي نطلقها من وحي العاطفة فقط، في أحكامنا ومواقفنا من الرجال والأعمال والجهود والمواقف، كثيراً ما يكون الحاكم الأول والأخير، والقاضي والشهود والمدعي هو العاطفة وحدها.
وحينئذ لابد أن يكون الحكم حكماً جائراً، حكماً بعيداً عن العدل، إننا ومع تأكيدنا على أن الثناء على من يُحسن أمر مطلوب، وأن الإعجاب بمن يستحق الإعجاب أمر لا يُدعى إلى إلغائه والتخلي عنه. لكننا مع ذلك لا يسوغ أن نُفرِط، ولا يسوغ أن تحكمنا العاطفة وحدها في ذلك، وكثيراً ما تتحكم العاطفة في تقويم مواقف كثيرة من مواقف العمل الإسلامي، فتقود إلى نتائج مؤلمة .
اضرب لكم مثالاً : تجربة عشناها، كنا أغرقنا فيها، وتجاوبنا فيها مع العاطفة أكثر مما ينبغي، تجربة الجهاد الأفغاني، لقد بدأ هذا الجهاد، وقد نسيت الأمة الجهاد كله، بدأ وقد ضرب على الأمة الذل والهوان، وظنت الأمة أنها لن تعرف الجهاد ولن ترى الجهاد.
وصار حتى الذين يُدرِّسون الفقه يقفز بعضهم باب الجهاد لأنه لم يعد له مجال وميدان، فجاء أولئك وأحيوا في الأمة هذه الفريضة، وأحيوا سنة قد أُميتت وفريضة قد نسيتها الأمة، وحينئذ استفاقت الأمة، استفاقت على هذا الصوت، واستفاقت إلى داعي الجهاد، وصدمت بأولئك الذين خرجوا في تلك البلاد وقاموا لله عز وجل وأحيوا الجهاد في سبيل الله، وكان جهاداً حقًّا ولا شك، وقام بدور في إحياء الأمة ولا شك، لا يسوغ أبداً أن يُطوى، ولا يسوغ أن يُهمل .
لكن الذي حصل أننا أغرقنا كثيراً في العاطفة .
لقد بدأ الجهاد وفيه أخطاء ـ شأن البشر ـ وفيه انحرافات ـ شأن البشر ـ وفيه خلافات ـ شأن جهود البشر ـ فما بالكم بهذا الواقع الذي تعيشه الأمة، وما الجهاد الأفغاني، وما الأعمال الإسلامية كلها إلا إفراز لواقع الأمة الذي تعيشه .
وبدأ الجهاد وفيه ما فيه، من خطأ وخلل وفرقة وانحراف وفي الصف منافقون، ومع ذلك كله كان جهاداً شرعيًّا، كان جهاداً يستحق الدعم من الأمة، وأن تقف في صفه، لكن الذي حصل أننا أغرقنا في العاطفة فرفعنا منزلة أولئك إلى منزلة قريبة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وإلى الملائكة، وصرنا نفرط في الحديث عن الكرامات، ونستدل بها ومنها ما كان صحيحاً، وما كان منها لا يقبله عقل ولا منطق، بل ما كان منها من رواية أهل الخرافة الذين اعتدنا منهم هذه الأباطيل، وصرنا نتهم من يُشككُ في شيء منها بأنه من المخذلين، صرنا نتهم من يتحدث عن أخطاء الجهاد، وعن أخطاء المجاهدين ومن يُطالب بتنقية الصف، بأنه من المعوقين، فكنا دائماً نسمع التستر على الأخطاء، ودفن العيوب وكنا نتجاوب في عاطفة جيّاشة، ونتصور أن ذكر الأخطاء والحديث عنها لا ينبغي، ولا يحقق المصلحة ويجعل الأمة لا تتجاوب مع هذا الجهاد، وطال عمر الجهاد وجاء وقت قطف الثمر، وما الذي حصل؟! وماذا كان موقف الناس ؟!
إن موقفنا لا يزال، لازلنا غير آسفين على ريال واحد قدمناه للمجاهدين، ولا زلنا غير آسفين على كلمة قلناها في دعمهم لأنا نرى أنها كلمة حق، ولا زلنا لم نغيِّر مواقفنا .
لكننا نرى أنا نحن السبب في هذا الخطأ، حيث كنا نتجاوب مع العاطفة كثيراً، ونرفض الموضوعية، ونرفض النقد، ونرفض المصارحة، حيث إن الجهاد أوقد عاطفة في نفوسنا، لم نستطع أن نضبطها، ونحكمها فيما بعد، حتى وصلنا إلى هذه المرحلة، التي يدمينا جميعاً ويؤلمنا أن نسمع تصريح الزعيم الروسي السابق " جورباتشوف " حين يقول: ( لو علمنا أن الأفغان سيصنعون ما صنعوا لسَلَّمناهم كابول منذ زمن بعيد !! ) .
كم يدرك قلبك المأساة والحزن والأسى وأنت ترى الآن السلاح الذي كان وراءه أموال المسلمين، وترى أولئك الذين صعدوا على جماجم الشهداء من كل بقاع المسلمين، ترى أخاهم يوجِّه السلاح والرصاص لأخيه.
إنني هنا لست بصدد تقويم هذا العمل، وهذا الجهاد - وهو مع ذلك لا يزال مفخرة من مفاخر الأمة، وإنجازاً من إنجازاتها- لكن الشاهد هنا أننا في تعاملنا مع هذا الحدث كنا نتجاوب كثيراً مع العاطفة، وكنا نُمارس الإرهاب الفكري ونمارس التثبيط ضد أي صوت ناصح يدعو إلى تنقية الصف ويدعو إلى تصحيح المسيرة، وأخشى ـ أيضاً ـ أن يقع الخطأ مثله وها نحن الآن نشهد الصحوة المباركة، مع ما فيها من إنجازات ففيها أمراض بحاجة إلى علاج، بحاجة إلى مراجعة، بحاجة إلى مصارحة، بحاجة إلى أن تتحدث عن أخطائها، تحت ضوء الشمس وفي وَضَح النهار، فأرجو أن لا تسيطر علينا العاطفة مرة أخرى، فتدعونا إلىالتستر على الأخطاء، ودفن العيوب، حتى تستفحل حينئذ وتستعصي على العلاج والمداواة .
إذن من الإغراق في العاطفة أن تكون العاطفة وسيلة للحكم والتقويم .
الصورة الثانية: كون العاطفة هي المحرك للعمل :
ومن الإغراق في العاطفة ـ أيضاً ـ أن تكون هي الدافع الوحيد للعمل، أن يتجاوب المرء مع عاطفته، فيعمل عملاً، أو يتخذ قراراً، أو يقف موقفاً، والدافع الأول والوحيد له هو العاطفة، لاغير،وهذا عنوان الفشل والانحراف في العواطف .
ومع عدم إهمالنا لدور العاطفة ومع أننا نرى أنه لا بد أن يدفع المرء إلى أي عمل، حماس، وعاطفة تتوقد في قلبه، ونرى أن من يفقد العاطفة لا يمكن أن يحمل الدافع لعمل وإنجاز - مع ذلك كله - فإنا نرى أن العاطفة وحدها حين تكون الدافع للعمل، فإنها ستقود إلى نتائج غير محمودة، ونرى أن التجاوب والإغراق في التفاعل مع العاطفة وحدها، أنه إهمال للطبيعة الإنسانية حتما، فقد خلق الله الإنسان بعقل وحلم وعاطفة، خلقه الله عز وجل بمشاعر وخصائص شتى، والموقف الذي يقفه المرء ينبغي أن يكون إفرازاً لتفاعل كل هذه الخصائص التي فطر الله عز وجل الإنسان عليها، أما حين يكون إفرازاً لعامل واحد فقط فهذا إغراق في العاطفة وغلو وتطرف .
الصورة الثالثة: العلاقات العاطفية:
ومن الإغراق في العاطفة : العلاقات العاطفية التي قد تنشأ بين بعض الشباب، أو بعض الفتيات، فقد ينشأ بين شابين أو فتاتين علاقة ومحبة يتجاوز قدرها، وتعلو حرارتها حتى تتجاوز القدر الذي ينبغي أن تقف عنده، فتتحول إلى عاطفة جيَّاشة، وتتجاوز ذلك الدافع الأول الذي دفع إليها ألا وهو الحب في الله .
وهي صور ومواقف نراها جميعاً، وكثيراً ما ترد إليَّ هذه الشكوى، إما سؤال في محاضرة، أو رسالة يحملها إليَّ البريد، وهي رسائل مؤثرة يحكي صاحبها معاناته مع هذا الجحيم الذي يعيشه من لأواء هذه العلاقة العاطفية ويبحث عن الخلاص والمخرج، والكثير من هؤلاء يطلب مني أن لا أنشر رسالته، مع أني أعرف أنه لن يُعرَف من وراء ذلك، لـكـن مـا دمــت قد استُؤمنت على ذلك، فلا يجوز أن تخون من ائتمنك، وإلا قرأت عليكم بعض تلك الرسائل التي تصوِّر لكم عمق المعاناة التي يعيشها مثل هذا الشاب .
قد تبدأ هذه العلاقة حبًّا في الله عز وجل ثم تتطور إلى حد يتجاوز بعد ذلك هذا القدر، تتحول إلى مشاعر عاطفية يُبديها فلان والآخر، ويحاول كل منهما أن يُغلَّف هذه العلاقة بغلاف الحب في الله، ويحاول أن يطعَّم هذا اللقاء بشيء من التواصي وشيء من التعاون على طاعة الله عز وجل، وهي مكائد وحيل نفسية شيطانية حتى يَغفُل عن الداء، والمحرك الأساس .
وحين تستحكم حينئذ يصعب ويَعُزُّ الفراق،فحين ترى زيداً فأنت تنتظر قَطعاً أن يأتي عمرو، وحين يعتذر زيد عن المشاركة فهذا يعني بالضرورة أن يعتذر عمرو هو الآخر وليس ثمة سبب إلا أنه قد اعتذر، وحين يكون الأول مشغولاً مع والده، فسيكون الآخر مشغولاً مع والدته، وإن لم يكن كذلك فثمة شغل هنا أو هناك، والقضية تتحول إلى أن يربط مصيره بمصير فلان من الناس، حتى لا يصبر على فراقه، ولا عن لقائه، وهكذا الشأن أيضاً عند الفتيات.
إنها صورة من الإغراق في العاطفة والتجاوب معها، صورة تقود إلى نتائج خطيرة، صورة تجعل هذه العاطفة تُحجَبُ عن غير هذا الشاب، فلا يُحب في الله إلا من أحب هذا الرجل ولا يبغض في الله إلا من أبغض هذا الرجل، ويصبح هذا الرجل هو مقياسه والآخر يبادله الشعور نفسه، وأما أصحابه وخِلاَّنه وإخوانه فلم يعد لهم مكان فسيح في قلبه حيث
أتاه هواه قبل أن يعرف الهوى فصـادف قـلـبـاً خـالـيـاً فـتـمـكـنـا
فاستحكمت هذه العلاقة واستحكمت هذه المحبة حتى لم يعد في قلب كل واحد منهما مكان لغير صاحبه، ويكتشف أو يكتشفان الخطأ لكن بعد فوات الآوان، وحين يكون قد انساق مع هذه العاطفة وتجاوب معها فيصعب عليه التراجع حينئذ ويأتي يبثُّ الشكوى ويطرح السؤال كيف الخلاص؟ أشعر أنها ليست محبة خالصة لله، أشعر بعمق المأساة والمعاناة إلى غير ذلك .
لكنه حينئذ أصبح لا يطيق الصبر والفراق، فيبحث عن العلاج حين قد صَعُبَ عليه ذلك، ولو كان منطقيًّا، وجادًّا، وكان مقتصداً في بذل المشاعر العاطفية والعبارات التي ترقق العاطفة، لاعتدل فيها.
نقول ذلك ونحن لا نرفض المحبة في الله، بل لا نرفض الطبيعة التي تجعل فلاناً من الناس يشعر بارتياح لصاحبه، ويشعر أنه يميل إليه أكثر من غيره من الناس وهذه فطرة فطر الله الناس عليها ( الأرواح جنود مجندة ) لكن أيضاً يبقى هذا بقدر معين محدود إذا تجاوزه تحول إلى مرض وداء ـ عافانا الله وإياكم ـ.
وما على من ابتُلِيَ بمثل هذه المشاعر إلا أن يقطع الطريق من أوله، حيث قد يصل إلى مرحلة قد يشق عليه الرجوع بعدها .
الصورة الرابعة: التربية العاطفية:
فقد تسيطر العاطفة على المربي أيًّا كان أباً أو استاذاً أو معلماً فيتعامل مع من يربيه بعاطفة جيَّاشة ويتجاوب مع مشاعره، وتسهم هذه العاطفة في حجب الرؤية السليمة والصحيحة لهذا المربي، الرؤية لواقع من يربيه، وتسهم هذه العاطفة في حجب ما يحتاج إليه، فهو مع حاجته إلى الترغيب، يحتاج إلى الترهيب، ومع حاجته إلى الحب والحنان، يحتاج إلى نوع من الجفاء حين ينفع الجفاء، والخشونة قد تنفع فهي كاليد تغسل أختها .
إن إغراق المربي في العاطفة، يحجب عنه الأخطاء، ويحجب عنه العيوب، يحجب عنه الموضوعية، يحجب عنه الحزم الذي يُحتاجُ إليه في مواقف الحزم، فينساق حينئذ تجاوباً مع هذه العاطفة الجيَّاشة، ويتخذ مواقفه وقراراته ويرسل برامجه استجابةً لتلك العاطفة، فهو يخشى أن يملَّ الشباب، يخشى أن يتضايق الشباب، يخشى أن يسأم الشباب يريد أن يُنفِّسَ عن الشباب، ولا تكاد تجد عنواناً أدق لهذه الأوهام وهذه المخاوف إلا التربية العاطفية .
وبعد ذلك يتعامل هذا الشاب مع غير صاحبه فلا يطيق الفراق للأول، وحين ترى من تربيه لا يطيق فراقك، ويضمن إليك حنيناً، حنيناً زائداً فهذا عنوان إغراقك في العاطفة، فإنك أيضاً ينبغي أن تربي تلميذك، وينبغي أن تربي من تحتك على أتم الاستعداد أن يتخلى لا كرها، لا رغبةً عنك إنما حين يكون الأولى أن يتخلى، حين يكون الأولى أن يفارق، نعم قد يشعر بحنين
كم منزل في الأرض يألفه الفتى وحـنـيـنـه أبــداً لأول مـنـزل
لكن حين يزداد هذا الحنين فيتأثر القرار بهذا الحنين، حين يساوم على هذا القرار فهذا دليل على إغراق في التربية العاطفية، وجَدَلاً نُقنع به أنفسنا أن هذا عنوان نجاحنا، أن هذا عنوان إقناعنا للآخرين، وليس هذا إلا حيلة نفسية نخادع فيها أنفسنا .
الله الله في هذا النشأ، الله الله في هذا الجيل، إننا معشر الشباب، معشر المربين بحاجة إلى جيل حازم، بحاجة إلى جيل يتحمل المسؤولية، بحاجة إلى جيل ينتظر أن يُقال له " لا " فيستجيب، بحاجة إلى جيل ينتظر أن يُقال له سر في غير هذا الطريق فيسير في غيرهذا الطريق .
أما الجيل الذي لا يتجاوب إلا مع عواطفه، ومع مشاعره فهذا لا يَثبُت وقت المحنة، ولا وقت الفتنة ولا يؤمل فيه خيرٌ، وحين تغرق العاطفة في هذه الصور أو غيرها، فإننا لن نجني من الشوك العنب.
إننا سنجني أولاً الغلو ومجانبة الاعتدال، الغلو قبولاً أو رفضاً والغلو والتطرف أمر مرفوض، ترفضه الطباع السوية والمستقيمة والسليمة، فضلاً عن المتأدِّب بأدب الشريعة وهديها .
وها أنت ترى أنك بمجرد أن تصف فلاناً بأنه غالٌّ أو متطرف فإن هذا وحده يكفي في التنفير منه، ونقد موقفه وطريقته، إن المحرك الأول للغلو والتطرف والإفراط هو العاطفة، فالغلو في المدح والثناء ليس إلا تجاوباً مع العاطفة والغلو في الحبِّ والتعلق هو الآخر، والغلو في الرفض والرد هو الآخر كذلك.
والإغراق في العاطفة مدعاة لمجانبة العدل والإنصاف، فحين يقبل، يقبل جملة ، وحين يرفض، يرفض جملة .
إن صاحب العاطفة الذي يتجاوب معها لا يملك أن يضع الأمور في نصابها، لا يملك أن يقول هذا صواب وهذا خطأ، لا يملك أن يزن الأمور بميزان العدل، فهو لايحمل إلا حكمين لا ثالث لهما القبول والرفض، الحب المغرق فيه، والبغض المغرق فيه .
أما طريق الوسط والعدل والإنصاف فهو لا يملكه، وهذا شأن من يشتط ويتطرف، لقد تطرف هو أولاً فاستخدم ميزاناً واحداً، وسار على طريق واحد، هو طريق العاطفة فقاده إلى هذه النتيجة والنهاية المتطرفة، وهو أيضاً يقودنا إلى الوصول إلى نتائج غير سليمة، وغير منطقية وكثيراً ما نجني من حماسة لم تُضبط ولم توزن، أو نجني من عاطفة لم تحكم ولم توزن بميزان العقل والشرع، كثيراً ما نجني منها المواقف الخاطئة، والنتائج التي لا يقتصر وبالها على صاحبها، ولعلكم تتساءلون بعد ذلك ما العلاج؟!
قد أكون أسهبت وأطلت في وصف المرض والداء، ولكني أشعر أن وصف الداء يتضمن في ثناياه وصف العلاج والداء .
أشعر أننا حين ندرك أن إهمال العاطفة جملةً أمر مرفوض، فإن هذا يعني، أن نضع عواطفنا في مواضعها، وأن نعرف أن من الإيمان أن يتألم المسلم لآلام إخوانه، وأن يرحم، وأن يعطف، وأن يُشفِق، وأن يتحمَّس في مواضع الحماس، ويرحم في مواضع الرحمة، ويُشفق في مواضع الشفقة، ويُحب في مواضع الحب .
ونشعر أيضاً أن الإغراق في العاطفة هو الآخر أمر مرفوض، وأننا كما قلت نُعاني من جيلنا المبارك الإغراق في العاطفة أكثر من الإهمال .
ونعاني من مواقف كثيرة، نكون فيها أكثر تجاوباً مع العاطفة، فالحل يتمثَّلُ في " أن نزن مواقفنا " وأن نزن أعمالنا وأن نفكر فيها، وأن نشعر بأن الله عز وجل كما خلق فينا عواطف فقد خلق فينا أيضاً عقلاً وحلماً وأعطانا سبحانه وتعالى علماً بكتابه سبحانه وتعالى، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فالله عز وجل قد أعطانا موازين وقيم غير هذا الميزان وحده .
وحين لا نملك إلا هذه الصنعة ولا نزن إلا بهذا الميزان، فإن هذا عنوان التطرف والغلو.
أرى أن العدل والإنصاف، وزن الأمور والتأمل فيها، والمراجعة مما يُعيننا كثيراً على تجاوز هذه النتائج والآثار السلبية، ويبعدنا عن الشطط والغلو، وكلاهما غلو، الرفض والإهمال غلو، والإغراق والمبالغة في التجاوب هو الآخر أيضاً غلو، والوسط بين هذين الطريقين وبين هذين السبيلين .
أسأل الله عز وجل أن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، إنه سميع مجيب .



#19 غير متصل   ashlpi

ashlpi

    إسماعيلاوي قبل أن أولد

  • Members
  • 1042 مشاركة

تاريخ المشاركة 12 January 2008 - 06:00 PM

الدرس التاسع عشر : العفة


موضوعنا هذه الليلة هو درس في العفة، وفي الواقع أن من أشد ما يعاني منه الشباب خاصة في هذا العصر الشهوات ومشكلة هذه الشهوة العارمة مع انتشار دواعيها وتنوعها وكثرتها ، وفي خضم هذه المثيرات وهذه الفتن يبقى الشاب صريعاً بين وازع الخير والإيمان والتقوى الذي يدعوه للعفة والمحافظة وبين الاستجابة للنفس الأمارة قصة قديمة فقد كنت قَد ألقيت محاضرة قبل سنوات بعنوان الشباب والشهوة ثم أصدرت كتاباً بعنوان "أخي الشباب كيف تواجه الشهوة " وبعد أن أصدرت هذا الكتيب وردت إلى رسائل كثيرة جدًّا رسائل بريدية أو مكالمات هاتفية من كثير من الشباب يعرض مشكلات كثيرة حول هذا الموضوع بمعدل رسالة أو رسالتين أسبوعيا منذ أن صدر الكتاب إلى الآن وأحرص أن أرد على كل رسالة ولو تأخرت في ذلك ولكن هذه الرسائل وتواليها أعطاني شعورا بأن لهذا الموضوع أهمية وبأن الشباب مازالوا يحتاجون وأنهم فعلا يعانون من مشكلة الشهوة، وهناك رسائل مؤثرة ومؤلمة في الواقع ولكن كثيراً من الشباب عندما يبعث لي بالرسالة يقول أرجو أن لا تقرأ هذه الرسالة في محاضرة أو تذكرها في كتاب مع أني لو قرأت جزءا منها فإنني لن أشير من قريب أو بعيد إلى واقع هذا الشباب ولكن من حقه علينا ما دام قد طلب منا هذا الطلب واستأمننا على سره أن لا نذكره، مع أني لو أعرضه لم يفهم الناس مَنْ المراد.
وهذا أشعرني بأن الموضوع يحتاج إلى معالجة أكثر وإلى تنويع الأساليب.
ومن ذلك النموذج ذكره اللّه سبحانه وتعالى في كتابه عن قصة يوسف عليه السلام كيف واجه الفتنة وكيف صبر ونجاه اللّه سبحانه وتعالى منها، ومن القضايِا المهمة التي يحتاج إليها الشباب: القدوة العملية، الصورة التي يراها شاخصة أمامه ويتخيل هذه الصورة، ويتخيل تلك الحال والمغريات والمثيرات التي فيها وكيف نجا يوسف من هذا الابتلاء فيعتبره قدوة ونموذجاً له يحتذيه.
وسنتناول الموضوع من خلال النقاط الآتية:
عوامل الإغراء ،ثم قوارب النجاة ، ثم وقفات حول القصة ، وأخيراً دروس أخيرة ، أما عوامل الإغراء فنحن عندما نتأمل هذه القصة وحتى نعرف الثبات الذي ثبته يوسف عليه السلام وحتى نعرف فعلا أن هذا البلاء لنبي اللّه. لا بد أن نتصور ونعيش جو القصة ونتصور عوامل الإغراء والإثارة التي كانت موجودة لدى يوسف عليه السلام ويستطيع كل منا أن يتصورها عندما يقرأ القصة ويتصورها ويتخيلها بنفسه ويستطيع أن يدرك هذه العوامل.
وقد أشار الحافظ ابن القيم حفظة اللّه إلى عدة أمور أوصلها إلى (13) كلها كانت وسائل وأمور تغري وتهيج الفتنة لدى يوسف عليه السلام في مثل هذا الموضوع.
* " أولها: العامل الطبع أي أن الرجل يميل إلى المرأة أصلا ، الرجل وكل الرجال إلا من شذي لديه هذه الشهوة فهذا العامل موجود أصلا.
الأمر الثاني: كونه شابًّا ولا شك أن الشهوة عند الشاب تكون أكثر توقداً منه عند غيره خاصة مع ذلك فقدرته على ضبط نفسه أقل من غيره ، ومن هنا تكون الصعوبة أكثر، فتعرفون أن يوسف عليه السلام رمي وهو صغير ثم أخذ رقيقاً وهو لا يزال غلاماً حتى قال عز رجل: " ولما بلغ أشده آتيناه حكماً وعلماً وكذلك نجزي المحسنين. وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب".
ولا يهمنا الآن كم كان سن يوسف ولكن كان لاشك أنه قريب من العشرين يزيد عنها قليلا أو ينقص عنها قليلا، المهم أنه في مرحلة زهرة الشباب التي تشتد فيها هذه الشهوة.
العامل الثالث: أنه كان عَزَباً لم يتزوج بعد ولا شك أن هنا أيضاً أمر له أهميته فالمتزوج قد يسر اللّه له طريق الحلال فلو أثاره ما آثاره فأمامه المصرف الشرعي ، أما هذا الشاب الذي لم يتزوج بعد ولم يحصن نفسه فإنه أكثر عرضة للوقوع في المعصية والداعي للوقوع في المعصية والإغراء أكثر من غيره ومن هنا أمر الرسول صلى اللّه عليه وسلم الشباب قال: " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطيع فعليه بالصوم فإنه له وجاء".
- الجانب الرابع: كونه في بلد غريب فالإنسان عندما يكون غريباً بعيداً عن أهله -خاصة لمّا يتركهم في سن مبكرة- فإن هذا يدعوه إلى أن يمارس ما يمارس ، فوجود الغربة يدعوه إلى أن ينطلق وينفلت من هذه القيود التي تقيده وتحجمه ، وكما نلاحظ الآن أن المرء عندما يغترب عن بلده يصبح أكثر عرضة للانفلات والضياع منه عندما يكون عند قومه وعشيرته وأهله.
- الأمر الخامس: أن المرأة كانت ذات منصب وذات جمال، أما كونها ذات منصب فهذا واضح وأما كونها ذات جمال فقال رحمه الله: إن مثل العزيز العادة أن لا يتزوج إلا امرأة ذات جمال.
الأمر السادس: كونها غير ممتنعة ولا آبية فإن مما يصد المرء أحيانا عن المعصية أن تمتنع المرأة وتأبى.
الأمر السابع: أنها طلب وأرادت وراودت و بذلت الجهد فكفته مؤنة الطلب وبذل الرغبة. فهي الراغبة الذليلة وهو العزيز المرغوب فيه. فالشاب قد تدعوه الشهوة إلى أن يواقع المعصية، لكن قد تبقى أمامه عقبه وهي الجرأة والتصريح بالرغبة والطلب.
وتجاوز الأمر إلى قضية التهديد والوعيد له، فاجتمع عليه الترغيب والترهيب، فلو لم تكن لدى الشاب الرغبة ابتداءً فهذا الموقف كفيل بإيجادها.
الأمر الثامن: أنه في دارها وتحت سلطانها وقهرها بحيث يخشى إن لم يجبها إلى ما تطلب أن يناله أذاها فاجتمع له الرغبة والرهبة.
الأمر التاسع: أنه لا يخشى أن تنم عليه لأنها الراضية الراغبة، فيزول لديه خوف الفضيحة ومعرفة الناس بما قارف من سوء.
الأمر العاشر: قربه منها وكونه مملوكاً لها مما يؤرث طول الأنس، فهو يلقاها كل يوم ويراها، ويدخل عليها في أحوال لا يدخل عليها فيها غيره، وهذا يدعوه إلى أن يرى منها ما لا يرى منها غيره.
الأمر الحادي عشر: استعانتها بأئمة المكر و الاحتيال وهن النساء، قال تعالى: (وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين. فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعدت لهن متكئا وآتت كل واحدة منهن سكينا وقالت اخرج عليهن) فهي هنا استعانت عليه بالنساء وهن أئمة المكر والاحتيال، بل قال بعض أهل العلم : إن كيد المرأة قد فاق كيد الشيطان فقد قال :(إن كيدكن عظيم) واللّه قد قال في آية أخرى: (إن كيد الشيطان كان ضعيفا) . ولكن لاشك أن المرأة الصالحة القانتة التائبة العابدة بعيدة عن هذا كله المهم.
والمقصود أن المرأة استعانت عليه أيضا بالنسوة مرة أخرى، فالموقف قد تكرر مرة أخرى فهي بعدما راودته عن نفسه وامتنع، استعانت عليه بالنسوة لتصيد عصفورين بحجر واحد؛ أن تكيد للنسوة وتنتقم مما قلنه في حقها، وأن تستعين عليه بهن، فتجمع النسوة وتعطيهن الطعام، وتأمره بأن يخرج عليهن، فيبهرهن جماله، ويقطعن أيديهن دون أن يشعرن بذلك، فكيف بيوسف عليه السلام وهو يتعرض للمراودة مرة أخرى، ويسمع هذا الوصف من النسوة، ويسمع هذه المرأة تصرح بالسوء وتعلنه بكل جرأة ووقاحة.
الأمر الثاني عشر: التوعد بالسجن والصغار؛ فإنها قالت (لئن لم يفعل ما آمره به ليسجنن وليكوناً من الصاغرين) وهي تملك ذلك؛ فهي زوجة العزيز، والأمر بيديها، وهي ممن وصفت بالكيد العظيم وقد ثبتت قدرتها على ذلك فدخل يوسف عليه السلام السجن ولبث فيه بضع سنين.
- الأمر الثالث عشر: أن الزوج لم يظهر الغيرة والنخوة التي تليق بالأزواج، فحين شهد الشاهد واتضح الأمر أمامه. قال هذا الزوج الديوث ليوسف عليه السلام (أعرض عن هذا) وقال للمرأة (استغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين) وانتهى الموضوع، فليس هناك ما يدعو لإثارة الموضوع ولا إثارة المشكلات((ينقل كلام سيد قطب رحمه الله))
وهناك أمر رابع عشر: يمكن أن نضيفه إلى ماذكر الحافظ بن القيم رحمه اللّه : أن يوسف نشأ في هذا البيت، بيت أحسن أحواله على الأقل أن يقول إن قضية الفاحشة قضية سهلة. وحتى الرجل الذي يفعل الفاحشة لا يمكن أبدأ أن يقبل أو يرضى أن يكون هذا في أهله. بل مجرد التهمة تدعوه إلى قتل زوجته أو مفارقتها لكن يوسف عليه السلام قد حفظه الله، فلم يتأثر بهذا المجتمع الذي يعيش فيه.
هاهو يوسف عليه السلام يعيش هذا الموقف بظروفه وملابساته، وتجتمع عليه هذه المثيرات، فينجيه الله تبارك وتعالى منه ويثبته على طاعته.
إن الشاب المسلم اليوم ليتطلع إلى هذا النموذج ويتخذه مثلاً له يسير عليه، كيف لا وقد أخبر الله تبارك في مبدأ هذه السورة بشأن هذه القصة بقوله تعالى :(نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذه القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين). وقال: (وكلاً نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين) وقال :(أولئك الذين هدى اللّه فبهداهم أقتده فل لا أسألكم عليه أجراً إن هو إلا ذكرى للعالمين).
وشهد النبي r ليوسف عليه السلام بأنه من خير الناس، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قيل يا رسول الله: من أكرم الناس؟ قال :"أتقاهم" فقالوا: ليس عن هذا نسألك، قال:"فيوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله" ، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال:"فعن معادن العرب تسألون؟ خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا". متفق عليه.
هذه نماذج يتطلع إليها الشاب المسلم اليوم، وهو قد لايصل إلى هذه المنزلة ولن يصل إليها، وأنَّى لامرئ أن يصل منزلة أنبياء اللّه، لكنه يجعل هؤلاء مثلا وقدوة يقتدي بهم.
وقفات تفسيرية:
ليس الحديث عن تفسير السورة وآياتها مجال حديثنا هنا، لكن هناك بعض الآيات تحتاج إلى وقفة عاجلة وذكر لما قاله المفسرون فيها، ومنها:
الوقفة الأولى:
قال تعالى: " ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه " فدلت هذه الآية على أن كلا من يوسف والمرأة قد هم بصاحبه، أما هم المرأة فقضية واضحة لا إشكال فيها، والإشكال إنما هو في هم يوسف عليه السلام بالمرأة. فما معنى الهم هنا؟
أقوال المفسرين كثيرة نشير إليها بإيجاز ثم نختار بعد ذلك مايظهر أنه يليق بمقام أنبياء الله. وقبل ذلك هناك مقدمة لا بد منها وهي: أننا نعتقد نزاهة أنبياء اللّه ونزاهة يوسف عليه السلام، ويوسف ما أورد اللّه قصته في هذه السورة إلا أنه نموذج ومثل يحتذى. ولا ينبغي أن نستطرد في ذكر الأقوال التي هي منقولة عن بني إسرائيل وفيها اتهام ليوسف عليه السلام، وتصوير لا يليق بنبي من أنبياء اللّه.
ومن سوء الأدب مع نبي الله الكريم بن الكريم بن الكريم : ما يروى عن بعض الناس أنه دعته أعرابية فامتنع فرأى يوسف في المنام فقال من أنت؟ قال: أنا يوسف الذي هممت وأنت لم تهم. فكأن مثل هذا يرى أن منزلته أفضل وأعلى من منزلة يوسف عليه السلام.
المهم أننا عندما نقرأ في كتب التفسير حول هذه القصة أو غيرها يجب أن لا ننساق وراء بعض الإسرائيليات التي تحط من شأن الأنبياء ومنزلتهم عليهم السلام، وعلينا أن نقرأ هذه الأخبار ونتعامل معها بروح التقدير واعتقاد العفة والمنزلة العالية لأنبياء اللّه عليهم صلوات الله وسلامه.
نعود إلى الحديث عن أقوال المفسرين:
القول الأول: أنه هم بهذه الخطيئة ولم يعملها والنبي r قال: " من هم بسيئة ولم يعملها كتبت له
حسنة كاملة". ومثل ذلك: أن الرجل يحدث نفسه لكنه لا يقدم على الفعل، كما يحدث الصائم نفسه أن يشرب الماء البارد.
فهذه حسنة يثاب عليها كما أخبر r . في شأن من هم ولم يفعل.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن اللّه عز وجل لم يذكر عن أي نبي من أنبيائه أنه وقع في معصية إلا وذكر أنه تاب منها واستغفر منها. فهو هنا لم يذكر أن يوسف عليه السلام تاب واستغفر وهذا يعني أنه لم يقع منه أي معصية.
القول الثاني: قالوا إنه هم بضربها.
القول الثالث: إنه حدث نفسه أن تكون زوجة له، لما رأى جمالها.
القول الرابع: قال به ابن حيان واختاره الشنقيطي في أضواء البيان وأطال في استظهاره، ومؤداه أن يوسف عليه السلام لم يقع منه الهم أصلا لأن اللّه تعالى قال: (ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه). ولولا حرف امتناع لوجود ، فهو هنا قد امتنع منه الهم نظرا لأنه رأى برهان ربه. وكأن الكلام فيه تقديم وتأخير مثل قول اللّه عز وجل :(إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها". فهي لم تبد به أصلا لأن اللّه ربط على قلبها. وهنا يوسف عليه السلام لم يهم بها أصلا لأنه رأى برهان ربه. وهو قول له وجاهته.
وإن لم يصح هذا فالقول القول الآخر الذي لا ينبغي خلافه : هو أن يوسف عليه السلام حدثته نفسه لكنه لم يفعل شيئا. وأما ما يذكرونه أنه قعد منها مقعد الرجل من امرأته ثم رأى صورة يعقوب، ثم أقدم ثم رأى كفه، ثم أقدم حتى دفعه جبريل بيده، فيوسف عليه السلام أبعد من ذلك.
والواجب على المسلم أن يعتقد تنزيه أنبياء الله تبارك وتعالى، وألا يقبل من الأخبار في حقهم إلا ماجاء في القرآن الكريم، أو صح عن النبي r.
الوقفة الثانية:
قوله تعالى (لولا أن رأى برهان ربه) فما المقصود ببرهان ربه؟
للمفسرين في ذلك أقوال عدة، منها:
أنه رأى صورة يعقوب عاضا على أنامله.
ومنها: أنه رأى كف يعقوب.
ومنها: أنه رأى آية ( ولا تقربوا الزنا).
ومنها: أنه رآها مكتوبة على جبهتها.
ومنها: أنه رآها مكتوبة على الحائط.
ومنها: أنه خرجت له كف مكتوب عليها (ولا تقربوا الزنا) ثم لم يمتنع ثم خرجت له كف مكتوب عليها (و اتقوا يوما ترجعون فيه إلى اللّه) ولم يمتنع حتى جاء جبريل ومنعه وهذا كما قلت لا يليق بحال يوسف عليه السلام.
ومنهم من قال: إن جبريل دفعه بيده حتى هرب بعد ذلك.
ومنهم من قال: إنه كان هناك صنم في الغرفة وجاءت تغطيه فقال لماذا؟ قالت استحي من إلهي، قال وأنا أحق أن استحي.
هذه الأقوال مروية عن بني إسرائيل وليس عليها دليل صحيح، وليس لنا حاجة أن نعرف ما هذا البرهان ولو كان هناك حاجة لأخبرنا به اللّه سبحانه وتعالى. واللّه عز وجل أبهمه كما أبهم أسماء أصحاب الكهف، أو القرية…وغير ذلك، وإنما ذكرناها لأن هناك من يتساءل عنها ويثيرها.
والأمر المهم في ذلك أن الله تبارك وتعالى أكرم نبيه وحماه من الوقوع في المعصية بأن أراه هذا البرهان.
الوقفة الثالثة:
قوله تعالى: (وشهد شاهد من أهلها)وما قلناه في البرهان نقوله هنا، فلا حاجة للاستطراد فيما قاله المفسرون حول هذا الشاهد حتى نتربى ونتعود على هذا المنهج.
فما هذا الشاهد؟ هل هو رضيع؟ أم رجل كبير؟ أم القميص؟ هذا أمر لا يعنينا المهم أن اللّه وفقه ورأى هذا الشاهد على براءته ونزاهته عليه السلام.
الوقفة الرابعة:
قال يوسف عليه السلام(معاذ اللّه إنه ربى أحسن مثواي) ما المقصود بربي هنا؟ والمقصود هو العزيز وهذا اللفظ كان مستعملا عندهم ومثله قوله (ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن) وقوله (اذكرني عند ربك) كل هذه مقصود بها العزيز؛ فهو قد أحسن مثوى يوسف عليه السلام فلا يليق أن يخونه في أهله.
ولكن لماذا اعتذر بهذه الحجة ولم يخوفها باللّه والمانع الأقوى والحقيقي هو الخوف من اللّه؟ قالوا:لأن هذه المرأة قد استحكمت لديها الشهوة، فلو خوفها بالله عز وجل لم ترتدع، فأراد أن يصرفها عنه بأقوى مايعتقد أنه رادع لها، وقد كان يوسف عليه السلام يظن أن زوجها يملك قدرا من الغيرة يحمله على ردعها.
وهذا فيه درس : أن الإنسان يصرف الفتنة والسوء بما يناسب المخاطب، فقد يكون شخص ضعيف الإيمان فحين تحدثه عن الأمراض الجنسية والعقوبات الدنيوية التي يعاقب بها من وقع في الفاحشة كان أردع له، فينبغي أن يردع بما يردعه، ومع ذلك لابد من الاعتناء بتأصيل الخوف من الله والاستجابة له عز وجل.
كيف برأ الله يوسف عليه السلام:
هناك أمور عدة أظهرت براءة يوسف عليه السلام، منها:
أولها: تبرئة اللّه سبحانه وتعالى له (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين) وأعظم بها شهادة وتزكية.
الثاني: الشاهد الذي شهد من أهلها (وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين . وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين).
الثالث: العزيز نفسه فإنه قال (يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين). وفي هذا دليل على أن العزيز يرى أن يوسف عليه السلام بريء من هذه التهمة.
الرابع: المرأة نفسها فقد قالت (ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكوناً من الصاغرين). وفي الآية الأخرى ( قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين)
الخامس: النسوة فقد قلن (حاش للّه ما علمنا عليه من سوء).
السادس: يوسف عليه السلام نفسه حين قال (معاذ اللّه إنه ربي).
وأخيرا: قالوا إن الشيطان قد شهد ليوسف عليه السلام بالبراءة فقد قال (فبعزتك لأغوينهم أجمعين . إلا عبادك منهم المخلصين) . واللّه عز وجل قد شهد ليوسف عليه السلام بأنه من عباده المخلصين فقال ( كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين).
فقد حكم اللّه ليوسف أنه من المخلصين إن والشيطان قد أخبر أنه ليس لديه سلطان على هؤلاء المخلصين.
قوارب النجاة في قصة يوسف عليه السلام:
ما هي الأمور التي تمسك بها يوسف عليه السلام فكانت سببا بعد اللّه وتوفيقه لحمايته ولنجاحه في هذا الابتلاء؟
أولا: الخوف من اللّه عز وجل، والخوف من اللّه سبحانه وتعالى هو العاصم من الوقوع في أي معصية و أي فاحشة، فقد قال الرسول r: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لاظل إلا ظله…وذكر منهم: ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إن أخاف اللّه" فالإنسان قد تدعوه للمعصية مغريات لكنه عندما يعلم أن اللّه سبحانه وتعالى مطلع عليه، وأنه عز وجل يراقبه فلن يتجرأ على هذه المعصية قال تعالى :(إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير) ، وقال :(وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد. هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ .من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب).
فإذا أردت النجاة فربَّ في نفسك الخوف من اللّه سبحانه وتعالى فهذا أعظم مانع وحاجز ورادع للمرء من الإقدام على المعصية.
ثانيا: توفيق اللّه وإعانته، فقد قال سبحانه وتعالى (ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه) . فإنه لو لم ير برهان ربه لهمَّ بها. وقال اللّه عز وجل في آيه أخرى: (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين) ، وتأمل كيف أن اللّه لم يقل: لنصرفه عن السوء والفحشاء، بل قال :(لنصرف عنه السوء والفحشاء) ، فالسوء والفحشاء صرفت عنه وهذا أبلغ من أن يصرف عنها هو.
وكلما ازداد المرء توكلا باللّه وأخذا بالأسباب،كان ذلك أولى أن يحفظه اللّه ويعينه، وقد قال r لابن عباس رضي الله عنهما :"احفظ الله يحفظك" وحفظ الله تبارك وتعالى لعبده يشمل حفظه في أمور دينه وحفظه في أمور دنياه، والأول أتم وأولى.
الثالث: فراره من أسباب المعصية، فقد خاف من ربه، وحين رأى البرهان لم يقف بل فر وسابقها إلى الباب، وقد قميصه من دبر.
إن مفارقة الإنسان لموطن المعصية وفراره منه مما يعينه على تركها وهو دليل على تفويضه أمره لله عز وجل، ولذا فقد نصح الرجل العالم ذاك الذي أتاه يستفتيه وقد قتل مائة شخص، نصحه بأن يخرج من قريته فهي قرية سوء ومعصية، ويغادرها إلى قرية يعمرها الصالحون الأتقياء.
ولذا كان النبي r يقول في دعائه لربه :"اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا أقل من ذلك"، فعلى الشاب المسلم الحريص على مجانبة معصية الله أن يبتعد عن أسباب المعصية وطرقها، وأن يتخلى عن كل ما يذكره بها أو يدعوه إليها، وليحذر من الثقة المفرطة بنفسه في هذا الباب.
الرابع: الدعاء، فقد دعا يوسف عليه السلام ربه فقال :(رب السجن أحب إلى مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين) سأل اللّه أن يصرف عنه كيد النسوة متبرئاً من حوله وقوته، ومسلمًّا أمره لخالقه ومولاه عز وجل.
وإذا كان يوسف عليه السلام لا يستغني عن دعاء اللّه عز وجل وسؤاله فغيره من باب أولى؛ فالدعاء هو الوسيلة التي يتصل بها المرء باللّه عز وجل، وقد قال عز وجل :(وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجبِ دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون) ، وفي آية أخرى :(وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين) ، وقال r في حديث جامع: " ما على وجه الأرض مسلم يدعو الله بدعوة إلا آتاه اللّه إياها، أو صرف عنه من السوء مثلها"، فما بالك إذا كان هذا الداعي مقبلا على اللّه قد نفى عن نفسه الحول والطول؟ وما بالك إذا كان مضطرًّا؟ وقد وعد الله المضطر بإجابة دعائه (أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء) ، وهل هناك أمر أكثر ضرورة للإنسان من حفظ دينه؟
إذاً ينبغي لنا أن ندعو اللّه عز وجل في كل شيء نريده في دينينا ودنيانا ومهما بلغ العبد من التقوى والطاعة والإقبال على اللّه عز وجل فإنه لا يستغني عن استهداء اللّه وسؤال التثبيت، أليس اللّه فد افترض على كافة عباده الأتقياء قبل الفجار أن يتوجهوا إليه كل يوم بقولهم (اهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين أنعمت عليهم)؟
أليس اللّه يقول في الحديث القدسي "يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم"؟
وهاهو نبينا r يدعو اللّه عز وجل فيقول :"اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرائيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدى من تشاء إلى صراط مستقيم ".
ويسأل النبي r ربه فيقول :" يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ".
وقبله إبراهيم عليه السلام يدعو اللّه سبحانه وتعالى بعد أن حطم الأصنام وواجه من قومه ما واجه يقول (واجنبني وبني أن نعبد الأصنام) :إذا لا ينبغي أن نترك الدعاء أو نقصر فيه، ومهما شعر المرء بثباته وتقاه وطاعته فإنه لا يستغني أبدا عن دعاء اللّه تعالى أن يثبته وأن يعينه وأن يهديه إلى صراطه المستقيم.
الخامس: صلاحه وطاعته وتقواه وكان ذلك من أسباب توفيِق اللّه له (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين)". فكلما كان المرء مطيعا للّه حافظا لحدوده كان ذلك أدعى إلى أن يحفظه اللّه وأن يثبته على طاعته.
ومن هنا فازدياد المرء على الطاعة والعبادة وحرص الشاب على ذلك. هذا مما يؤهله لتوفيق اللّه وإعانته له بعد ذلك.
السادس: اختياره الأذى على فعل الفاحشة فهو يقول (رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه) يختار يوسف عليه السلام السجن ومرارته ولا أن يقع في هذه المعصية، فحينما وصل الأمر به إلى هذا الحد أعانه اللّه ووفقه، أما الأذى الذي ناله فهو أذى الدنيا وما هذه الدنيا إلا دار مصائب " فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى).
وقد يستجيب المرء لداعي الفاحشة فيواقعها فتكون النتيجة بدلا من مقاساته الصبر على هذه الشهوة أن يقاسي بعد ذلك مرضا جنسيا يناله فيه من شقاء الدنيا والآخرة أضعاف أضعاف ما حصله من تلك الشهوة العاجلة.
دروس أخيرة من القصة:
- ضرورة البعد عن أسباب المعصية، فيوسف عليه السلام بعد أن نجح واجتاز هذا الابتلاء استبق الباب وأصبح يريد أن يخرج من الباب فلا بد أن يبتعد الشاب عن أسباب المعصية.
- ضرورة التضحية والتحمل فمن الضروري أن يتحمل المرء في سبيل اللّه سواء ما يلاقيه من الدعوة إلى اللّه أو ما يلاقيه في طاعة اللّه أو ما يلاقيه في البعد عن المعصية.
- حسن العاقبة لمن اتقى الله وأطاعه، فهاهي المنزلة التي وصل إليها يوسف عليه السلام (وكذلك مكنا ليوسف في الأرض). أما أجر الآخرة فهو خير وأبقى.
- مراقبة اللّه سبحانه وخشيته، وأثر ذلك في حماية العبد من المعصية.
- دعاء اللّه سبحانه وتعالى والاستعانة به واللجوء إليه.
- خطورة كثرة الخلطة؛ فإنها قد تكون مدعاة إلى الجرأة على الفساد، فالذي دعا امرأة العزيز إلى أن تصل إلى هذا الأمر وتدعو يوسف وترواده عن نفسه هو كثرة مخالطتها له، ومن هنا يجب أن يحذر الشباب من كثرة مخالطة من قد تكون مخالطته سببا ومدعاة إلى أن يقع في مثل هذه المعصية أو غيرها.
- عدم استغناء العبد عن اللّه سبحانه تعالى؛ فمهما بلغ من الإيمان والتقوى فإنه لا يمكن أبدا أن يستغني عن توفيق اللّه له وإعانته، فاللّه عز وجل يقول عن نبيِه صلى اللّه عليه وسلم :(ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا). فإذا كان الرسول r لا يستغني عن اللّه سبحانه وتعالى ويحتاج إلى إعانته وتثبيته، فغيره من باب أولى، ومن هنا فمن أكبر المخاطر على العبد المطيع للّه هو غروره وإعجابه بنفسه وتقواه وطاعته فإن إعجابه بنفسه وثقته بها فهذا بحد ذاته ذنب يؤاخذ عليه وقد يؤاخذ عليه بذنب آخر.
والأمر الثاني: أن العجب مدعاة لأن يكله اللّه إلى نفسه فكأن هذا الإنسان الذي أعجب بنفسه يرى أنه مستغن عن اللّه ولا يحتاج إلى أن يدعو اللّه وأن الناس الذين يحتاجون إلى أن يسألوا اللّه الهداية والثبات هم الفساق، أما هو فقد من اللّه عليه بالهداية.
فإذا كان يوسف عليه السلام يحتاج إلى أن يريه اللّه برهان ربه وأن يصرف عنه السوء والفحشاء فغيره مهما بلغ من الإيِمان والطاعة لا يمكن أن يصل منزلة يوسف عليه السلام.
الثالث: أنه عندما يعجب بنفسه فلا يأخذ الأسباب؛ فالذي يجعل الإنسان يترك أسباب فعل المعصية ويجتنب كل دواعيها ومثيراثها هو أنه يخاف ولا يثق بنفسه ولا يطمئن إليها.
الرابع: أن هذا هو سبب أول معصية وقعت وهي معصية الشيطان؛ فإنه لما أعجب بنفسه أضله اللّه سبحانه إلى يوم الدين.
وقد قال صلى اللّه عليه وسلم " لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله قالوا: ولا أنت يارسول اللّه قال ولا أنا".



#20 غير متصل   ashlpi

ashlpi

    إسماعيلاوي قبل أن أولد

  • Members
  • 1042 مشاركة

تاريخ المشاركة 12 January 2008 - 06:01 PM

الدرس العشرين : الفجر الصادق



"الفجر الصادق"
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك لك وأشهد أن محمد صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله ، أما بعد:
قبل أن نتحدث عن بشائر هذا الفجر وخيوطه ا لتي بدأت تلوح في الأفق لابد أن نلقي نظرة ولو سريعة على الظلمة والليل الحالك الذي ينتظر أن يعقبه هذا الفجر بإذن الله ومشيئته ، إنني لا أبالغ عند ما أقول إن الأمة الإسلامية الآن تمر بمرحلة من أسوأ مراحلها التاريخية ،وإننا الآن نعيش صفحة كالحة من تاريخ هذه الأمة، لقد بدأ هذا الليل وتوج بسقوط الخلافة ، وهي الرمز السياسي الذي كانت تلتقي حوله الأمة -مع ما كان فيها من ضعف ومن جوانب انحراف لم تكن يسيرة -ولكنها مع ذلك كله كانت رمزاً يلتقي عليه المسلمون جميعاً ،وكان سقوط الخلافة إيذاناً ببدء عصر من التمزق و التفرق السياسي، والتخلف العقدي، فتحولت تلك الأمة التي كانت تجمعها قيادة واحدة وخلافة واحدة من المشرق إلى المغرب، تحولت إلى أمم ودويلات يناحر بعضها بعضاً ويلعن بعضها بعضاً، وأعقب ذلك ألوان من التخلف والانحراف عن منهج الله سبحانه وتعالى .
مظاهر الانحراف في واقع المسلمين:
الانحراف في الجانب العقدي : ويتمثل في تلك المكفرات التي انتشرت في أوساط الأمة، فإن الكثير من المسلمين أصبحوا يعكفون على القبور والأضرحة و أعادوا بها مجد اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ،وعلى مستوى أعلى من ذلك فإن الكثير من المسلمين يحتكمون إلى غير شرع الله سبحانه وتعالى ويشرّعون أنظماً تبيح ما حرّم الله وتحرم ما أباح الله ، أعادوا بها مجد التتار وباسقهم السابق ، وانحراف آخر أيضاً في قضية أساسية من قضايا العقيدة يتمثل في الولاء السافر الذي منحته الأمة لأعدائها وقد تعبدّها الله سبحانه وتعالى ببغضهم و البراءة منهم ،وما كانت هذه البراءة من هؤلاء الأعداء بدعة ابتدعتها هذه الأمة، بل هي عقيدة ورثتها من أبيها إبراهيم عليه السلام الذي سمانا المسلمين ( قد كانت لكم أسوةٌ حسنةٌ في إبراهيم والذين معه إذا قالوا لقومهم إنّا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم ا لعداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده ) .
أما الانحرافات في الجوانب الأخرى فحدث عن ذلك ولا حرج : ففي مجال الاقتصاد لعلنا نعرف جميعاً أن الدول الإسلامية أصبحت تنافس ال**** فصار الربا جزءاً لا يتجزأ من حياة الأمة الإسلامية ، ولم يعد مجرد عمليات يمارسها فلان وفلان من الناس أو فرد أو فردان، إنما أصبح جزءاً لا يتجزأ قلما تخلو منه مؤسسة مالية فردية أو رسمية، وقد توعد الله سبحانه وتعالى آكليه بالحرب فقال: ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وأن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون ) .
أما الجانب الاجتماعي فالفساد الأخلاقي وانتشار الرذيلة وانتشار الفواحش والمحرمات في مجتمعات الأمة أمر ليس بحاجة إلى بيان .
إنني لا أريد أن أسهب في الحديث عن هذه المظاهر ولا أريد أن أزعجكم فأنقب عن ما يحرص المرء أن لا يتذكره من هذا الواقع المتعفن الذي تعيشه الأمة، فإنني جئت لأبعث الأمل إليكم ولم آتِ لإبكائكم..
وإضافة إلى هذه الصورة السوداء الكالحة من داخل هذه الأمة ، فهي تعيش أيضاً تآمراً دوليًّا يمارس تارة باسم النظام الدولي، وتارة باسم المؤسسات الدولية ، بأسماء ولافتات تختلف،ولكنها تتفق تحت هدف واحد ألا وهو القضاء على الأمة الإسلامية ومحاربة الإسلام، ومع هذا التآمر الدولي الذي تقف وراءه القوى الدولية مع ذلك كله يوجد هناك طابور خامس منتشر في صفوف المسلمين الذين يمنحون ولاءهم لأعداء الله عز وجل ، والذين حذرنا منهم صلى الله عليه وسلم فأخبرنا أنهم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها ،وصفهم لنا صلى الله عليه وسلم أنهم من بني جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا ، ومع ذلك كله أيضاً بدأت الرايات السوداء ترتفع وبدأ أحفاد القرامطة و العبيديين يتطلعون مرة أخرى إلى إعادة تلك المجازر التي اقترفوها في حق الأمة ، وما نسيت الأمة الآلاف الذين قتلوا في بيت الله على يد أولئك القرامطة، وما نسيت الأمة الآلاف بل الملايين الذين قتلهم التتار وكانوا نتيجة خيانة هؤلاء الباطنيين ،هاهم هؤلاء أيها الأخوة بدأوا مرة أخرى يرفعون رؤوسهم وبدأوا يسعون إلى تصدير ثورتهم ،بل تصدير رفضهم وبغضهم لخير الأمة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ،وتحركُ هؤلاء أمرٌ لا يخفى عليكم أيها الأخوة.
ومع هذه الصورة الكالحة التي تعيشها الأمة، مع هذا التآمر الذي يمارس ضد الأمة ، ومع هذا التآمر الدولي العالمي، ومع الطابور الخامس الذي يؤيد هؤلاء وأولئك، ومع بروز رؤوس الأفاعي من الطوائف الباطنية والرافضية وغيرها، مع ذلك كله نقول ونجزم أن النصر لابد أن يتم ويتحقق لهذه الأمة ، ولابد أن ترتفع راية لا إله إلا الله الراية الحقيقية التي تقوم على منهج خير القرون منهج النبي صلى الله وسلم وأصحابه ، وأينما تلفت المرء يمنة ويسرة رأي خيوط الفجر بدأت تلوح لكل ذي عينين، إن هذا الحديث وهذه الدعوى ليست مجازفة ولا أمنيات ، إنها حقيقة وقناعة لم تعد مجرد آمال ولم تعد مجرد أمان، بل هي حقيقة لا مساومة عليها، وحقيقة عندنا لا تقبل الشك أو النقاش ، أن النصر سيكون لهذه الأمة بإذن الله ، وأن هذا الدين سيتبوأ المكانة التي اختارها الله سبحانه وتعالى إليه.
مؤيدات النصر والتمكين للأمة:
هذه الدعوى التي نقولها تؤيدها مؤيدات عدة أولها ومن أهمها :
1-مكانة هذه الأمة :
هذه الأمة هي خير أمة أخرجت للناس ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله )، هذه الأمة شهيدة على الناس في الدنيا وشهيدة على الناس في الآخرة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: "يجاء بنوح يوم القيامة فيقال له: هل بلغت ؟فيقول نعم ، فيقال لقومه: هل بلغكم ؟فيقول له :ما جاءنا من نذير وما جاءنا من أحد ،فيقول الله :من يشهد لك؟ فيقول : محمد وأمته فأشهد وتشهدون بأن نوحاً قد بلغ الرسالة " ، فهذه الأمة ستشهد يوم القيامة ستشهد لنوح وستشهد لهود ولصالح ولسائر الأنبياء كما أخبر الله سبحانه وتعالى في كتابه ( وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس) وكما أخبرنا صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة من أن هذه الأمة ستشهد لأنبياء الله سبحانه وتعالى .
هذه الأمة هي خاتمة الأمم المؤمنة بشرع الله سبحانه وتعالى ،هذه الأمة اختصها الله سبحانه وتعالى بأفضل كتاب ، واختصها بأفضل رسله وخاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم هذه الأمة شطر أهل الجنة، لا بل إنهم كما قال صلى الله عليه وسلم ثلثي أهل الجنة فأهل الجنة عشرون ومائة صف منهم ثمانون صفًّا من هذه الأمة ، ويصورالنبي صلى الله عليه وسلم لنا أتباعه عندما عرضت عليه الأمم فرأى النبي ومعه الرجل والنبي ومعه الرجلان والنبي ومعه الرهط ،فرفع له سواد عظيم فظن أنه أمته فقيل هذا موسى وقومه، ثم رفع له سواد قد سد الأفق فقيل هذه أمتك ومعها سبعون ألفاً يدخلون الجنة بدون حساب ولا عذاب .
أتظنون أن هذه الأمة التي تحمل هذه المزايا وهذه الفضائل أتظنون قد اختارها الله لتعيش هذه المرحلة من الذل ولتكون في مؤخرة القافلة ؟معاذ الله أن يكون هذا هو واقع هذه الأمة، ومعاذ الله أن يكون هذا قدر الله لخير أمة أخرجت للناس ، إنه لا يمكن بحالٍ من الأحوال أن يستمر هذا الواقع ، إن الأمة الآن تعيش مرحلةً من الذل والتأخر، وتعيش الآن في ذيل القافلة، ولكن لن يستمر هذا الليل فلابد لهذه الأمة التي اختارها الله سبحانه وتعالى وخصها بهذه الخصائص من أن تتبوأ مكانتها ، ولابد لها من أن تأخذ مكانها الطبيعي الذي خلقها الله من أجله ،وجعلها وصية بعد ذلك على الناس لا لكرامة جنسية أو عرقية إنما لأنها تحمل دين الله سبحانه وتعالى الذي هو خاتمة الأديان وخاتمة الشرائع .
2- نصوص القرآن:
إن نصوص القرآن الكريم المتضافرة التي تدل على ذلك قال عز وجل :( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً) ، وقال تعالى :( وليظهره على الدين كله ولوكره الكافرون )، وقال سبحانه :( ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون ) ،إن الذين يحملون هذا الدين هم جند الله سبحانه وتعالى وقد وعدهم الله عز وجل وأخبر أن كلمته سبقت بنصرهم وغلبتهم وتمكينهم وحاشا لله أن يتخلف هذا الوعد وأخبر تعالى بأنه ينصر من ينصره فقال: ( ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز ) (وكان حقاً علينا نصر المؤمنين )، ووعد سبحانه وتعالى هذه الأمة بالتمكين والنصر فقال :( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكن لهم دينهم الذين ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ) ومن ذلك أيضاً إخباره تعالى أنه مكن الأمم السابقة ، ومن تلك الأمم بنو إسرائيل يقول الله عز وجل :( طسم تلك آيات الكتاب المبين نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون لقوم يؤمنون إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفةً منهم يذبح أبنائهم ويستحيي نسائهم إنه كان من المفسدين ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ) ،لقد تسلط فرعون على قومه وكان شعاره ودستوره ( ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد ) وبلغ بهم غاية الذل والاستعباد حتى أنه يعتقد أنه عند ما يأذن لموسى بالدعوة إلى الله سبحانه وتعالى ،وبتعبيد بني إسرائيل لله عز وجل، ويعد هذه منّة يمنّها على موسى فيقول له موسى ( وتلك نعمة تمنُّها عليّ على أن عبدت بني إسرائيل ) بل يبلغ من حمق فرعون وتسلطه أن يشترط على الناس أن يستأذنوه حين يؤمنون ؛فيقول للسحرة عندما آمنوا :( آمنتم له قبل أن آذن لكم إن هذا لمكرٌ مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها)، ويستعمل فرعون كل وسائل الإرهاب الفكري ووسائل البطش والتشويه الإعلامي،فيصور موسى u أمام الناس على أنه إرهابي يريد أن يفسدهم ( وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد ) ،ويصور هؤلاء السحرة الذين آمنوا وتابوا إلى الله سبحانه أنهم يريدون الفساد ( إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون ) ،ويمارس ألواناً من البطش حتى البدني فيقطع أيديهم و أرجلهم من خلاف ويصلبهم في جذوع النخل ومع ذلك يقول الله سبحانه و تعالى :( وتمت كلمت ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون) ، فمهما بلغ أعداء الأمة لن يبلغوا كبطش فرعون واستبداده إن بني إسرائيل ليسوا أكرم على الله ولا أبر من هذه الأمة التي فضلها واختارها سبحانه وتعالى وخصها بخاتمة الشرائع والأديان فإذا مكن الله لبني إسرائيل ودمر ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون فإن هذه الأمة أولى وأحرى بالتمكين كما أن عدو هذه الأمة مهما بلغ من البطش ومهما بلغ من التمكين لن يبلغ ما وصل إليه فرعون وهامان وغيره ووزرائه وأعوانه .
3- نصوص السنة :
وهي كثيرة متضافرة لعلي أشير إلى بعضها ، فمنها ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم من أنه لابد أن تبقى طائفة من أمته على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم يقول صلى الله عليه وسلم : " إذا فسد أهل الشام فلا خير منكم ولا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يظهرهم من خذلهم و لا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك " ، وقد حكى جمع من المحدثين أن هذا الحديث قد بلغ درجة التواتر .
ويخبر صلى الله عليه وسلم أيضاً " أنه على رأس كل مائة سنة يبعث الله لهذه الأمة من يجدد لها أمر دينها " ويعد النبي صلى الله عليه وسلم بملحمة لابد أن تكون قادمة ، ملحمة تكون بين جنود الله بين المؤمنين وبين إخوان القردة والخنازير " تقاتلون ال**** فتقتلونهم حتى يختبئ ال****ي وراء الشجر والحجر حتى يقول الحجر والشجر يا مسلم يا عبد الله هذا ****ي ورائي فتعال فاقتله" .
ويخبر صلى الله عليه وسلم أن جنود الإسلام ستصل وسط معقل النصرانية وستحرر روما والقسطنطينية، تلك البلاد التي يصدَّر منها الحقد على هذه الأمة والتي تصدر منها إرساليات التبشير، وأصبحت وكر التآمر على هذه الأمة ، إنها ليست خيالات وليست أماني بل هي وعد صادق من المعصوم صلى الله عليه وسلم ( الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحي ) .
ومن أجمع ذلك أيضاً ما أخبر به صلى الله علية سلم من قوله: " ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يدع الله بيتاً مروه ولا وبراً إلا أدخله الله هذا الدين "، فيخبر صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أنه لن يبقَ مكان تشرق عليه الشمس ولن يبقَ مكان يبلغه الليل والنهار إلا دخله هذا الدين ولن يبقَ بيت من طين أو بيت من شعر أو وبرٍ إلا دخله هذا الدين، إن ذاك الأعرابي الذي ضرب قبته في فلاة بعيدة لابد أن يدخل بيته وخلاءه هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل عزًّا يعز الله به الإسلام وذلاً يذل الله به الكفر ، إنها إرادة الله أكبر من إرادة البشر، وقوة أكبر من قوة البشر، ومهما تآمر الأعداء فلابد أن يتحقق وعد النبي صلى الله عليه وسلم ,ولابد من أن يتم هذا الدين ويظهر هذا الدين ،بل يقول النبي صلى الله عليه وسلم " لو لم يبقَ إلاّ يوم واحد لبعث الله رجلاً من أمتي أو(أهل بيتي) يواطئ اسمه اسمي واسه أبيه اسم أبي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملأت ظلماً وجوراً " .
وفي حديث يعرض فيه عرضاً وجيزاً لتاريخ هذه الأمة يقول صلى الله عليه وسلم: " تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً جبريًّا ثم تكون ملكاً عاضاً ، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة " ، فلابد أن تعود هذه الخلافة على منهاج النبوة مرة أخرى كما أخبر بذلك صلى الله عليه وسلم .
4- تاريخ الأمة :
فلنقرأ تاريخ هذه الأمة التي وصلت جيوشها إلى أقصى المشرق و المغرب ،زَحَف عُقْبة بجيوش حتى وقف على مشارف البحر وقال:" اللهم إني لوكنت أعلم أن وراء هذا البحر أقواماً لخضته حتى انشر دينك" الذين دخلوا إلى أوروبا وفتحوا بلاد الأندلس ،والذين وقفوا على حدود فيينا الذين ملكوا المشرق والمغرب حتى كان هارون الرشيد ـ رحمه الله ـ ينظر إلى السحابة فيقول : " أمطري حيث شئت فسيأتي خراجك " هذا النصر الذي وقع للأمة من أين وكيف كانت الأمة قبل ذلك ؟
لقد كانوا كما قال جعفر رضى الله عنه: " كنافي جاهلية نأتي الفواحش ويقتل بعضنا بعض ويأكل بعضنا بعضاً ونأكل الخنافس والجعلان حتى أرسل الله إلينا محمد صلى الله عليه وسلم"… لقد كانوا قبائل متناحرة في جزيرة العرب لا يقيم لهم أحد وزناً ولا يعرف لهم خطر ، وكان الفرس لا يمكن أن يواجهوا العرب مواجهة مباشرة وما كانوا يستحقون أن تواجههم قوات الفرس بل كانوا عند ما يتمرد هؤلاء العرب يرسلون إليهم بعض القبائل الموالية لهم، والتي كانت تدور في فلكهم فتقوم بمهمة تأديبهم ،وعندما بدأت جيوش المسلمين واقتربت من الفرس، ظن الفرس أن الذي أخرجهم الجوع فعرضوا عليهم بعض المساعدات المالية وبعض العطاءات،غير أن الذي أخرجهم شيء آخر إنه إخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها كما قال ربعي بن عامر في خطابه لرستم،وما هي إلا برهة قصيرة حتى استطاع أولئك الحفاة العراة، استطاع أولئك الفقراء المتناحرون الذين جمعهم النبي صلى الله عليه وسلم تحت كلمة لا إله إلا الله استطاعوا أن يدكوا عرشي كسرى وقيصر وأن ينشروا الإسلام في مشرق الأرض ومغربها .
كما ابتدأ الإسلام من هذه المرحلة ألا يمكن أيضاً أن يعود مرة أخرى؟ فالذي صار مرة سابقة يمكن أن يقع كذلك ونحن مع ذلك أيضاً نملك تلك التجارب التي خاضتها أمتنا, نملك أن نقنع الناس ,لقد كان صلى الله عليه وسلم يقول لخباب بن الأرت وهو في مكة مستضعف: " والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه وما بقي الأمر كذلك بل لقد كان الراكب يسير من هناك من بلاد ما وراء النهر إلى بلاد المغرب ما يخاف إلا الله والذئب على غنمه " كما حدث في عهد عمر بن عبدالعزيز رحمه الله .
لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول ذلك في مكة وحيداً كان يقوله لخباب عندما جاء يشتكي ويطلب منه أن يدعو الله سبحانه وتعالى ، وفي غزوة الخندق كان الرجل لا يستطيع أن يذهب إلى الغائط وحده من الخوف الشديد والهلع ( إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا. هنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً )، ومع ذلك كله يعدُ صلى الله عليه وسلم بفتح كنوز كسرى وقيصر وما هي إلا أيام ويتم ما وعد به صلى الله عليه وسلم ، فهذه الأمة التي انتصرت وقد بدأت من لاشيء ألا يمكن أن تنتصر مرة أخرى ؟
ولقد مرت هذه الأمة بعصور متفاوتة من الانحطاط والتأخر أصاب المسلمين فيها الأسى وكانوا يتصورون ألا يعود فيه للأمة مكانتها ، لقد زحف التتار بجهود و مباركة الرافضة – عليهم من الله ما يستحقون –على بلاد الإسلام حتى قتلوا في بلاد المسلمين مليوناً و 800ألف من المسلمين حتى أن المسلمين في بلاد الشام تأذوا من روائح إخوانهم الذين ماتوا في بغداد ، وارتكبوا مجازر بشعة كان بطلها الأول قبل أن يكون التتار هم الرافضة نصير الدين الطوسي وابن العلقمي , أعقب تلك المجازر شعورٌ بالهزيمة ولشدة هذا الشعور أصبحت حقيقة لا تقبل النزاع ولا الجدل أن التتار شبح لا يمكن أن يهزم ، ولا يتصور أحد منهم أنه يستطيع أن يواجه التتار فضلاً عن أن يهزمهم وعادت الأمة مرة أخرى وهزمت أولئك .
مثال آخر كان وراءه أولئك الأنذال العبيديون الباطنيون عند ما مكنوا لجيوش النصارى والصليبين فداسوا مقدسات المسلمين وبقي المسجد الأقصى في أيدهم إحدى وتسعين سنة وارتكبوا فيه من المجازر ما لا يخفى عليكم جميعاً ، وتخيل المسلمون بعد ذلك أن لن تقوم للإسلام قائمة ، فيقوم الإسلام ويقوم المسلمون ، ويعود للأمة مكانتها وتمكينها. وتجربة أخرى من التجارب ليست بعيدة ، عنا لقد كانت هذه البلاد التي نعيشها تمر بمرحلة من الوثنية أشبه ما تكون بالوثنية الجاهلية ،كان الناس فيها يعكفون على القبور والأحجار،إضافة إلى التخلف والتمزق السياسي فقد كانت كل قبيلة وحدة واحدة ينتشر فيها النهب والسرقة والفوضى ، فقيّض الله لهذه الأمة مجدداً ومصلحاً هو الشيخ محمد بن عبد الوهاب –رحمه الله -.
وما هي إلا بضع سنوات وتخضع تلك الجزيرة من اليمن إلى تخوم الشام ، ومن الخليج إلى البحر الأحمر ، كل هذه الجزيرة تخضع تحت إمام واحد حتى يأتي مجموعة من الأعراب كاد أن يقتلهم الجوع وقت خلافة عبد العزيز بن محمد ـ رحمه الله ـ فيرون ماعزاً تمشى في الطريق ، فيبحثون عمن يعلق الجرس ليأخذها فما يجرأ أحدهم أن يأخذها حتى قال أحدهم دعوها : فإن الإمام عبد العزيز يحرسها .
لقد وحد الله تلك البلاد على يد الإمام محمد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله ـ وعلى أولئك الأفراد الأوائل حتى انتشرت فيها كلمة التوحيد وحتى أصبح الرجل يسير آمناً ، يأتي ا لرجل يحج على دابته من الشام إلى بيت الله الحرام لا يخشى إلا الله سبحانه وتعالى بعد أن كانت تلك البلاد موئلاً للفتن والاضطرابات ، ومرت هذه الدعوة المباركة وعمت أرجاء العالم الإسلامي فيتأثر بها صديق حسن خان في بلاد الهند ويتأثر بها رشيد رضا في بلاد مصر وفي بلاد المغرب العربي .. وفي بلاد جنوب أفريقيا وفي جميع بلاد المسلمين تجد من تأثر بهذه الدعوة واستجاب لها وقام يدعو لها وينافح عن أصحابها .
هذه الأمة التي استقامت تلك الاستقامات بعد أن هزمها التتار والصليبيون ، ويوم أن دُنّسَ بيتُ المقدس ، وبعد أن عشنا وأدركنا آثار هذه التجربة القريبة ومالها إلا ثلاثة قرون أو قرنين من الزمان تلك التجارب تعطينا دلالة أن الأمة قادرة عندما ترجع إلى دينها و عند ما ترجع إلى ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، قادرة أن تعيد مرة أخرى صفحات تاريخها المشرق .
5- السنن الربانية :
إن هذا الكون أيها الإخوة إنما يسير بتقدير الله سبحانه وتعالى فكل شئ بقدر ( وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر)، والله سبحانه وتعالى قد رتب سنناً تحكم حركة التأريخ وسيره ومن هذه السنن سنة المدافعة فالله سبحانه وتعالى يقول: ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين ) ، أتظنون الآن أن ذلك التفرد الذي يتمتع به الغرب بعد سقوط المعسكر الشرقي ، أتظنون أن هذا سيستمر ؟
لا يمكن أبداً بحال أن يستمر فإن من سنة الله سبحانه وتعالى المدافعة والمداولة فلابد أن تبرز قوة تدفع هذه القوة ، قد يكون الإسلام وقد تكون قوة أخرى فيبرز الإسلام في مرحلة لاحقة ، ولكن لن يستمر هذا الغرب بتسلطه وتفرده .
سنة أخرى أيها الإخوة من سنة الله سبحانه وتعالى : من اجتهد وبذل الأسباب أوصله الله سبحانه وتعالى إلى ما يريد في الحياة الدنيا ، انظروا الآن إلى العالم الغربي الذي يتحكم في العالم كيف كان أيام ما كانوا يسمى لديهم الوسطى ألم يبدأوا من تخلف وانحطاط ؟ يوم كان أولئك الغربيون يفدون على مدارس المسلمين في الأندلس ليتعلموا منها ألم يبدأوا من نقطة الصفر ؟ كيف استطاع هؤلاء بل كيف استطاعت الشيوعية خلال سنوات محدودة أن تقيم حكماً استبدادياً ينتشر في العالم حتى تصبح قوة ثانية تهدد العالم ؟ وسرعان ما هوت هذه الشيوعية وانهارت في عهد جيل واحد .
إنهم قد بذلوا الأسباب فالله سبحانه وتعالى من حكمته أن ييسر للإنسان عندما يبذل أسباب التمكين ، انظروا إلى الأمم السابقة كيف ارتقت إنها قد ارتفعت من الصفر حتى وصلت إلى ما وصلت إليه ، وهذه الأمة عندما تبذل الأسباب فما الذي يحول بينها وبين النصر والتمكين ؟ إذا كانت هذه الأمم متحكمة في العالم الآن إنما وصلت إلى ما وصلت إليه لأنهم بذلوا الأسباب الدنيوية فما الذي يحول بين الأمة وبين ذلك .!؟
وهل النصر والتمكين وقف على هؤلاء ؟؟! إن بعض المسلمين من فرط تأثير الواقع يتخيل أن هذه الأمم خلقت ممكنة وستبقى كذلك إلى قيام الساعة وهذه الأمة شأنها شأن الأمم الأخرى .. ولو بذلت هذه الأمة الأسباب فإنها جديرة بالتمكين كما مكن غيرها , إن هذه الأمة تملك ما لا يملك غيرها ، تملك المنهج الذي يفتقد إليه الناس الذين يعيشون الآن ألوانا من القلق والاضطراب النفسي والضلالات البشرية ، تملك المنهج الذي يتسق مع الفطرة التي فطر الله الناس عليها .
ومن السنن نصر الله سبحانه وتعالى :
إن هذه الأمة لا تعتمد على جهدها وحدها ، لا تعتمد على الأسباب المادية ... إنها مؤيدة من الله سبحانه وتعالى واسمعوا قول الله عز وجل : (قَاتِلُوهُم يُعذِّبَهُم اللّه بِأَيدِيكُم)، فالنصر إنما هو من عند الله سبحانه وتعال:ى( فَلَم تَقتُلوُهُم وَلَكِنَّ اللّه قَتَلَهُم وَما رَمَيتَ إِذ رَمَيتَ وَلَكِنَّ اللّه رَمَى )، فمع أن الأمة الإسلامية شأنها شأن الأمم الأخرى عندما تبذل الأسباب وتجتهد فهي جديرة بالتمكين وجديرة بالنصر ، فهي مع ذلك تملك المنهج الذي تتطلع إليه البشرية التي تعاني الآن من الركام الهائل من ضلال الجاهلية المعاصرة ومع ذلك أيضا فهي تملك نصر الله ومدد الله عز وجل وتأييده وتوفيقه .
ومن سنن الله سبحانه وتعالى المداولة (وَتِلكَ الأَيامُ نُداوِلُها بَينَ النَّاس) ،لقد عرف الناس وعرف التاريخ أمماً سارت ومكن الله لها في الأرض ، فأين ما شاده شداد في إرم ؟ وأين ما ساساه في الفرس ساسان ؟ وأين عاد وثمود ؟ وأين فرعون وهامان وقارون وأبو جهل ؟ أين التتار؟ أين الصليبيون ؟ أين الروم ؟ أين الفرس ؟ أين أولئك الذين مكن لهم وتمكنوا ؟ لقد زالت دولتهم وما هي إلا حقبة ومرحلة حتى تسقط هذه الأمة فتنهض من بعدها أمم أخرى , فالتمكين ليس وقفا على أمة من الأمم .
قبل الحرب العالمية الثانية كانت الإمبراطورية التي كما يقال عنها ( لا تغيب عنها الشمس ) ، وكان يتصدر العالم بريطانيا وفرنسا ثم تحولت الصورة مرة أخرى . تحولت إلى معسكرين آخرين وسقط المعسكر الشرقي ، وهانحن نرى بوادر احتضار المعسكر الغربي.
6- الواقع المعاصر :
ومن المؤيدات الواقع الذي نعيش فيه ومن ذلك الصحوة الإسلامية ، فهي الآن لم تعد ممثلة في دعاة منتشرين في أنحاء العالم الإسلامي ، ولم تعد ممثلة في جماعات أو أحزاب أو جبهات إسلامية ، بل لقد أصبحت الصحوة تيارا متدفقا يملأ بلاد المسلمين ، وانظروا إلى آثارها ونتائجها ، وانظروا إلى واقع العالم الإسلامي الآن ، وواقعه قبل عقدين من الزمان ، كيف كانت الصورة ؟ فالأمة الآن قد أقبلت واتجهت إلى الله سبحانه وتعالى ومهما تآمر المتآمرون فالصحوة لم تعد رجلا واحداً ولم تعد فرداً أو فردين ، ولم تعد جماعةً أو حزباً أو جبهة ، بل هي تيار متدفق فقد أقبلت الجموع إلى الله سبحانه وتعالى .
المؤيد الثاني من مؤيدات الواقع حال الشعوب الآن فهي تقبل الإسلام وتريد الإسلام, قبل مرحلة من الزمن كانت الأمة تسير وراء الناصريين والقوميين والاشتراكيين ، وتسير وراء أبطال الهزائم والنكسات التي مرت بالأمة ، لكن الآن الأمة أصبحت تريد الإسلام وانظروا مؤشرا واحدا يعطيكم دلالة على أن الشعوب أصبحت تريد الإسلام .
تلك الدول التي يجري فيها انتخابات عندما يسمح للدعاة إلى الله عز وجل أن يشاركوا في هذه الانتخابات ما هي النتيجة التي يصل إليها هؤلاء ؟من كان يصدق أن ثلثي برلمانات إحدى الدول الإسلامية سيكون من الإسلاميين ! من كان سيصدق أن الإسلاميين سيحصلون على أكثر من 80% من أصوات الشعب مع تلك الحرب والتشويه لتاريخ أولئك الدعاة ، إن هذا يعطينا دلالة أيها الإخوة على أن الأمة تريد الإسلام ، وعلى أن الشعوب اتجهت إلى الإسلام وقد لفظت عنها أولئك . لقد لفظت عنها العلمانيين والبعثيين وغيرهم ، وعرفت أن شعارات أولئك لم تبقَ فعلاً ولم يبقَ إلا أولئك الدعاة ، وحين تصبح الصحوة تيارا كهذا التيار لا يستطيع أحد أبدا أن يقف في وجهه ولا يرده .
أيضا من مؤيدات الواقع سقوط الإمبراطورية الشرقية التي كانت تتحكم في نصف العالم ، التي كانت تمارس القتل والاستبداد والمجازر ، الشرق الذي كان يخشاه الغرب ويعتبره قوة تنافسه وتهدده , بين عشية وضحاها سقط وانهار وتمزق إلى دويلات ، والذي جعل المشرق يسقط سيسقط الغرب أيضاً، ولئن كان الغرب يملك قدرا من الثبات أكثر من المشرق لكنه أيضاً يملك من داخله مقومات الفناء . وقد بدأت عوامل الانهيار والفناء تنخر في جسد الغرب أيضا .
7- روافد أخرى للصحوة :
هناك روافد لهذه الصحوة تؤيد بروزها وتحتم ظهورها . منها :
1- كون المسجد الأقصى بيد ال**** . وقد يستغرب ذلك ، نعم أقول أن ذلك يكون دافعا للأمة أن تعود إلى الله سبحانه وتعالى ، لأن الأمة كلها بل كل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله يتطلع لليوم الذي يحرر فيه الأقصى اليوم الذي يطرد فيه ال**** ، وحينئذ تعلم الأمة وقد جرب التاريخ أنه لن يخلص هذه البلاد الطاهرة إلا الدعاة الصادقون ، الذين قال عنهم النبي صلى الله عليه وسلم :" يقول الحجر يا مسلم يا عبد الله هذا ****ي خلفي تعال فاقتله".
إن وجود الأقصى في يد ال**** مما يبعث على الأمل أيضاً لأن ذلك يشعرها بالذل والحاجة إلى أن تعود إلى دينها والحاجة إلى أن تلتف وراء القادة الصادقين .
2- التمزق الذي تعيشه الأمة ، مع أنه ظاهره مرضية لكنه مما يعين الأمة للرجعة إلى الله عز وجل ، لأن المريض لا يتشجع للعلاج إلا عندما يدرك خطورة المرض ، لقد أدركت الأمة فشل الشعارات الأرضية ، لقد أدركت أن ولاءهم ليس للإسلام إنما ولاؤهم لأعداء الإسلام وإنه لن ينقذها مما هي فيه أبطال البعث ولا الناصريون ولا القوميون ولا غيرهم ، لن ينقذها سوى الدعاة إلى الله سبحانه تعالى .
3- التآمر الدولي على الإسلام باسم النظام العالمي الجديد ، وباسم المؤسسات الدولية بكافة الأسماء والمسميات ويكفي أن نعلم أنه في عام 1983م أي قبل 9سنوات من الآن وقد تغيرت الصورة كثيرا قامت الاستخبارات الأمريكية بتمويل 120 ندوة لدراسة الصحوة الإسلامية ، أي بمعدل ندوة كل 3 أيام ، وهذا التآمر بحد ذاته بشرى خير لانتصار الإسلام وقد تستغربون ذلك ، أقول نعم إن هذا دليل على أنهم أصبحوا يشعرون أن الإسلام خطر يهدد حياتهم ، والأمر الثاني أيضا أن المسلم عندما يشعر أنه يُتآمر ضده سرعان ما يعود إلى دين الله سبحانه وتعالى ويلتف حول القادة الذين يدعونه إلى الله عز وجل والعودة إلى دينه سبحانه ، ومهما كاد هؤلاء فإنهم كما قال الله سبحانه وتعالى: (وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كاد مكرهم لتزول منه الجبال) ، ( وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون ، ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون ، فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين فتلك بيوتهم خاويةً بما ظلموا)
أتظنون أيها الإخوة أن هؤلاء أكرم عند الله من قوم نوح ؟ أتظنون أن هؤلاء أكرم عند الله من قوم عاد (إرم ذات العماد ) ؟ أتظنون أنهم أكرم من قوم فرعون وزبانيته ؟ أتظنون أنهم أكرم على الله من أبي جهل وشيبة وعتبة وغيرهم ؟ إن الذي نصر محمداً صلى الله عليه وسلم ونصر نوحاً وهوداً عليهما السلام هو الذي يلجأ إليه المسلمون الآن ليطلبوا النصر ، إن الذي أزال الدولة عن فرعون وعن قوم نوح وعن أبي جهل وعتبة وشيبة ، هو الذي أيضاً يحاربه هؤلاء وهو الذي سيزيل الدولة عليهم مرة أخرى .
4- سقوط الحضارة الغربية فهي مؤذنة بالسقوط الآن ، ولنشر إلى بعض الإحصائيات السريعة -وهي إحصائيات قديمة وقد تغيرت الصورة الآن- :
- من الإحصائيات في الولايات المتحدة في كل 6دقائق تحصل جريمة اغتصاب وكل 28 دقيقة يسقط قتيل ، وكل 8 ثواني جريمة سرقة بالإكراه .
- في عام 1981م بلغ عدد الجرائم في الولايات المتحدة ثلاثة عشر مليوناً وثلاثمائة وتسعون ألف جريمة أي بمعدل 9 جرائم لكل مواطن ، وقامت أيضا الولايات المتحدة -كما نشرت جريدة الرياض - باعتماد مبالغ كبيرة لتمويل وتأمين أجهزة لاسلكي للمعلمين والمعلمات حتى يتصلوا بالأمن نظراً لأنهم يهددون من قبل الطلبة والطالبات ، وأيضا ذكرت جريدة الرياض أن نوع النظارات الجديدة والغالية الثمن تسببت في جرائم كثيرة نظراً لأن اللصوص يسرقون النظارات ثم يذهبون يبيعونها ، وقد سقط في وقت قصير ثلاثة أشخاص قتلى لأجل هذه النظارات .
- وفي عام واحد فقط اختطف في الولايات المتحدة 100ألف طفل .
أما الانهيار الاقتصادي فيكفي أنكم تعلمون جميعاً أن أكبر شركتي سيارات قد أعلنت خسارات كبيرة تبلغ المليارات .
فشركة جنرال موتورز قد قامت بإغلاق 50 مصنعاً وقد تجاوزت خسارتها أكثر من 4 مليارات دولار وقد قامت بتسريح آلاف العمال ، وتلاها في الخسارة ثاني أكبر شركة في الصناعات وهي شركة فورد وقد خسرت مليارين وثلاثمائة ألف دولار ..
هذه ليست خسارة لشركة واحدة إنما نكسة اقتصادية يعيشها هؤلاء ... ويكفي الوضع الاقتصادي أن تحصل نكبة أو هزة اقتصادية فهي كفيلة أن تهز هؤلاء وأن تقضي عليهم كما قضت على المعسكر الشرقي .
على كل حال هذه الحضارة الغربية الآن تحمل في طياتها بذور الانهيار ولا أريد أن أستطرد وأطيل في هذه النقطة لأصل بعدذلك إلى قضايا مهمة أود أن أنبه عليها .
أمور لابد منها:
بعد هذه الأمور السبعة أظن أنكم توافقونني جميعاً على أننا نجزم ونعتقد أنه بعد هذا الليل لابد أن يبزغ الفجر الصادق ولابد أن تنتصر هذه الأمة ولابد أن تعود هذه الأمة إلى المكانة التي اختارها الله عز وجل إليها خير أمة أخرجت للناس ، لكن مع ذلك كله لابد من الإشارة إلى أمور سريعة :
أولاً : مع كل هذه القضايا ومع هذا الوعد الصادق من الله عز وجل ومن النبي صلى الله عليه وسلم فيجب أن نعلم أن من سنة الله سبحانه وتعالى أن النصر والتمكين إنما يتم بجهود البشر أنفسهم وهذا من كرامة الله لهذه الأمة ، فلقد كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي بعث الله إليهم نبيا . أما هذه الأمة فمن كرامتها على الله عز وجل أنه كان يقودها العلماء والمصلحون والطائفة المنصورة الذين لا يأتيهم وحي من الله سبحانه وتعالى . أقول أيها الأخوة مع أن الله تكفل لهذه الأمة بالنصر ومع أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال :" بشر هذه الأمة بالسناء والنصر والتمكين " ومع ذلك كله لابد أن يتم ذلك بجهد البشر .